ماذا تعرف عن "الغبقة" الرمضانية في دول الخليج العربي؟

 ماذا تعرف عن "الغبقة" الرمضانية في دول الخليج العربي؟

"الغبقة" هي إحدى العادات الرمضانية القديمة التي ما زالت تعيش في المجتمع الخليجي تعزيزاً للتعارف والترابط الاجماعي، كما تطورت لأشكال متعددة مع الحداثة. وقد اعتاد الناس على ان يقتصر الافطار عند صلاة المغرب على التمور والقهوة العربية الصفراء، وربما نوع من حساء الشوربة.ولا يتناولون شسئا الا بعد صلاة التراويح وهي الغبقة الرمضانية.

تعني "غبقة" عند الخليجيين العشاء الرمضاني المتأخر، الذي يسبق وجبة السحور، وغبقة هي كلمة عربية أصيلة أتت إلينا بالسماع من حياة البادية ويرجع أصلها إلى "الغبوق"، وهو حليب الناقة الذي يشرب ليلًاً، وعكسه "الصبوح" وهو الذي يشرب من لبن الناقة في الصباح، بينما يقول البعض أن الغبوق هو عبارة عن وجبة خفيفة تؤكل في المساء. ويشار الى أن الغبقة قد تملك أسماء مختلفة كالعشوة والتعتيمة وغيرها ولكن ورغم إختلاف التسمية المبدأ والألية والمواعيد هي نفسها.
وتوقيتها يختلف بين دولة خليجية واخرى وقد يزيد أو ينقص ولكنه محصور بفترة متأخرة من الليل. فمثلاً في البحرين الغبقة تقام بين الساعة الحادية عشر والثانية ليلاً، اما في الكويت فهي بعد صلاة العشاء وفي السعودية هي بين أي وقت بعد الإفطار وقبل السحور وإن كانت عادة تسبق السحور بوقت قليل.
إذن فكلمة (غبقة) هي كلمة مشهورة في لهجة أهل الخليج العربي والتي تعني العشاء الرمضاني المتأخر الذي يسبق وجبة السحور، أي يمكن تعريفها بأنها وليمة تؤكل قبل بلوغ منتصف الليل بقليل، ولا خلاف على أن كلمة «الغبقة» هي وجبة رمضانية خاصة بشهر رمضان فقط ولا يمكن أن تقام في بقية أشهر السنة الهجرية، ولقد كانت في السابق (أيام الأجداد) تختلف قليلًا عن شكلها الآن في أشياء عديدة، حيث كان لها طابع مختلف، وكانت تقدم فيها وجبات تقليدية مختلفة عما تُقدم الآن، كما أن عدد الحضور يكون مختلف أيضًا، إلا أنه من الطبيعي أن يتغير كل هذا مع تغير الأجيال واختلاف عاداتهم وأنماط حياتهم، لكن تظل التسمية ومعنى اللقاء كما هي عادة رمضانية اجتماعية في دول الخليج العربي.
ويقول المؤرخ خليل محمد المريخي وهو مؤرخ بحريني أن الغبقة هي لقاء اجتماعي بين الأهل والمعارف، ولربما يمكن القول إن هناك غبقات للرجال وأخرى للنساء وثالثة للشباب، يجتمعون فيها لتناول الوليمة ولتبادل الأحاديث والسؤال عن أحوال بعضهم البعض والترفيه عن النفس، وفي السابق، لا يشارك أحد من الغرباء في الغبقة، حيث كانت مخصصة للمعارف فقط، وكانت تقام عند واحد من أهل الحي؛ كلٌ حسب الاتفاق على الموعد، وهي باقية حتى اليوم كلقاء سمر رمضاني يحبه الصغار والكبار. ولكن في الآونة الأخيرة مع انفتاح مجتمعات الخليج على الوافدين صارت الدعوات توجه للضيوف من غير القطريين للمشاركة في تناول الغبقة الرمضانية.


أطباق الغبقة:
وتختلف أطباق الغبقة من دولة لأخرى من دول الخليج العربي، وحتى من حيٍ لآخر، لكنها بشكل أساسي تشمل العديد من الأطباق الخليجية الشهيرة الشعبية كالثريد مثلًا والهريس، وهي اكلات رمضانية شهيرة، ومن ضمن الأطباق القديمة التي كانت تشتهر بها الغبقة في السابق «طبق البرنيوش» أو (المحمّر) وهو عبارة عن أرز مطبوخ بالسكر أو بدبس الرمان، وتختلف عمومًا من مكان لآخر فالبعض يفضل تقديم «طبق المجبوس» والبعض الآخر يفضل « طبق المشخول» وفي الغالب تكون هذا الأكلات مخصصة للغبقة حتى وإن تم تقديمها على وجبة الفطور، ويقوم الناس أيضًا بتقديم أطباق الحلويات مثل حلوى الساقو وحلوى اللقيمات أو حلوى النشاء أو العصيدة، كل هذا بالإضافة أيضًا إلى تقديم التمر والشاي والقهوة.


ماهو الطبق الأساسي في الغبقة؟
يرى احد المتخصصين في الأكلات الشعبية الخليجية أن « طبق المحمّر» هو الطبق الأساسي في الغبقات الرمضانية الخليجية حتى مرحلة الستينيات، لكن دخل بعدها عدة أطباق جديدة من ثقافات مختلفة، ومنها بعض الأطباق الجانبية وبعض الأكلات الشامية، ولقد كانت العائلات الخليجية تقوم بتقديم طبق واحد فقط للغبقة يقوم الرجال بالأكل منه أولًا ثم يأتي دور النساء بعدهم في الأكل.
ويعد ارتباط طبق «المحمّر» بالغبقة الخليجية هو كون هذه الوجبة مرتبطة بالمناطق الساحلية في منطقة الخليج العربي، وهي تسمى بوجبة الغواصين أيضًا في المناطق الساحلية، لكن حين نأتي للأماكن الصحراوية نجد أنهم يستبدلون السمك باللحم مع طبق المحمر.

وفي لقاءات «الغبقة» يمتد اللقاء إلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل، وفي بعض الأحيان يستمر بعض الناس في لقائهم حتى موعد الإمساك، أي موعد أذان الفجر، حيث يتسامر الناس ويتحدثون في أمور الحياة المختلفة، كما تحتوي الغبقة على بعض الأنشطة مثل ممارسة بعض الألعاب التراثية القديمة، أو القيام بمشاهدة المسلسلات الرمضانية.
ويرى البعض من الناس أن مفهوم الغبقة قد اختلف فى الوقت الحاضر عما كان عليه سابقًا وذلك من ناحية أنواع الأكلات التي تقدم في الوقت الحاضر، ففي السابق كانت تقتصر مائدة الغبقة على طبق أو طبقين بحد أقصى، لكنها حاليًا تكون عامرة بمختلف أنواع المأكولات الشهية، سواء كانت أكلات شعبية أو أجنبية، ورغم وجود اختلاف في «الغبقة» بين الماضي والحاضر لكنها تظل تجمعًا يحرص الجميع على أن يتواجدوا فيه، كما أنها تُعَدُّ إحدى الموروثات الشعبية الخليجية، والتي تعود بنا إلى الماضي وجلسات الأجداد التي تركوها لنا، فهي من التقاليد والعادات التي تعزز أواصر العلاقات الاجتماعية، وبالأخص في شهر رمضان الفضيل.

الغبقة الكويتية
"الغبقة" أيضا متداولة في المجتمع الكويتي، وهي كلمة مفردة متداولة عن الأجداد في التراث الكويتي منذ قديم الزمان، وهي عادة مرتبطة بحلول شهر رمضان الكريم، وبات هذا المصطلح التراثي يعبر عن إحدى العادات التراثية البارزة للمجتمع الكويتي خلال شهر رمضان، فالغبقة عبارة عن وليمة تقام بعد صلاة التراويح، يجتمع بها الأهل والجيران والمعارف والأصدقاء، بحيث يتم تقديم العديد من أصناف المأكولات الشعبية المختلفة، والحلويات الشرقية والمشروبات مثل الشاي والتمر وقمر الدين.
وتحظى هذه العادة المتوارثة عبر العديد من الأجيال وهي «الغبقة» باهتمام كبير لدى الشعب الكويتي وذلك خلال شهر رمضان فقط، وذلك لاعتبارها وسيلة تقارب وصلة رحم يجتمع من خلالها الأقارب أو أبناء البلد أو الحي وذلك بغرض التعارف وتوطيد العلاقات والتواصل، وتناول أطراف الحديث في بعض الأمور العامة، مما يساعد ذلك على تعزيز أواصر الترابط بين أهالي المجتمع الواحد.

اختلاف أنواع الغبقة
قامت الغبقة ومفهومها منذ القدم على أنها مجالس للعائلات والشخصيات المقتدرة في الحي أو المنطقة، وكذلك كانت تقام بين العائلات المتوسطة والفقيرة أيضًا، وقد يفضل البعض تنظيم الغبقات في الفنادق ومطاعم الدرجة الأولى وهذا فعل مستحدث لكنه ما يستدعيه التطور التقليدي الذي يحدث، ويفضل بعض الشباب أن تقام غبقاتهم في المزارع والمطاعم والحدائق المفتوحة، وقد تكون الغبقة في صورة حفل شواء، ويمكن أن تقام بعذ الألعاب التراثية الشعبية أو المعاصرة خلال الغبقة.
ويُفضل البعض الغبقات التي تقام بالمنازل لأنها ذات طابع رمضاني جميل بعيدًا عن بذخ الفنادق وإسرافها، لكن على أي حال فإن وجود الناس في مثل هذه اللقاءات الحميمية يُعد إحياءً للعادات والتقاليد الرمضانية التراثية الجميلة، والتي يجب أن يوليها الناس كل الاهتمام، فهي موروث ثقافي لن يندثر طالما أنها جزء لا يتجزأ من ليالي شهر رمضان المبارك، كما أنها تعد فرصة مهمة لزيادة العلاقات الاجتماعية والترابط الأخوي بين الناس، وهو الذي تحتاج إليه المجتمعات العربية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. وتبقى فكرة الغبقة الرمضانية، تخلق جو اجتماعي جميل بين الناس، والذي يزدان بنفحات الشهر الكريم بكل ما يحمله لنا من خير وبركة وثواب.
لقد صمدت الغبقة الرمضانية في المجتمع الخليجي رغم عصرنة التقاليد ويقول احد الخبراء في الموروث ان الغبقة عادة ظهرت بداية القرن العشرين وكانت في السابق تقام في الحي الواحد حيث يجتمع الأهالي في بيت أحد أبناء الحي أو في خيمته فيتناول الرجال الطعام، ثم يحين دور النساء. وبعد تناول الطعام يتم تبادل أطراف الحديث حتى يحين موعد الموعظة التي كان يلقيها إما احد رجال الدين أو أحد كبار السن. الإجتماع الرمضاني المتأخر هذا كان محصور بأفراد العائلة الواحدة أو المعارف أو الأصدقاء. والغاية منها لم يكن لتناول الطعام بل هي مساحة للإجتماع وتبادل الاخبار وعيش أجواء رمضان. أي انها طريقة مختلفة لإجتماع الأسر والإقارب في شهر رمضان بحيث لا يكون موعد الإفطار حيث الكل منهمك ويشعر بالتعب ولا يكون السحور حيث الغالبية تنصرف عادة الى العبادة بل في توقيت محايد بحيث يكون الكل في حالة من الراحة البدنية. خلال الإجتماعات تلك كان يتم تبادل الاخبار والإستماع الى القصص أي أشبه بلقاء عائلي كبير أو لقاء من الأصدقاء والمعارف وسط أجواء من الفرح تساعد على تقوية الروابط. وفي السابق كان هناك غبقات للرجال وأخرى للنساء وثالثة للشباب أحياناً، يجتمعون فيها لتناول الطعام ولتبادل الأحاديث والسؤال عن أحوال بعضهم البعض والترفيه عن النفس. وكان لا يشارك أي شخص غريب في الغبقة وذلك لكونها مخصصة للمعارف فقط.
الغبقة في الوقت الحالي لم تعد تقام بين الأهل فقط، رغم أن هناك بعض الفئات التي ما تزال تحرص على أن تكون كذلك. ولكن بشكلها العام الغبقة الحالية تقام بين الأصدقاء بشكل عام وبين زملاء العمل بشكل خاص فغبقات المؤسسات باتت هي الأكثرإنتشاراً في غالبية دول الخليج.
والتطور الآخر أن الغبقة التي كانت تقام في منزل أو خيمة شخص من أفراد العائلة أو أبناء الحي باتت تقام في الفنادق والمطاعم والخيم الرمضانية ذلك لان الجهات التي تنظمها تحتاج الى مساحات واسعة لإستيعاب الأعداد الكبيرة التي يتم دعوتها، فكما قلنا هناك غبقات المؤسسات وهناك غبقات تقيمها بعض الجهات الحكومية. والبعض يعتبر أن تبدل الغبقات بهذا الشكل جعلها تبتعد عن الغاية منها وهي توطيد العلاقات إلا ان فئة اخرى تعتبر انها ما تزال تخدم الهدف نفسه بحكم أن غبقات المؤسسات والتي هي الاكثر إعتماداً في دول الخليج، تساعد على توطيد العلاقات بين الموظفين، كما ان الغبقات بين الاصدقاء والمعارف لها الغاية نفسها.
ومع انتقال الغبقات الرمضانية إلى الفنادق والخيام الرمضانية كان لا بد من جعلها «ترفيهية» فقد تم إدخال بعض الألعاب الشعبية والمسابقات التي ترفق بجوائز للفائزين إلى جانب إحياء بعض الأغاني الشعبية.
المشكلة مع الغبقة المعاصرة هي أنها إبتعدت الى حد ما عن الغاية الأساسية منها، فهي حالياً بوفيه مفتوح في فندق ما أو خيمة رمضانية ما وحتى قد تقام في منزل احدهم ولكن المائدة ستكون عامرة بكل الأصناف. والمبالغ التي يتم إنفاقها على الغبقات كبيرة جداً وهي تضاف الى الاعباء المالية المرتبطة برمضان.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

499 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع