"نحاول البقاء على قيد الحياة".. إيرانيون يروون لـ"الحرة" معاناتهم الاقتصادية
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الأحد, 08 تشرين2/نوفمبر 2026 17:57

أحدى أسواق طهران
لم يعد “محمد”، وهم معلم إيراني يعيش في طهران، يخطط لحياة أفضل، بل أصبح يحاول مع أسرته البقاء على قيد الحياة فقط.
ولا يختلف حال “محمد” عن كثير من الإيرانيين، وسط تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، في وقت تواصل فيه طهران تخصيص أغلب مواردها لمجهودها العسكري منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة في فبراير الماضي.
وتحدثت “الحرة”، عبر وسطاء، مع إيرانيين يقيمون داخل البلاد، واستخدمت أسماء مستعارة لحماية هوياتهم، نظرا للمخاطر التي قد يتعرضون لها جراء التواصل مع وسائل إعلام أجنبية.
وروى هؤلاء كيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة لتأمين الطعام والإيجار ومستلزمات الأطفال، في ظل تداعيات الحرب والعقوبات الاقتصادية.
يقول “محمد” (38 عاما) لـ”الحرة” إن يومه يبدأ وينتهي بشعور دائم بالخوف: “تنام في الليل وأنت تحت الضغط والقلق، وتستيقظ في الصباح لتكتشف أن الأسعار ارتفعت مجددا، وأن قيمة الأموال التي في جيبك انخفضت أكثر”.
ويختصر انشغالاته اليومية بثلاثة أسئلة: ماذا سيحدث اليوم؟ هل ستندلع حرب جديدة؟ وهل سيتمكن من توفير احتياجات طفليه؟
بالنسبة إليه، لم تعد المسألة تتعلق بالقدرة على تحسين مستوى المعيشة أو الادخار، بل بتدبير الاحتياجات الأساسية، فالقوة الشرائية لأسرته تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بالعام الماضي، إلى درجة أن شراء سلعة اليوم قد يتحول إلى شعور بالحسرة في اليوم التالي، بعدما يرتفع سعرها مجددا.
راتب لا يكفي
تكشف الأرقام التي يوردها “محمد” عن حجم الفجوة بين دخله وتكاليف الحياة، فهو يتقاضى نحو 25 مليون تومان شهريا، أي ما يعادل قرابة 90 إلى 100 دولار، وفق سعر الصرف الذي أورده، بينما يدفع نحو 30 مليون تومان إيجارا شهريا.
وبذلك، يصبح الإيجار وحده أكثر من راتبه الأساسي، ما يضطره إلى العمل في أكثر من وظيفة لتغطية بقية النفقات.
ولا تتوقف الضغوط عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى علاقته بأطفاله، فمع بداية كل عام دراسي، يجد نفسه أمام قائمة طويلة من المصاريف تشمل الرسوم والكتب والملابس والمواصلات.
ويصف شعوره بالعجز عن تلبية طلبات أطفاله البسيطة بأنه الجانب الأكثر إيلاما في تجربته: “أحيانا يطلب منك طفلك شيئا بسيطا جدا، وتضطر إلى أن تقول له: ليس الآن، لا نستطيع، ربما لاحقا”.
لكن ما يؤلمه أكثر أن يتوقف الطفل عن طلب الأشياء بعدما يعتاد سماع عبارة “ليس لدينا المال”.
وهذا الخوف من الحرب والقصف، حسب قوله، يترك أثرا نفسيا على الأطفال، بالتوازي مع شعورهم بالحرمان عندما يرون أطفالا آخرين يستطيع آباؤهم شراء ما يريدون.
مدخرات تتآكل ووجبات تتغير
هذه الضغوط لا تقتصر على الأسر التي تعاني من محدودية الدخل، فمعلمة إيرانية أخرى (45 عاما) تحدثت مع “الحرة” عبر منظمة حقوقية تقول إن الحرب غيرت نمط حياتها بالكامل، حتى في أبسط تفاصيلها.
تتابع المعلمة وطالبة الدكتوراه “خديجة”، وهو اسم مستعار لها، الأخبار كل بضع ساعات لمواكبة التطورات، ما يجعلها في حالة يقظة مستمرة، وتحاول التعامل معها من خلال ممارسة التأمل يوميا.
لكن الواقع يفرض نفسه، فأحاديثها مع الآخرين باتت تدور بصورة شبه دائمة حول 4 موضوعات: الحرب، وتراجع الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، والخوف من استمرار الأزمة لأشهر أو سنوات.
أما على المستوى المعيشي، فقد اضطرت إلى تغيير عاداتها الاستهلاكية، والبحث عن متاجر أقل تكلفة لشراء الفاكهة والمواد الغذائية، والتخلي عن عادات كانت تمنحها بعض المتعة، مثل الخروج لتناول القهوة.
استنزفت الحرب جزءا كبيرا من مدخراتها، لأن راتبها لم يعد كافيا لتغطية نفقاتها.
ولم يقتصر التغيير على أماكن التسوق أو الأنشطة الترفيهية، بل وصل إلى مكونات الطعام نفسها، إذ اضطرت أسرتها إلى تقليل استهلاك الأغذية الغنية بالبروتين ومنتجات الألبان.
وتقول إن المساعدة الحكومية المتاحة لا تتجاوز إعانة نقدية شهرية زهيدة، لا توفر دعما حقيقيا في مواجهة ارتفاع النفقات.
اقتصاد ينكمش ومستقبل غامض
تأتي هذه الشهادات في وقت يواجه الاقتصاد الإيراني أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العقوبات الاقتصادية وتراجع عائدات النفط وسوء إدارة الموارد والحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وتسعى واشنطن من خلال العقوبات وتشديد القيود على مصادر الإيرادات إلى استنزاف العائدات التي تعتمد عليها إيران في تطوير ترسانتها العسكرية ودعم الفصائل المسلحة الموالية لها في المنطقة.
ورغم رفع السلطات الحد الأدنى للأجور بنحو 60 في المئة هذا العام، فإن تراجع قيمة الريال أدى إلى تآكل هذه الزيادة.
وتشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط تضخم أسعار المستهلك في إيران بلغ 78.6 في المئة، وهو أعلى مستوى يسجله الاقتصاد الإيراني منذ عام 1980 على الأقل.
ويتوقع الصندوق انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.6 في المئة خلال عام 2026، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 9.2 في المئة، مقارنة بـ7.5 في المئة عام 2025.
وتتفاقم الصورة مع خسائر سوق العمل. فبحسب ما نقل موقع “آفتاب” الإيراني عن نائب وزير العمل والضمان الاجتماعي، غلام حسين محمدي في 19 أبريل الماضي، تشير التقديرات الأولية إلى أن الحرب تسببت في فقدان أكثر من مليون وظيفة، ووصول عدد العاطلين عن العمل بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى نحو مليوني شخص.
كما أكدت وزارة الخزانة الأميركية، وفق ماء جاء في تقرير سابق لـ”الحرة”، أن الضغوط الاقتصادية شلت الاقتصاد الإيراني وقيدت قدرة النظام على توليد الإيرادات.
من اللحوم إلى الأدوية.. اتساع دائرة الحرمان
وفي شهادة أخرى حصلت عليها “الحرة”، ترسم صاحبة متجر إيرانية تبلغ 40 عاما صورة أوسع لما تصفه بالصعوبات التي تواجهها الأسر في محيطها.
تقول “شيرين” وهو اسم مستعار لها، إن كثيرين يعملون من الصباح حتى المساء، لكن مداخيلهم لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وإن بعض الأسر توقفت عن شراء اللحوم والدجاج بسبب ارتفاع أسعارهما.
كما تراجعت التجمعات العائلية والرحلات الترفيهية، وأصبحت تكاليف تعليم الأطفال وملابسهم ومستلزماتهم المدرسية عبئا ثقيلا على ميزانيات الأسر.
وتجاوزت الأزمة الغذاء والتعليم لتطال الرعاية الصحية، مع ارتفاع أسعار الأدوية والفحوص والاستشارات الطبية، وصعوبة الوصول إلى العلاج، وبات بعض مرضى السرطان يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على الأدوية اللازمة للعلاج الكيماوي.
ومن بين المشاهد التي تقول إنها تعكس عمق الأزمة، اضطرار بعض الأطفال إلى العمل لمساعدة أسرهم في تأمين احتياجات المنزل، فيما وصلت الضغوط المالية، بحسب شهادتها، إلى حد دفع بعض الأزواج إلى الانفصال بسبب العجز عن تحمل نفقات المعيشة.
ويقول “محمد” إن أكثر ما يخيفه ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل غياب أي تصور واضح لما ينتظر أسرته في اليوم التالي، سواء تعلق الأمر بالحرب أو العمل أو القدرة على توفير احتياجات طفليه.
ومع ذلك، لا يخلو حديثه من أمل، إذ يرى أن الإيرانيين لن يقبلوا باستمرار هذا الوضع إلى الأبد، مستحضرا الاحتجاجات والانتفاضات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويقول: “لا أعرف متى سيحدث التغيير، ولا كيف سيحدث، لكنني أعتقد أن هذا الوضع لن يستمر إلى الأبد”.

























































































