قصة قصيرة - المخطوطة

أ.د محمد تقي جون

قصة قصيرة-المخطوطة

بعد أن اجتاز (نزار الحجّي) الامتحان التنافسي راسبا، ثم اجتاز دراسة الكورسات بعد أن جعل الاساتذة كالديكة (تعوعي) صياحا، سجَّل موضوع الدراسة بعد جلسات وجلسات كان الموضوع المقترح يتغير خشية عدم قدرته عليه. (هي فرصة) كان يردد الى جنب اخفاقاته وادراكه انه غير مؤهل للماجستير.

ولكنه لم يكن بليدا (گافضا) كما تظن، ولو كان كذلك كان أفضل له؛ لانه سيقاد الى الصحيح ويترك الخطأ فلا يتمسك به. كان أدق وصف له ما قال له أحد المناقشين في (جلسة المناقشة) (أنت شجاع كعنترة وضعيف القدرة كشيبوب. أو أنت مستعد أن تواجه الاسد ولكن الاسد يبطش بك في اللحظات الاولى).
اختار أو اختاروا له (مخطوطة) من نهاية العصر العباسي، تتناول شاعرا مغمورا اسمه (أحمد بن حيدرة الحسني الزيدي، المدني الأصل المصري المولد) وكان يلقب بـ(فخر العرب). وسبب اختيار شاعر مغمور من نهاية العصر العباسي هو أن الشعر فيه (بسيط) فقد (تسرسح) من قمته الى حضيضه، و(التحقيق أيسر من الدراسة).
كان الشاعر احمد بن حيدرة او فخر العرب فقيرا جدا يعيش في (فقر مدقع وشظف أنكد). وكان بسبب فقره يسافر في البقاع طلبا لفرصة عيش افضل فسافر من مصر الى شيراز ولم تنفق (بضاعته الشعرية) مما جعله يمارس مهنته التي تعلمها من والده وهو (سائس خيل) ولكنه ترك شيراز وعاد الى واسط سنة (550هـ) ولما لم يجد بغيته عاد الى مصر فوجد زوجته ميتة فلم يتزوج لفقره، وللحفاظ على اولاده من (زوجة أب) تظلمهم، وكان يردد كلما ألحوا عليه بالزواج (عُمَيرة ولا سُمَيرة). وكان فخر العرب معاصرا للشاعر الحيص بيص متأثرا به يقلده في الكتابة بلغة عربية فصحى وايراد الغريب غير المسموع الذي عفا عليه الدهر وما عاد له ذكر. كما كان يميل الى التصوف ويردد أفكار المتصوفة في شعره.
(عاش الشاعر حياة بسيطة ومات كذلك ولم يرد أكثر من ذلك) بهذه الجملة وصف احد النقاد الشاعر فقال الحقيقة بجملة دقيقة. ولكن لم يدر في خلد الشاعر ولا الناس الى زماننا هذا أن (أثولا) سينبري لدراسته فيقيم عليه القيامة ولا يقعدها، ويشوهه (على تاليها) فيخرج عورته ويظهر عواره، وقد عاش مستورا بين الناس كل هذه القرون والعصور.
حين درس نزار الحجي حياة الشاعر خرج بنتائج عكسية تماما، لانه كان يحب الاعتماد على نفسه بجرأة فائقة، مع انه لا يعلم الكثير او لا يعلم شيئا، كما ان لغة الشاعر الغريبة كانت توقعه بالخطأ الفاحش في القراءة. لذا كتب عنه بناء على معطيات فهمه الخاطئ:
(كان فخر العرب زعيما كبيرا للعرب، أو أحد زعماء العرب الكبار، ذا طموح وصل به الى التفكير بالخلافة والاطاحة بالخليفة العباسي او الخلفاء الذين عاصرهم: المستظهر، المقتفي، المستضيء، الناصر). وكان فخر العرب قاسي القلب، مجرما في العقوبة، يجلد جاريته (عُمَيرة) كل يوم من الصباح الى المساء). واشياء اخرى ادعاها باطلا على الشاعر فخر العرب، مدعيا انه في دراسته يستخدم منهج (حفريات المعرفة) لذا (فان نتائجه لم تكتشفها الدراسات السابقة، وعلى الدارسين اعادة دراسة كل الشعراء المدروسين سابقا وفق منهجه الصارم).
كان يجلس على كرسي (الباحث) بثقة هازئة بالجميع حتى لجنة المناقشة ومشرفه الذي قلما انصاع لهوامش تصحيحاته المنقذة. وكان يجلس امامه بعيدا رجل لم يكن يراه أحد، ولو رآه الجالسون لادركوا غرابته وغرائبيته وانه من زمن قديم جدا، ليس بلباسه فقط بل بكل شيء فيه، سيعتقدون فورا انه جاء من عصر اسلامي سحيق. نعم هو (كما تظن ايها القارئ) (الشاعر فخر العرب) جاء من عالم الموت ليرى خيبته وفضيحته بهذه الدراسة، بدل الابهة والفخر الذي يناله شاعر او مفكر يجلس في مناقشة طالب درس آثاره.
والحقيقة ان فخر العرب لم ينهض من قبره يوم المناقشة، بل اخذ يتقلب في قبره ألما وتمزقا منذ بدأ نزار الحجي دراسته، ثم تطور الامر فصار يصرخ في قبره وسمعه ناس مروا قريبا منه، ثم لم يحتمل ذلك فطلب من الله جل جلاله الاذن بالخروج من قبره فسمح الله له بذلك، وانه لرحمن رحيم بالعباد. فصار يتجول في المقبرة ذهابا وايابا كارخا الارض كرخا وبصوت سمعه غير واحد. ثم سمح له بالخروج من عالمه السفلي وعالم البرزخ بعد ان اكثر الضجيج واقلق صفو الميتين مهددا ومتوعدا لان كرامته استبيحت بدراسة مغلوطة قلبته رأسا على عقب، فصار يتحرك بشكل طبيعي في الحياة ويقترب من الباحث ويشتمه ولكن لا يراه أو يسمعه احد.
قال له المناقش الاول (ما ذكرته فرضيات لا دليل عليها. ولو اننا اخرجناها من رسالتك فلن يبقى لك غير المقدمة والتمهيد وقائمة المصادر). انت تقول انه (زعيم العرب ولم يكتف بالزعامة المحلية فصار يتطلع الى حكم الامة كلها والامصار جميعها بالإطاحة بالخليفة).مع انه فقير جدا لا مال له ولا اتباع!!
قال نزار الحجي (الباحث): لا يوجد انصع بيانا على ذلك من قوله:
أَنا يا عرب زَعيمُ بوفائي ما أقيـمُ
ان ابائي كرام وانا منهم كريمُ
وانا السائس لا ينكرنـــي الا لئيمُ
فأجابه المناقش: اذا تقصد (زعيم) فهي ليست من الزعامة والرئاسة، بل من الكفالة، يقول العربي (أنا بذلك زعيم: أي كفيل) فالمعنى أنا كفيل يا عرب بالوفاء ما دمت مقيما بينكم. قال نزار: والاباء الكرام؟ قال المناقش: كلهم يقولون نحن من اباء كرام أي اهل كرم وليسوا لؤماء بخلاء. قال تزار الحجي (الباحث) وقوله (انا السائس) قال المناقش (السائس مروض خيل) وكانت هذه مهنة ابائه ومهنته في شيراز مارسها حين كسد شعره. وكان عليك ان تستبعد هذا الطموح عن هذا الشاعر حتى لو كان كما وصفت من القوة والتمكن، لان الخلافة الاسلامية محصورة في قريش بل في (فهر قريش) لقول النبي (ص) (الائمة من قريش) والشاعر (زيدي) وليس قرشيا اصلا.
(أوضح لك) قال المناقش: ماذا تقول اذا جاء باحث بعد مئة سنة وكتب عن السياسة العراقية متناولا شخصا معينا فقال: كان فلان شيعيا من العمارة وظل يطمح حتى صار (رئيس البرلمان العراقي) أو صار (رئيس جمهورية العراق) والثابت ان رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة العراق للكرد!! ماذا ستقول عنه؟ أما تقول هذا غبي لا يفهم وبعيد عن الواقع السياسي العراقي؟ هذا الامر وقع معك فأنت تقول ان شخصا غير قرشي طمح الى الخلافة.
ثم قال له استهلكت خمسا واربعين صفحة في ذلك، اشطبها لتصبح رسالتك من 120 صفحة الى 75. (أما الشاعر فخر العرب الميت الخارج اعتراضا) فقد حزن حزنا شديدا، وصار هيكل جسمه العظمي يتصبب عرقا من الحمى، وجمجمته تتفطر لهول صياحه وعظه اسنانه الساقطة فتقع العظة على الفكوك.
وقال له المناقش الثاني: وصفته على غير ما ذكرته المصادر فقلت (وكان فخر العرب قاسي القلب، مجرما في العقوبة، يجلد جاريته (عميرة) من الصباح الى المساء).
قال الباحث نعم لقد اعترف هو بجلده عُميرة كثيرا مثل:
اجلد عميرة في الصباح وفي الظهيرة والمساء
ودع النسا حسن الوجوه وراه قبح البلاء
جلدوا عميرة مرة وجلدت آلافا عُميره
قال المناقش: من هي عميرة التي يجلدها دائما؟ قال الباحث: وما يدريني لعلها جاريته! وهل توجد قسوة اكبر من جلد هذه المسكينة عميرة كل يوم وفي ثلاثة اوقات وبشكل مستمر. قال المناقش: الشعراء في كل القرون والعصور يقولون (اجلد عميرة) و(جلدنا عميرة) وكان ابن الرومي اكثر الشعراء جلدا لعُميرة. وقال الجاحظ:
إذا نَزَلْتَ بوادٍ لا أنيسَ به فاجلِدْ عُمَيرةَ لا عارٌ ولا حَرَجُ
فكيف يجلد كل هؤلاء عُميرة وهم في ازمان متباعدة، وهل عميرة خالدة تعيش في كل العصور؟!! سكت الباحث مشدوها. بينما كان يجلس الشاعر (فخر العرب) ميتا تحت منصة المناقشة وبأسف وتأوه قال (طيّح الله حظك).
قال له المناقش: العرب تقول (جلد فلان عُميرة) كناية عن الاستمناء او العادة السرية. فقد ورد ان الامام علي (ع) رأى غلاما يجلد عميرة فضربه على يده وزوجه من بيت مال المسلمين. وكتب القائد سعد بن ابي وقاص للخليفة عمر بن الخطاب: طال الامد بجنودنا المجاهدين حتى صاروا يجلدون عميرة. يا ابني الشاعر ماتت زوجته فكان يرفض الزواج ويتندر بالقول (جلد عميرة خير من زواج تأتي فيه زوجة اب تظلم الاود) او (عُميرة ولا سُميرة) هذا كل ما في الامر فلا توجد عميرة ولا جلد وقسوة واجرام ولا هم يحزنون وهذا الشاعر المسكين فضحته ببلاش. فرفع الشاعر الميت كلتي يده من تحت المنصة قائلا داعيا على الباحث (الله يطيح حظك فضحتني) قال المناقش هذه ثلاثون صفحة على عميرة اشطبها: 75- 45 تبقى 30 صفحة.
حين جاء دور رئيس الجلسة قال له: لعل زملائي استغرقوا الملاحظات التي أشرتها كلها. ولكن بقيت لك 30 صفحة سأشطبها باذن الله بملاحظاتي القليلة الباقية. هناك أخطاء كارثية وقعت بها لم يذكرها زميلاي الجليلان. قلت في تفسير قوله:
تاهت عليَّ وانها شمس بليل تشرق
(يقول الشاعر تاهت عليَّ الامور فلم اعد اتبين شيئا، فانا ارى شمسا تشرق في الليل ولا ادري كيف تشرق الشمس في الليل وليس النهار) قال الباحث: البيت يفسر نفسه دكتور! قال له المناقش: حبيبي (تاهت عليَّ) يعني تدللت او تبخترت فيكون المعنى (تبخترك علي حبيبتي وانها شمس تضيء حتى في الليل). انت اخذت المعنى الشعبي لتاهت وهذا خطأ شنيع وهو اقحام العامية بالفصحى. ومثله تفسيرك قول الشاعر
وقرأت في فخر الجـــــــــــدود من الجلاد الى الجلاد
فقلت: ان الشاعر يؤكد ان اجداده كانوا كتابا مؤلفين، وانه قرأ كتبهم كلها (من الجلاد الى الجلاد) وهي فخرهم. فعبارة (من الجلاد الى الجلاد) عامية عراقية، ولفظة (الجلاد) لا علاقة لها بجلد او غلاف الكتاب، بل هي تعني عربيا: القتال، والجلاد: الابل الدسمة الحليب.
ومثله كذلك رأيك في قول الشاعر:
طويت سماء المكرمات وكورت شمس فديح
فقد اوردت الكلمة الاخيرة من البيت هكذا (فديحو) وقلت هي عامية من (الدياحة). بينما هي خطأ مطبعي لم تكلف نفسك عناء تصحيحه من مصادر أخرى والصحيح هو:
طويت سماء المكرمات وكورت شمس المديحِ
من ذا أؤمل أو أرجِّي بعد موت أبي المليحِ
وقال له رئيس الجلسة: قلت في تفسير أبياته:
شيخي اذا ما احرقوه يعــــــود حيا يرزقُ
لا النار مسته ولا آثار نار تحرقُ
ويطير احيانا واحيانــــــــــا يسير فيسبقً
ما كان مجنونا ومن عاداه فيه أولقُ
(انه غرائبي، وما ذكره هي الغرائبية بعينها. وهذا يدل على ان الشاعر عبر مستوى المبالغة التي ابتلي بها الشعراء قديما وحديثا او ما يسمونه (احسن الشعر أكذبه) الى المستوى الغرائبي.. وقلت عن مفردة (أولق) ربما هي خطأ مطبعي. وهي عربية فصيحة تعني الجنون.
قال الباحث: نعم وهل يوجد مصطلح اصدق على حالته من مصطلح الغرائبية؟! قال المناقش: بل انت تضع المصطلحات في غير ما يلائمها من حالة، فالشاعر كان يميل الى التصوف، والمتصوفة عندهم خوارق وشطحات يسمونها (كرامات) وهذا مصطلح ادق من الغرائبية. فالغرائبية مصطلح جاء مع (فن الرواية) اما الكرامات فمعروفة عند كل الفرق والمذاهب ولكل منهم كرامات يذكرونها لأئمتهم وأوليائهم الصالحين. بل حتى معجزة (الاسراء والمعراج) من ذلك، وهل انت تراها غرائبية أم معجزة وكرامة للنبي؟!!! فسكت الباحث مشدوها، وصاح عليه الشاعر الميت المقطوع الصوت (ها ما تجاوب ...).
قال رئيس الجلسة: سقطت الـ 30 صفحة ولم يبق لك سوى صفحة العنوان وقائمة المصادر.
بعد اختتام الجلسة وانتهاء مدة الخلوة قرئ القرار بـ(رد الرسالة). فخرج كل من في القاعة حزينا ولاسيما الباحث نزار الحجي، الا شخصا واحد هو (فخر العرب) الشاعر الميت المبعوث حزنا، خرج في الاخير وهو يقهقه شماتة ممزوجة بألم متقيح وصاح بصوت قوي لم يسمعه احد (الله يطيح حظك ....) ولكن الباحث تلفت للخلف كأنه سمع شيئا من هذا القبيل، او ربما هو صوت بداخله يرد على شططه في الدراسة، وظلمه لشاعر قرأه بالمقلوب وشوهه، وتيقنه بانه لا يستحق الدرجة العلمية العالية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

519 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع