كوردستان الحمراء .. الجمهورية المنسية التي حملت صوت الكورد إلى سماء الموسيقى والغناء السوفيتي (١)

أ. د. قاسم المندلاوي

كوردستان الحمراء .. الجمهورية المنسية التي حملت صوت الكورد إلى سماء الموسيقى والغناء السوفيتي (١)

هناك صفحات في التاريخ لا تموت ، حتى وإن حاولت الأنظمة السياسية طمسها أو دفنها تحت ركام الأحداث. ومن بين تلك الصفحات صفحة كوردستان الحمراء ، تلك التجربة السياسية والثقافية الكوردية التي ظهرت في بدايات العهد السوفيتي ، وحاولت أن تمنح الكورد في تلك المنطقة مساحة من الحكم الذاتي ، وأن تفتح أمامهم أبواب التعليم والثقافة والإعلام بلغتهم

ولم تكن أهمية هذه التجربة في الجانب السياسي وحده ، بل امتدت إلى المجال الثقافي والفني ، حيث أصبحت اللغة الكوردية حاضرة في المدارس والصحافة والإذاعة ، ووجدت الموسيقى والغناء والفلكلور الكوردي طريقها إلى فضاء ثقافي أوسع ، ولا سيما في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا .

لكن هذه التجربة لم تستمر طويلاً ، فقد اصطدمت بتغيرات سياسية عميقة داخل الاتحاد السوفيتي ، وبسياسات المركز السوفيتي ، وبالصراعات الإقليمية والمصالح التركية والأذرية ، وانتهت التجربة الأولى لكوردستان الحمراء في أواخر عشرينيات القرن العشرين ، ثم تعرض الكورد في المنطقة لاحقاً لعمليات تهجير وتشتت وضغوط ثقافية وسياسية تركت آثاراً عميقة في حياتهم .

ومع ذلك ، فإن ما بقي من تلك التجربة يستحق أن يُروى ، ليس باعتباره فصلاً منسيًا في التاريخ السياسي للكورد فحسب ، بل بوصفه أيضاً جزءاً من تاريخ الموسيقى والغناء والفلكلور الكوردي ، ومن سيرة رجال ونساء حملوا الأغنية واللغة والتراث من جيل إلى جيل ، في ظروف لم تكن سهلة .

تأسيس جمهورية كوردستان الحمراء

بعد انتصار الثورة البلشفية بقيادة فلاديمير لينين ، أعلن النظام السوفيتي الجديد مبادئ تتعلق بحقوق القوميات والشعوب داخل الاتحاد ، ومن بينها حق الشعوب في تقرير مصيرها .

وفي هذا السياق تاسست عام 1923 منطقة ذات حكم ذاتي عرفت باسم ( كوردستان الحملراء ) في منطقة القوقاز تقع بين أرمينيا و أذربيجان و عاصمتها " لاتجين "

وضمت المنطقة عدداً من المدن والنواحي ، وأصبح للكورد حضور سكاني وثقافي واضح فيها. كما شهدت تلك المرحلة اهتماماً باللغة والثقافة الكوردية ، فافتُتحت مدارس باللغة الكوردية ، وظهرت مطبوعات كوردية ، كما عُرفت إذاعة تبث باللغة الكوردية ،

ومن بين المظاهر الثقافية المهمة في تلك المرحلة صدور صحيفة« ( كوردستان السوفيتية ) »، التي أسهمت في نشر الثقافة والأدب والأخبار باللغة الكوردية ، وأصبحت وسيلة مهمة للتواصل الثقافي بين الكورد في المنطقة .

وهكذا لم تكن كوردستان الحمراء مجرد تجربة إدارية عابرة ، بل تحولت لفترة قصيرة إلى فضاء ثقافي استطاعت فيه اللغة الكوردية أن تجد مكاناً في التعليم والإعلام والحياة العامة .

لماذا أُلغيت كوردستان الحمراء ؟

لم يدم هذا الوضع طويلاً .

فبعد وفاة لينين وتغير طبيعة الحكم السوفيتي وصعود جوزيف ستالين ، اتجهت السياسة السوفيتية تدريجياً نحو مزيد من المركزية والسيطرة على القوميات والمناطق ذات الخصوصية القومية .

وفي عام 1929 الغيت منطقة كوردستان الحمراء ، وتعرض الكورد في تلك المنطقة خلال العقود اللاحقة إلى سياسات قاسية من التهجير وإعادة التوطين والضغط الثقافي ، ضمن سياسات أوسع انتهجها النظام السوفيتي تجاه عدد من القوميات .

وقد أدى ذلك إلى تفكيك جزء كبير من التجمعات الكوردية وتشتيتها في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفيتي ، بما فيها أرمينيا وجورجيا وكازاخستان ومناطق أخرى .

وكان لهذا التشتت أثر بالغ في الحياة الاجتماعية والثقافية للكورد ، إذ لم يكن تهجير الإنسان من أرضه يعني فقدان البيت والأرض فقط ، بل كان يعني أيضاً تهديد اللغة والعادات والأغاني والذاكرة الشعبية .

ومع ذلك ، أثبتت الثقافة الكوردية قدرتها على البقاء .

محاولة إعادة إحياء كوردستان

ظهرت في عام 1930 تجربة إدارية جديدة حملت اسم ( كوردستان ) ، وشملت بعض المناطق الكوردية ، إلا أنها لم تستمر طويلاً هي الأخرى .

وفي ظل السياسة السوفيتية المركزية ، إضافة إلى التعقيدات الإقليمية والعلاقات مع تركيا وإيران ، بقيت القضية الكوردية في القوقاز محكومة بحسابات سياسية أكبر من قدرة الكورد على التأثير فيها .

ومع مرور الوقت ، تعرض الكورد في المنطقة إلى سياسات التهميش والضغط اللغوي والثقافي ، ولا سيما مع تنامي النزعة القومية الأذرية .

، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع ، وخاصة مع اندلاع الحرب حول ناكورني قره باغ والمناطق المحيطة بها .

وفي عام 1992 أعلنت محاولة جديدة لإقامة كيان كوردي عُرف باسم ( جمهورية لاتشين الكوردية ) بقيادة وكيل مصطفاييف ، لكنها لم تتمكن من الاستمرار وسط الصراع العسكري والسياسي المحتدم في المنطقة .

وفي النهاية اضطر مصطفاييف إلى مغادرة المنطقة ، بينما بقي الكورد مرة أخرى أمام واقع سياسي وجغرافي بالغ التعقيد .

الهجمات والصراعات الإقليمية

لم تكن مأساة الكورد في هذه المنطقة نتيجة عامل واحد ، بل كانت حصيلة تداخل عوامل سياسية وقومية وإقليمية عديدة

فالموقع الجغرافي لكوردستان الحمراء جعلها تقع وسط منطقة شديدة الحساسية ، تتقاطع فيها المصالح الأذرية والأرمنية والتركية والروسية ، فضلاً عن تأثيرات إيران والقوى الإقليمية الأخرى .

ومع تجدد الصراع في المنطقة ، تعرضت المناطق التي عاش فيها الكورد إلى تغيرات ديموغرافية وسياسية كبيرة ، وانتهت المرحلة الأخيرة من وجودهم السياسي المستقل في المنطقة .

وهكذا بقيت كوردستان الحمراء تجربة قصيرة العمر من الناحية السياسية ، لكنها تركت أثراً لا يمكن تجاهله في الذاكرة الكوردية .

والأهم من ذلك أن قصة هذه المنطقة لا تتوقف عند السياسة .

فوراء أسماء المدن والحدود والجمهوريات توجد أغانٍ وحكايات وأصوات موسيقية وفنون شعبية استطاعت أن تنجو من الحروب والتهجير وتصل إلينا عبر الأجيال .

موسيقى وغناء كورد كوردستان الحمراء

إذا كان التاريخ السياسي لكوردستان الحمراء قد انتهى سريعاً ، فإن تاريخ الثقافة والفن الكوردي في القوقاز كان أكثر قدرة على الاستمرار .

وقد ساهم عدد من الباحثين والمثقفين والفنانين في جمع التراث الكوردي وتوثيقه والمحافظة عليه

ومن الأسماء المبكرة التي ارتبطت بجمع وتدوين التراث الموسيقي الكوردي اسم الكاهن الأرمني والموسيقي المعروف كوميتاس، الذي اهتم بالموسيقى الشعبية في المنطقة ، بما فيها الألحان الكوردية ، في بدايات القرن العشرين .

ثم جاء دور عدد من الباحثين والمثقفين الكورد الذين عملوا على جمع الأغاني والحكايات والفلكلور وتوثيقها ، ومن بينهم الباحث الكوردي سيميلا جليل، الذي أسهم في جمع وتسجيل جانب مهم من التراث الشفهي الكوردي .

وهنا تبرز أهمية ( الدينگبيج ) ؟ ذلك الفن الكوردي القديم الذي يعتمد على الصوت والكلمة والذاكرة ، والذي حفظ عبر قرون طويلة جانباً كبيراً من التاريخ الشعبي والملاحم والحكايات والأغاني الكوردية .

وفي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة ، ولا سيما ( أرمينيا ) ، تحولت الأغنية الكوردية إلى وسيلة للحفاظ على الهوية ، وأصبح الفنان والمغني والراوي الشعبي يؤدي دوراً يتجاوز حدود الفن ، فهو يحفظ اللغة ، وينقل الذاكرة ، ويُبقي صلة الأجيال بتراثها

ومن بين الشخصيات التي تستحق التوقف عندها الفنان الراحل أحمد ميرازي

أحمد ميرازي .. صوت من ذاكرة الكورد

كان أحمد ميرازي مغنياً وشاعراً وكاتبا ً، واحتل مكانة مميزة في الحياة الثقافية الكوردية في الاتحاد السوفيتي السابق

ولد عام 1899 في قرية ( توتك ) ، التابعة لمنطقة ديادين في شمال كوردستان ، ضمن الأراضي التي كانت تحت الحكم العثماني آنذاك ، وينحدر من عائلة كوردية إيزيدية .

تلقى تعليمه الأولي على يد ( ملا مسلم ) ، ثم واصل دراسته في مدينة بايزيد ، التي كانت في ذلك الوقت من المراكز المهمة للثقافة الكوردية.

وفي عام 1918، ومع الأحداث السياسية والعسكرية التي عصفت بالمنطقة ، انقسم أبناء المنطقة في اتجاهات مختلفة ، فاتجه قسم من الكورد الإيزيديين نحو أرمينيا ، بينما اتجه قسم من الكورد المسلمين نحو مناطق أخرى في شمال كوردستان .

وكانت عائلة ميرازي من بين الذين اتجهوا نحو أرمينيا .

هناك بدأت مرحلة جديدة من حياته ، ارتبطت بالعمل الثقافي والفني والتعليمي .

بعد الثورة البلشفية ، عاش ميرازي في مناطق مختلفة من أرمينيا وأذربيجان وجورجيا ، وكرس جانباً مهماً من حياته لخدمة الثقافة الكوردية .

فأسهم في تأسيس وتنظيم جمعيات الغناء والموسيقى ، واهتم بالقصص الشعبية والفلكلور، كما عمل في مجال التعليم ، وساهم في فتح المدارس المسائية للطلبة .

ولم يكن نشاطه مقتصراً على الغناء ، بل كان جزءاً من حركة ثقافية كوردية أوسع هدفت إلى الحفاظ على اللغة والتراث والذاكرة الشعبية

غير أن هذه الحركة اصطدمت لاحقاً بالسياسات القمعية التي رافقت الحقبة الستالينية .

ففي النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين ، تعرض عدد كبير من المثقفين الكورد للاعتقال أو الإبعاد أو فقدان الوظائف، وتراجعت مساحة النشاط الثقافي الكوردي بصورة كبيرة .

كما تعرض التعليم باللغة الكوردية إلى قيود شديدة ، وتغيرت أنظمة الكتابة والتعليم والإعلام وفق السياسات السوفيتية المتغيرة

وكان لهذه السياسات أثر عميق على الثقافة الكوردية ، لكنها لم تتمكن من القضاء عليها .

بعد ستالين .. عودة الصوت الكوردي

بعد وفاة ستالين عام 1953 بدأت الحياة الثقافية في الاتحاد السوفيتي تشهد قدرا من الانفتاح النسبي ، وانعكس ذلك على الكورد أيضا عادت بعض النشاطات الثقافية الكوردية الى الظهور ، واستأنفت الصحافة و الإذاعة باللغة الكوردية نشاطها ، كما عادت المؤسسات التعليمية و الثقافية الى الاهتمام بالدراسات الكوردية ..

وكانت إذاعة يريفان، على وجه الخصوص، واحدة من المنابر المهمة التي ساهمت في إيصال الصوت الكوردي إلى أعداد كبيرة من المستمعين ، وأصبحت الأغنية الكوردية جزءاً من المشهد الإذاعي والثقافي في المنطقة .

وفي الوقت نفسه ، بدأ الاهتمام الأكاديمي باللغة والأدب والفلكلور الكوردي يأخذ مساحة أكبر، وظهرت جهود علمية لجمع التراث الشعبي وتوثيقه ودراسته .

أما أحمد ميرازي، فقد واصل حياته في خدمة الثقافة الكوردية حتى وفاته في إحدى قرى أرمينيا السوفيتية عام 1961

ورحل ميرازي تاركاً وراءه إرثاً من العمل الثقافي والفني والتعليمي ، ليصبح اسمه واحداً من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الأغنية والفلكلور الكوردي في القوقاز .

إن قصة كوردستان الحمراء ليست قصة جمهورية قصيرة العمر فحسب ، وليست مجرد صفحة سياسية انتهت بإلغاء منطقة حكم ذاتي .

إنها قصة شعب حاول أن يحافظ على هويته وسط عواصف السياسة والحروب والتهجي .

وعندما أُغلقت أبواب المؤسسات السياسية ، بقيت أبواب الثقافة مفتوحة

وعندما تفرّق الناس بين أرمينيا وجورجيا وأذربيجان وكازاخستان وغيرها ، حملوا معهم أغانيهم وحكاياتهم ولغتهم وذاكرتهم

ولهذا فإن دراسة موسيقى وغناء كورد كوردستان الحمراء ليست ترفاً فنياً ، بل هي محاولة لفهم الطريقة التي استطاعت بها الثقافة الكوردية أن تبقى حية رغم كل ما تعرضت له من ضغوط .

فالأغنية التي خرجت من قرية كوردية بعيدة ، وانتقلت من فم مغنٍ إلى آخر، ومن إذاعة إلى أخرى ، ومن جيل إلى جيل ، كانت في كثير من الأحيان وثيقة تاريخية أكثر صدقاً من كثير من الوثائق الرسمية .

ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند أسماء الفنانين والمغنين والشعراء الذين حملوا هذه الأمانة ، ومن بينهم أحمد ميرازي ، الذي لم يكن مجرد فنان ، بل كان واحداً من حراس الذاكرة الكوردية في القوقاز .

وفي الحلقة القادمة، نواصل التعرف على أبرز مشاهير الموسيقى والغناء الكوردي في كوردستان الحمراء وأرمينيا السوفيتية، وعلى الأصوات التي جعلت الأغنية الكوردية تصل إلى جمهور واسع داخل الاتحاد السوفيتي و خارجه .

المصادر و المراجع :

1 - احمد ميرازي " 1899 - 1961 " الماساة في مذكرات الاديب الكوردي احمد ميرازي - اعداد و ترجمة داود مراد الختاري - الاكاديمية العلمية الارمنية موقع اليوتيوب

2 - محمد علي الصويركي " شخصيات كوردية من جمهورية ارمينيا السوفيتية " 10/ 9 /2018 سما كورد - موقع يوتيوب

3 - محمد احمد برازي " نظرة على اوضاع الكورد في كازاخستان " 25 / 7 / 2019 ثقافة كوردية - موقع يوتيوب

4 - ويكيبيديا - الموسوعة الحرة – موقع يوتيوب

5 - عرب شمو " الراعي الكردي " 1935 لينينكراد - موقع يوتيوب

6 - جاسم خليل " اغاني الجبال " يريفان 1970 فيسبوك ..