
نزار جاف
مجاهدو خلق ... لماذا يخشى البعض مجرد الاعتراف بوجودهم؟
ثمة شيء غريب في الطريقة التي يجري بها الحديث عن مستقبل إيران. فكلما اقترب النقاش من سؤال: "من يستطيع أن يكون جزءا من البديل؟"، تتسع دائرة الحديث عن كل شيء تقريبا، إلا عن منظمة مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية، وكأن هناك اتفاقا غير معلن على أن أفضل طريقة للتعامل مع وجودها هي التظاهر بعدم وجودها. لكن السياسة لا تدار بالأمنيات، والتاريخ لا يمكن حذفه بقرار تحريري.
قد يختلف المرء مع مجاهدي خلق، بل يمكنه أن ينتقد تاريخها وخياراتها وتحالفاتها واستراتيجياتها. وهذا حق مشروع. لكن النقد شيء، والتغييب شيء آخر. الأول يعترف بوجود الخصم ثم يناقشه، أما الثاني فيحاول إسقاطه من المعادلة قبل بدء النقاش. وهنا تحديدا تكمن المفارقة.
ستة عقود لم تكن كافية لإسقاط الاسم
منظمة بدأت نشاطها قبل أكثر من ستة عقود، عاصرت نظام الشاه، والثورة، وقيام الجمهورية الإسلامية، والحرب، والقمع، والإعدامات، والتحولات الإقليمية والدولية، ثم ظلت حاضرة في المشهد المعارض حتى اليوم، لا يمكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة عابرة.
قد يختلف حجم تأثيرها الفعلي من مرحلة إلى أخرى، وقد تتباين التقديرات بشأن قدرتها على التأثير داخل إيران، لكن بقاء تنظيم سياسي كل هذه المدة، وإعادة إنتاج بنيته التنظيمية عبر أجيال، أمر يستحق تفسيرا سياسيا، لا مجرد التجاهل.
والأهم أن القضية لم تعد مجرد تاريخ.
فالتقارير التي تتحدث عن نشاط "وحدات المقاومة" داخل إيران، وعن عمليات متزامنة في مدن متعددة، تقدم صورة عن محاولة نقل المعارضة من حالة الاحتجاج العفوي الى حالة الفعل المنظم. كما أن النظام الإيراني نفسه لم يتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها وهما إعلاميا، بل أعلن في مناسبات مختلفة عن اعتقالات ومحاكمات وأحكام بحق أشخاص اتهمهم بالارتباط بمجاهدي خلق.
وسواء اتفقنا مع هذه العمليات أو اختلفنا حول حجمها وتأثيرها، فإن وجود نشاط منظم داخل إيران يطرح سؤالا لا يمكن تجاهله: هل المعارضة الإيرانية كلها ظاهرة افتراضية على شاشات المنفى، أم أن جزءا منها يمتلك امتدادات تنظيمية في الداخل؟
لماذا يخيف التنظيم أكثر من الاحتجاج؟
النظام يستطيع التعامل مع احتجاج عفوي: يقطع الإنترنت، يعتقل، يهدد، يقمع، ثم ينتظر حتى ينحسر الغضب.
لكن التنظيم قصة أخرى.
فالاحتجاج يمكن أن ينتهي بانتهاء اللحظة التي أشعلته، أما التنظيم فيستطيع الاحتفاظ بالذاكرة والخبرة والشبكات والقدرة على إعادة إنتاج الفعل. ولهذا ربما يكون أكثر ما يقلق أي نظام سلطوي ليس أن يغضب الناس، وإنما أن يتعلم الغاضبون كيف ينظمون غضبهم.
ومن هنا تأتي أهمية وحدات المقاومة في قراءة المشهد الإيراني، بصرف النظر عن التقييمات المتباينة حولها.
المشكلة ليست في مجاهدي خلق فقط
ربما يكون السؤال الأكثر إحراجا هو: لماذا يراد أحيانا اختزال المعارضة الإيرانية بين خيارين لا ثالث لهما: الجمهورية الإسلامية أو عودة الملكية؟
أين يذهب الإيرانيون الذين لا يريدون هذا ولا ذاك؟
هنا يصبح شعار "لا للشاه ولا للولي الفقيه" أكثر من مجرد شعار؛ إنه محاولة لفتح طريق ثالث: إسقاط الاستبداد الديني من دون إعادة إنتاج الاستبداد الملكي.
ومن هذه الزاوية تحديدا يصبح حضور مجاهدي خلق مزعجا لبعض الروايات السياسية الجاهزة؛ لأنها تطرح نفسها، بصرف النظر عن مدى الاتفاق معها، كقوة ذات مشروع سياسي وتنظيم وبنية واستراتيجية، لا كحالة احتجاج عابرة.
وهذا تحديدا ما يجعل مسألة "التغييب" جديرة بالتوقف.
ليس المطلوب التصفيق... بل عدم الحذف
ليس من الضروري أن يتحول الباحث الى مؤيد لمجاهدي خلق كي يعترف بوجودها، وليس مطلوبا من الصحفي أن يتبنى روايتها كي يناقشها. بل إن الموضوعية الحقيقية تقتضي العكس تماما: أن تعرض الرواية، ثم تفحص وتناقش وتنتقد وتقارن بالوقائع.
أما أن تحذف المنظمة من المشهد، ثم يقال إن المشهد لا يحتوي إلا على القوى التي بقيت بعد حذفها، فذلك ليس تحليلا؛ إنه إعادة صناعة للواقع.
ولعل أكثر ما يكشف أهمية هذه القضية أن النظام الإيراني نفسه لم يتعامل تاريخيا مع مجاهدي خلق كتنظيم هامشي، وحجم القمع الذي تعرض له أنصارها، واستمرار استهداف شبكاتها ومناصريها، يدل على أن النظام يرى في التنظيم المعارض خطرا مختلفا عن مجرد احتجاج عابر.
وهنا المفارقة الكبرى: إذا كان التنظيم بلا تأثير، فلماذا كل هذا الخوف منه؟
المعادلة التي لا يريد أحد مواجهتها
إن مستقبل إيران لن تحدده الرغبات الإعلامية، ولا الروايات التي تفرض من الخارج، ولا محاولة إعادة تأهيل الماضي باعتباره البديل الوحيد للحاضر.
فحين يسقط نظام الولي الفقيه، سيكون السؤال الحقيقي: ماذا بعده؟
هل تعود إيران إلى الماضي؟ أم تدخل في فراغ وفوضى؟ أم تنشأ جمهورية تقوم على إرادة الشعب وحقوقه وحرياته؟
وفي هذه اللحظة تحديدا سيكون من الصعب تجاهل أي قوة منظمة تمتلك تاريخا وشبكة وخبرة سياسية وتطرح نفسها جزءا من مشروع البديل.
لذلك، فإن قضية مجاهدي خلق ليست في النهاية قضية حب أو كراهية، ولا قضية قبول أو رفض.
إنها قضية أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:
هل نريد أن نقرأ إيران كما هي، أم كما نرغب في أن تكون؟
فإذا كان المطلوب فهما حقيقيا لمستقبل إيران، فإن أول شروط هذا الفهم هو ألا نبدأ بحذف القوى التي لا تعجبنا من الصورة.
التاريخ لا يمنح أحدا حق اختيار الشخصيات التي تظهر في صفحاته.
والتغييب، مهما طال، لا يساوي الغياب.

677 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع