
أحمد العبداللّه
جاك شيراك (يتنبّأ) بالمأساة العراقية!!
في اليوم التالي لـ(غزوة نيويورك)لصاحبها(أسامة بن لادن)اتخذ مجرم الحرب(بوش الصغير)قراره باحتلال العراق والقضاء على نظامه السياسي وتفكيك الدولة العراقية, وتسليم مقدّراته(غنيمة)إلى إيران على طبق من ذهب, وكان احتلال أفغانستان بمثابة(بروفة)لاحتلال العراق. ومما سهّل لبوش اتخاذ هذا القرار هو أخطاء النظام العراقي السابق وتقديمه الذرائع والحجج ووضع نفسه موضع الشبهة؛ بأن لديه برامج سرية لأسلحة الدمار الشامل, وفشله في الاستجابة للقرارات الأممية وهي تحت الفصل السابع, وممارسته لعبة القط والفأر مع فرق التفتيش الدولية, وعدم استثماره الفترة الزمنية الطويلة التي تلت سنة 1991, لغلق الملفات المفتوحة وتطبيع علاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي, بغية رفع الحصار المفروض عليه بقرار ملزم من مجلس الأمن, بل بقي أسير سياساته الفاشلة وشعاراته المستهلكة وتهديداته الفارغة.
وفي هذا الاتجاه, يبرز الموقف الفرنسي المتمايز عن الموقف الأمريكي, والذي اختطَّ له طريقا خاصا به منذ رئاسة(ديغول), وخاصة في فترة الستينات وما بعدها. وكانت السياسة الفرنسية داعمة للعراق خلال عقد السبعينات في عهد رئيس الوزراء(جاك شيراك), والذي ارتبط بعلاقة وثيقة مع نائب الرئيس صدّام حسين, والتي شهدت قفزة نوعية في علاقات العراق الاقتصادية والعسكرية مع فرنسا تُوّجت بتزويده بمفاعل تموز الذري للأغراض السلمية. واستمر الحال خلال عقد الثمانينات, قبل أن تنتكس تلك العلاقة عام 1990 بسبب غزو العراق للكويت.
وخلال العدوان الإيراني على العراق؛(1980-1988), اتخذ الرئيس الفرنسي(فرانسوا ميتران)موقفا داعما للعراق بقوة, وأدلى بتصريح لافت في بداية رئاسته عام 1981, قائلا: إن الحدود بين العراق وإيران ليست حدودًا بين بلدين، بل هي حدود تاريخية بين الحضارة العربيّة والحضارة الفارسية, عُمُرها خمسمئة سنة. وإن أيّ اختراق إيراني للحدود العراقية يعني زوال هذه الحدود. وذلك يهدّد موازين القوى في المنطقة كلّها.
***
وفي كتابه الاستثنائي(الآخرون لا يفكرون مثلنا), يكشف(موريس غوردو مونتاني)؛السفير الفرنسي السابق والمستشار السياسي للرئيس جاك شيراك, كواليس الاتصالات والاجتماعات الرئاسية التي سبقت الغزو الأميركي للعراق في 20-3- 2003, والتي عايشها(من الداخل). وانتدبه شيراك طيلة شهور للقيام بزيارات إلى واشنطن وموسكو وبكين وبرلين وعواصم القرار الأخرى. إذ كانت باريس، في تلك الفترة، اللولب الذي سعى لثني واشنطن عن(مغامرتها)العسكرية، عارضة عليها خيارات عديدة، ومصرّة على أن يحظى أي تدخل عسكري بغطاء من مجلس الأمن الدولي, كي يكون شرعيًا.
وقد حذّر الفرنسيون من أنَّ الإطاحة بنظام صدّام حسين بعملية عسكرية ستؤدي لـ(تفكيك الموزاييك الهش)في العراق, وستُشكّل خطأ استراتيجيا جسيما، لكن الأميركيين تجاهلوا كل تلك التحذيرات وأصرّوا على الحرب. إذ يقول(مونتاني)؛(كان شيراك يرى أن الإطاحة بالنظام العراقي من خلال عملية عسكرية ستُفضي بلا شك لقلب موازين القوى داخل العالم الإسلامي لصالح الشيعة المحسوبين على نظام الحكم في إيران وعلى حساب السُّنة، وسيُؤدي لتوترات لاحقة).
رؤيتان متناقضتان؛ الأولى تريد الحرب بأي ثمن وتحملها الإدارة الأميركية ممثلة بالرئيس(جورج بوش)الابن، والأخرى محورها فرنسا التي لوّحت للمرة الأولى باللجوء لحق النقض(الفيتو)لإجهاض أي مشروع قرار أميركي يُقدّم لمجلس الأمن للحصول على ضوء أخضر منه, ولا يكون مبررا. وكان الفرنسيون حريصين على عدم نسف التوازنات الهشة القائمة في منطقة الشرق الأوسط, والتي استقرت نسبيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد كان المؤلف حاضرًا في القمة التي جمعت الرئيسين شيراك وبوش في براغ، بتاريخ 26 تشرين الثاني 2002, إذ يقول؛ قبل ذهابنا لبراغ, كانت لدينا قناعة أن واشنطن ذاهبة إلى الحرب بأي ثمن. ويصف المشهد قائلا: كان الوفدان جالسين وجهًا لوجه.. أجواء التوتر ملموسة, وكلٌّ منهما يغنّي على ليلاه. بوش غارق في قناعاته، لا بل إنه عندما يتكلم لم يكن ينظر إلى شيراك!!. ويقول؛ جاء جواب الأخير سريعًا:(إن الحرب ستضرب الاستقرار في المنطقة، وستُفضي إلى تسلّم الشيعة المقرّبين من إيران الحكم في بغداد، وستقوّي نفوذ إيران في سوريا وفي لبنان عبر(حزب الله). وأضاف شيراك:(هذه الحرب لن تكون شرعية وستُحدِث انقسامًا داخل الأسرة الدولية، وستُفقِد الغرب مصداقيته، وستكون مصدر الفوضى التي ستنبثق منها موجة إرهاب سيصعب السيطرة عليها).
لقد كان الرئيس( جاك شيراك)رجلا بعيد النظر, ويمتلك نظرة ثاقبة, ويعدّه الكثيرون آخر رئيس حقيقي للجمهورية الفرنسية. وإن ما(تنبّأ)به في سنة 2002, تحقق بحذافيره بعد حين, وكأنه كان يقرأ في كتاب الغيب. ولكن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، كانت قضية أسلحة الدمار الشامل المزعومة مسألة ثانوية مقارنة برغبتها في الإطاحة بنظام صدّام حسين. ويعترف(لويس رويدا)رئيس مجموعة عمليات العراق بالسي آي إيه:(كُنّا سنغزو العراق، حتى ولو كان ما بحوزة صدّام هو مجرد رابط مطاطي ومشبك ورق.. كنا سنقول إنه سيستخدم هذه الأشياء لفقأ عينك)!!.
ورغم إنه و(بوش)الابن ينتميان للحزب الجمهوري ذاته, ولكن الرئيس الأمريكي(دونالد ترامب)أدان مرارًا قرار غزو العراق، واصفاً إياه بأنه؛(أسوأ قرار في تاريخ الولايات المتحدة)!!. وأضاف؛(أن أمريكا هاجمت البلد الخطأ بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وأن العراق لم يكن مسؤولًا عن تلك الهجمات). وأشار إلى أن حلّ الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة كانا خطأً جسيمًا أدى إلى فراغ أمني وفوضى. وأكد أن الحرب على العراق كانت ورطة استنزفت طاقات الجيش الأمريكي وخلقَت أزمات مستمرة في الشرق الأوسط.
وفي مقال تحليلي لمجلة(فورين آفيرز)الأمريكية, قالت فيه؛ بحلول صيف 2003 صار من الواضح حتى لأشد مؤيدي الحرب المتحمسين، إن غزو العراق لم يسر كما كان مخططا له. وبعد عشرين عاما، تأكد أنه في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لم يكن هناك صراع أكثر تأثيرًا على الجيش الأمريكي من حرب العراق. الجيش الامريكي أنفق نحو تريليونيّ دولار للإطاحة بالرئيس العراقي صدّام حسين ومحاربة التمرد. ونحو أربعة ملايين أمريكي قاتلوا وأمضوا سنوات من شبابهم وهم يحاولون السيطرة على بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن أمريكا.. إن الحرب كانت كارثة استراتيجية، وعلى الرغم من كل استثماراتها في بغداد، فإن الولايات المتحدة أقامت في نهاية الامر دولة هشة تربطها علاقات عميقة مع إيران، وهي أحد الخصوم الأساسيين لواشنطن. وأثار الغزو الكثير من المشاعر السيئة تجاه الولايات المتحدة في أنحاء العالم، وولدت مجموعات إرهابية جديدة مثل(داعش)، بالإضافة إلى إنها وضعت حدًّا لمرحلة الهيمنة الأمريكية.
***
ثم يعرّج(مونتاني)للحديث عن الزيارة السرية التي قام بها إلى طهران في العام 2005 ولقائه كبار المسؤولين الإيرانيين. وخلاصة ما توصّل إليه؛(إن ما يهم الإيرانيين هو الاعتراف بموقع ودور إيران الإقليمي، ورفضهم التهميش على المسرح العالمي). وما لفت نظره أن أيًّا من المسؤولين الإيرانيين لم ينطق بكلمة عن إسرائيل التي تعدّها الآيديولوجيا الإيرانية(الشيطان الأصغر)إلى جانب الولايات المتحدة(الشيطان الأكبر)*!!.
وهذا دليل آخر يؤكد إن نظام الدجل والنفاق في طهران, هو نظام انتهازي مصلحي يستخدم(الآيديولوجيا)كقناع ووسيلة لتحقيق أطماعه التوسعية في بلاد العرب, باستغلال القضية الفلسطينية كذريعة لبلوغ أهدافه. وإن شعاراته الصاخبة بالعداء لأمريكا وإسرائيل هي كذبة كبرى وبمثابة(قنابر دخانية)لإخفاء سياساته العدوانية, مستخدمًا أسلوب(التقيّة).
....................................................
* الغريب إن المسؤولين الأمريكان وجهات التحقيق في واشنطن, قد تجاهلوا كليًّا فرضية إن هناك دور لإيران في تفجير البرجين. إذ كان التخادم الأمريكي - الإيراني في أوجه آنذاك, وكان الطرفان في حالة(نكاح متعة)وينامان في فراش واحد!!.
وبهذا الصدد أكّد(توماس كين)رئيس لجنة التحقيق الأمريكية في(هجمات 11 سبتمبر), في تصريحات صحفية أدلى بها في أيلول 2021 بمناسبة الذكرى العشرين للهجمات؛(إنه وجد المزيد من المعلومات حول تورّط إيران المحتمل في أحداث 11 سبتمبر عام 2001)!!!.

822 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع