استراتيجية إيران بين التفاوض والحرب

 

 هدى رؤوف

استراتيجية إيران بين التفاوض والحرب

طرحت وثيقة تتضمن 15 مطلباً أميركياً قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إيران لبدء محادثات تنتهي باتفاق ووقف الحرب، وتشمل مطالب تتعلق بالقدرات النووية الإيرانية والصاروخية والعلاقة مع الوكلاء الإقليميين، فضلاً عن مطلب جديد هو فتح مضيق هرمز (المضيق غير مغلق لكن حركة الملاحة توقفت نتيجة الضربات الإيرانية على السفن وزراعة الألغام به)، كل ذلك على أن يتوقف إطلاق النار لمدة شهر، فضلاً عن إلغاء العقوبات الأميركية كاملة وإلغاء آلية "سناب باك".

ربما ستكون قضية آلية "سناب باك" جدلية، إذ إنها فُعّلت في سبتمبر (أيلول) عام 2025 وأعادت مجموعة العقوبات الأممية كاملة على طهران، لكنها كانت ترتبط بالاتفاق النووي لعام 2015، ففور تفعيل الآلية أعلنت روسيا والصين عدم التزامهما عودة العقوبات الأممية على طهران لانتهاء مدة سريان الاتفاق وهي 10 سنوات، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025.

وبينما أعلنت طهران أنها لم تتفاوض مع واشنطن، على اعتبار أن ليست هناك محادثات مباشرة بينهما إنما جرى تبادل رسائل عبر الوسطاء، نجد أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدث عن تلقيه هدية من إيران وهي السماح بمرور آمن لسفن عدة عبر مضيق هرمز.

وهذه خطوة مهمة لها دلالتها في العلاقات بين إيران والإدارة الأميركية، إذ أوضحت إمكان التفاهم بين طهران وواشنطن وهو أمر حدث مراراً خلال عهدي جورج بوش الابن وجو بايدن وأخيراً في ظل إدارة ترمب التي جعلت إيران تعيش كربلاء حديثة في تاريخ النظام الحالي.

ومع إعلان طهران رفضها مطالب ترمب، لم تتخلَّ عن فرصة منحه هدية بعد أيام من مقتل علي لاريجاني ومن قبله المرشد الإيراني علي خامنئي.

إذاً، لماذا تصرح إيران علانية برفضها المفاوضات وتتباهى بجلب ترمب إلى طاولة المفاوضات في حين أنها تقدم له هدايا تخفف من وطأة الضغط الاقتصادي بفعل النفط؟

من هنا تريد إيران التفاوض، لكنها تريد الترويج لسردية الانتصار أمام أتباعها وللتسويق المحلي في الداخل، لكن من جهة أخرى تتبع طهران وواشنطن استراتيجية التفاوض بينما الحرب مستمرة، أي نتفاوض بينما نتحارب.

المقبول والمرفوض وفقاً لإيران
تريد إيران السيطرة على مضيق هرمز حتى ما بعد الحرب، ومن ثم تسعى إلى ترتيبات أمنية تقدم لها اعترافاً دولياً بسيطرتها على المرور في المضيق، بما يسمح لها بتحصيل رسوم المرور وفرض سيطرتها وربما إجبار السفن المارة بالمضيق على الإفصاح عن أنفسها باللغة الفارسية.

ومن جهة أخرى تحاول إيران المقارنة بتحصيل مصر رسوماً من الملاحة في قناة السويس والمقارنة بعيدة تماماً، فقناة السويس هي ممر ملاحي بُني بأيادٍ مصرية وعلى أرض مصرية، في حين أن مضيق هرمز ممر ملاحي يربط مياه الخليج العربي تحده إيران شمالاً ومن الجنوب سلطنة عمان.

وخطورة هذه المسألة تنبع من مشروع إيران للهيمنة الإقليمية، إذ إنها تريد فرض رؤيتها لأمن الخليج بما يتفق وتصوراتها، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود اعتمدت طهران على الوكلاء الإقليميين وتطوير القدرات النووية والقدرات العسكرية غير التقليدية كالمسيّرات وتباهت بوجودها في أربعة عواصم عربية، ومع ذلك لم ينجح سعيها إلى الهيمنة، فافتقدت أهم مقومات المهيمن الإقليمي وهو الاعتراف الإقليمي والدولي بدورها، وهو ما تريد أن تحصل عليه الآن عبر السيطرة على مضيق هرمز ووضع ترتيبات ما بعد الحرب.

أما ما لن تتفاوض عليه طهران، فهو منظومة الصواريخ الباليستية والتخلي عن التخصيب المحلي والتخلص من برنامجها النووي بالكامل، لذا ربما قد تتوافق على تجميد اليورانيوم لبضعة أعوام فقط، ولن تتخلى بالتأكيد عن وكلائها، إذ عمل "حزب الله" على جر لبنان تحت الآلة العسكرية الإسرائيلية من أجل تشتييت الضغط العسكري الإسرائيلي بعيداً من إيران، ولا تزال هناك ورقة الحوثيين التي لم تفعّل حتى الآن ومن المرجح تدخلهم حال نفذت الفرقة 82 الأميركية المحمولة جواً مهمات كبيرة داخل إيران، أو قرب الجزر ومن ثم فسيتحرك الحوثيون لإغلاق الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

لذا ستحاول إيران الاحتفاظ بأهم ركائز مشروعها الإقليمي، لكنها في سبيل الحصول على ما افتقده مشروعها الإقليمي نحو الهيمنة، ستعمل على استمرار المسار العسكري المعتمد على الاستنزاف ورفع كلفة الحرب على الخصم، فليس الهدف تحقيق انتصار عسكري سريع، بل جعل استمرار الحرب مكلفاً للغاية للطرف الآخر، مع استمرار توظيف المسار العسكري، فضلاً عن تقديم إغراءات لترمب بمنحه الهدية كأوراق تفاوض استراتيجية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

983 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع