
موفق الخطاب
تحت المجهر((دخان في السماء، و صفقات في الخفاء))
لندخل سادتي في صلب الموضوع؛ ففي الحروب تكثر التحليلات والتحذيرات، وكلّ من هبّ ودبّ يُدلي بدلوه، مما يُصيب القارئ بالغثيان والصداع، فيقرّر أغلبهم إغماض عينيه وصكّ أذنيه، ومعهم الحقّ في ذلك...
* توقّفتُ كثيرًا وأنا أراقب ما يحدث من وقائع جسام تضرب منطقتنا، واستعدتُ الذاكرة في عمق التاريخ القديم والحديث..
وتيقّنتُ بعدها أن إيران وإسرائيل وأمريكا حلفٌ ثلاثيٌّ يتقن التمثيل و الخيانة ويتقاسم النفوذ على دماء المنطقة وخيراتها.
الصفقات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة لم تعد أمرًا مخفيًا على أحد..
ففي الظاهر هم أعداء.. لكنهم في الخفاء حلف و مكر و دهاء..
* إن العلاقة بين إيران وإسرائيل لم تكن يومًا علاقة عداء مطلق، كما يُروَّج لها في الإعلام، بل علاقة قائمة على “الندّية الحذِرة والمصالح المشتركة”.
فخلال الحرب (الإيرانية العراقية) في ثمانينيات القرن الماضي، كانت إسرائيل هي المزوّد الأكبر لطهران بالسلاح، رغم أن الخطاب الإيراني في العلن كان يصف إسرائيل بـ“الشيطان الأصغر”. بل إن 80٪ من الأسلحة التي استخدمتها إيران في الحرب تمّ الحصول عليها عبر إسرائيل، بتنسيق أمريكي مباشر، فيما عُرف لاحقا بفضيحة “إيران كونترا”.
ليس ذلك فحسب، بل إن إيران عرضت على إسرائيل استخدام مطاراتها (وتحديدًا في تبريز) في حال قرّرت شنّ غارات جوية على المفاعل النووي العراقي، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة العملية المتينة، وإن كانت تُغلّف بالعداء الظاهري...
* ومن جهة أخرى، سهّلت إيران، بل وباركت، الغزو الأمريكي واجتياح العراق وأفغانستان.. وسكوت بل مباركة الطرفين( الامريكي الإسرائيلي ) لابتلاعها لبنان و سوريا والعراق واليمن ..
إذًا، هناك قواسم طائفية ونَفَسٌ سياسيٌّ مشترك.
نعم، إيران وإسرائيل كيانان طائفيان وأقليّان في البنية الثقافية والسياسية للمنطقة، ويشتركان في هاجس واحد، وهو تفكيك البنية العربية التي كانت دومًا مركز ثقل الإسلام المعتدل والحضاري، ويبارك ذلك الحلف، بل تُشرف عليه أمريكا، لقطف أكبر غلّة من الحصاد.
* فالصهيونية والصفوية كلاهما يعاديان الإرث العربي الإسلامي، وكلاهما يعيد قراءة الفتح الإسلامي بوصفه “خطأً استراتيجيًا” ينبغي تصحيحه، ولو بعد قرون، بوسائل جديدة:
(الدولار، الميليشيات، العقوبات، الحصار، العملاء، الخونة، والصفقات الخلفية المشبوهة.)
ولهذا، فإن العدو الحقيقي بالنسبة لهذين الكيانين هو المشرق العربي بهويته الإسلامية المعتدلة، وهو ما يفسّر الحروب التي أشعلتها إيران في المنطقة، وخلاياها في الخليج العربي، بدعم ضمني أمريكي إسرائيلي في بعض المراحل.
إذًا، هو ليس عداءً دائمًا، بل هو غدرٌ مؤقّت،
ولنقل هو عداءٌ منضبط في مخرجاته.
* فحين تُطلق إيران صواريخها ومسيّراتها على إسرائيل، لا يُنظر إلى ذلك داخل دوائر القرار باعتباره إعلان حرب وجودية، بل يُقرأ على أنه “رسالة تفاوضية خشنة”. وما إدخال دول الخليج العربي والأردن في الصراع، واستهدافهم من قبل النظام الإيراني بحجة تواجد القواعد الأمريكية، إلا لخلط الأوراق..
بات الهدف واضحا؛ فمجموع ما تمّ إطلاقه من صواريخ ومسيّرات على إسرائيل لا يتجاوز 20٪ مما تمّ إطلاقه على دول الخليج العربي!!
* ولنذهب إلى الجبهة اللبنانية؛ فالمواجهات بين حزب الله وإسرائيل، مثلًا، لم تتجاوز حدود “الضربات الظرفية”، وأن التفاهمات بين الطرفين كانت دومًا أسرع من نار القذائف. فكلّما انسدّت قنوات التفاوض، اشتعلت الجبهات، وحين يُعاد فتح القنوات، يعود الهدوء، ولو مؤقتًا...
فإسرائيل لا تسعى أبدًا إلى القضاء النهائي على حزب الله، وهي قادرة على ذلك؛ فهو سكينٌ في خاصرة لبنان، وحجّة حاضرة لزعزعة هذا البلد، والإخلال بأمنه وسيادته واستقراره..
* فالخريطة ليست ثنائية (عدو وصديق)، بل مثلّثة الأضلاع؛ كلّ طرف يرى الآخر ندا وشريكا مؤقتًا أو دائما في اقتسام الكعكة.
لذا، فالهدف المشترك من هذه الحرب، غير المعلن، هو تصحيح ما حدث في التاريخ، وإعادة تشكيل المنطقة.
* إن كلّا من إيران وإسرائيل تسعيان، بطرق مختلفة، إلى تصحيح ما تعتبرانه “خللا تاريخيا” وقع في القرن السابع الميلادي، حين زحف العرب من صحرائهم، وأسقطوا عرش كسرى وقيصر، وأقاموا حضارة جديدة نقلت البشرية من عبادة الاصنام و البشر إلى عبادة رب البشر.
هذا الخلل، حسب المنظور الصهيوني والصفوي، يجب أن يُصحّح، لكن ليس بالسيوف والخيول كما كان في السابق، بل بالمكر والتحالفات الدولية، وتفكيك الجيوش العربية، وتحويل الشعوب إلى شعوب خائفة تبحث عن الخبز لا عن الكرامة، وعن الكهرباء والرفاهية لا عن العزّة والسيادة فعمدت الى سلخها عن دينها أولا .
* العداء بين إيران وإسرائيل ليس حقيقيًا، بل غطاء لحلفٍ مصلحي غادر، تعرّض لتصدّع بعدما توهّم النظام الإيراني أنه الأقوى في المنطقة، حيث امتدّ وزحف وابتلع فرائس أكبر من حجمه.
فالخلاف بينهما ليس على المبادئ، بل على الحصص. والمشكلة ليست في سقوط صاروخ هنا أو هناك، بل في طيش البوصلة لدى من ظنّ أن ما يجري هو حرب بين فريقي الحق والباطل، بينما هو في حقيقته مجرد لعبة مصالح، لا مكان فيها للصدق ولا للوفاء.
* فلا تصدّقوا ما تشاهدونه على مسرح الأحداث، سادتي؛ فالمشهد أعمق من الدخان والحرائق والقتلى هنا وهناك.
فالعدوّ لا يدعم ويرسل السلاح لحليفه عندما يتعرّض للمخاطر (الحرب العراقية–الإيرانية)، وهو يعاديه ظاهرا في نشرات الأخبار...
هذه هي الحقيقة؛ فلا تتُشوّشكم كثرة التغريدات والتحليلات و النشرات ..

1023 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع