
أ.د.صلاح الصالحي
الحمل بالمساحقة في الفقه القديم:(امرأة تُرجم، وجارية تُجلد، والولد يُنسب إلى الرجل!)
توجد في كتب الفقه والحديث الشيعية مسألة فقهية غريبة أثارت، ولا تزال تثير، تساؤلات عديدة، وهي مسألة (الحمل بالمساحقة)، أي إمكان حدوث الحمل نتيجة انتقال مني الرجل إلى امرأة أخرى من خلال المساحقة، من دون حصول جماع مباشر معها.
ويُعدّ الكليني: محمد بن يعقوب (ت 329هـ/941م)، في كتابه الكافي، من أقدم مصادر هذه الرواية، إذ أوردها في كتاب الحدود، في رواية عن محمد بن مسلم، ثم نقلها علماء إمامية متأخرون، ومنهم المجلسي: محمد باقر (ت 1110هـ/1699م) في كتابه (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول)، وقد صنّف المجلسي الرواية صحيحة من حيث السند بحسب ما تنقله المصادر التي وثّقت حكمه عليها.
وتقول الرواية، باختصار، (بينا الحسن بن علي (رض) في مجلس أمير المؤمنين علي (رض) إذ جاء قوم فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين، قال: وما حاجتكم؟ قالوا: إن امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها، أي بقيت متأثرة بحرارة الجماع، ثم وقعت على جارية بكر فساحقتها، وانتقلت إليها النطفة، فحملت الجارية، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (رض): بأن المرأة المتزوجة تعطي مهر الجارية البكر أولًا، ثم تُرجم لأنها محصنة، وينتظر بالجارية حتى تضع حملها، ويلحق الولد بصاحب النطفة، ثم تُجلد الجارية، وعندما عُرض الحكم على الإمام علي بن أبي طالب (رض)، ورد في الرواية أنه قال: لو أنني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر مما قال ابني الحسن).
الرواية لا تتعامل مع المسألة بوصفها قصة، وإنما تقدم لها حكمًا فقهيًا تفصيليًا يتناول المهر، والعقوبة، والنسب، والحمل، وما يترتب على كل طرف من أطراف القضية، فقد ناقشها عدد من الفقهاء على أساس إمكان حصول الحمل بالمساحقة، حيث بحث مؤلفو الرواية إمكان انتقال المني وتكوّن الحمل بهذه الصورة، وربط ذلك بأحكام النسب والعدة، وأن المسألة لم تكن مجرد رواية مهملة، وإنما دخلت في النقاش الفقهي في عصور لاحقة أيضًا، أما في كتب أهل السنة والجماعة فهذه الرواية غير موجودة ولا معتبرة، خاصة وان سندها ضعيف فلا يؤخذ بها، وابضا يعتبرونها من احاديث الفقه الشيعية.
فمن الناحية الطبية الحديثة، فالحمل يمكن أن يحدث من دون جماع مباشر إذا وصل مني يحتوي على حيوانات منوية إلى المهبل، حتى ولو كان الاتصال الجنسي غير مباشر، ولهذا فإن أصل إمكان وصول النطفة إلى الجهاز التناسلي وحدوث الحمل ليس مستحيلًا من الناحية البيولوجية، وإن كانت الصورة الواردة في الرواية تختلف عن وسائل التلقيح المعروفة في الوقت الحاضر.
أما بطبيعة الحكم والعقوبات بين أطراف القصة، فالمرأة المتزوجة تُعامل في الرواية باعتبارها محصنة، ويُحكم عليها بالزنا والعقوبة الرجم حتى الموت، بينما تُجلد الجارية (100 جلدة) بعد وضع حملها، ويلحق الطفل بالرجل صاحب النطفة، وهنا يحق لأي شخص أن يتساءل عن صورة المرأة والرجل داخل هذا التصور الفقهي القديم، وكيف كانت الأحكام المتعلقة بالجنس، والزواج، والنسب، والعقوبة.
ويبقى أن نقول إن الرواية لا تذكر أن الزوج يتزوج الجارية بعد ولادة طفلها، وإنما تذكر مصير المرأة، والجارية، والولد، والرجل صاحب النطفة، لذلك لا نتوقع بأن الرجل هو الفائز الأول، فزواج الرجل من الجارية ليس جزءًا من منطوق الرواية نفسها.
ومع ذلك، فإن الرواية تطرح التساؤل: هل كانت بعض النظم الفقهية القديمة تنظر إلى المرأة باعتبارها الطرف الأكثر تحمّلًا للعقوبة في القضايا الجنسية؟ وهل تكشف مثل هذه الروايات أن تجعل الرجل، في بعض نصوص القوانين، يحتل موقعًا أكثر قوة من المرأة؟ إنها مسألة فقهية قديمة، لكنها تطرح أسئلة عن المرأة والرجل، والجنس والنسب، والعقوبة والسلطة في التشريع القديم...تحياتي...
د. صلاح رشيد الصالحي... بغداد 2026

789 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع