التعليم العالي العراقي في حقبة الحصار: البرامج الخاصه

د.علي عبدالرحمن الزعاك

التعليم العالي العراقي في حقبة الحصار: البرامج الخاصه

مقدمه

ترجع بداية التعليم العالي الى عام 1908 حين تاسست كلية القانون في بغداد و تأسست بعدها الكليه الطبيه الملكيه سنة 1927 ..ثم تاسست كلية الاداب عام 1949 ..تلاها كليات مختلفه اخرى بشكل منفرد تم دمجها ببطء باسم جامعة بغداد في عام 1957 ..وكانت نواة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي انفصلت عن وزارة التربية والتعليم في 12 كانون الثاني 1970 بقرار حكومي للنهضه بالتعليم العالي..وعينت الدكتوره سعاد خليل إسماعيل البستاني لتكون اول من يشغل منصب وزيره للوزاره المستحدثه.
اما التعليم الجامعي الاهلي فتعود بداياته الى عام ١٩٦٣ حينما أسست نقابة المعلمين كليه جامعيه سمتها المستنصريه تيمنا بالمدرسة المستنصريه التي أنشئت سنة 1227م ، على يد الخليفة العباسي المستنصر.. وكان الدوام فيها مسائيا لتمكين الموظفين من متابعة تعليمهم..ثم افتتحت كلية اهلية ثانية من قبل جمعية نشر العلوم والثقافة تحت اسم جامعة الشعب..وفي عام ١٩٦٤ دمجت الحكومه هاتين الجامعتين تحت اسم( الكلية الجامعة )وتم ربطها بجامعة بغداد وشغلت احدى بناياتها واسندت عمادتها الى الدكتور ابراهيم عبد الله محي الهيتي الذي تمكن من اقامتها بالشكل المعروف للجامعه المستنصريه ..والتي اصبحت جامعة حكوميه رسميه عام 1974.
*****
في الثاني من اب عام 1990 " العراق غزا الكويت" وردا على ذلك، فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحده عليه عقوبات غير مسبوقه وكان القرار رقم 661 الصادر عن المجلس في 6 أب 1990 هو الأسرع والأول من بين هذه الإجراءات العقابيه حيث حظر كافة الواردات و الصادرات مع هامش ضيق جدا من الإعفاءات للأغذيه والأدويه..وتاثرت كافة القطاعات بالحصار الدولي الشامل الذي استمر لمدة ثلاثة عشر عاما ..
وكان على الاركان الوطنيه للدوله وبضمنها التعليم العالي التكيف مع القرارات والاجراءات الداخليه والخارجيه..حيث قاوم التعليم العالي التاثير القاسي للحصارالعلمي ، مستندا الى حب المجتمع للتعليم وحرص الطلبه..و بفضل اساسه الأكاديمي المهني المستقروالمنظم بموجب القانون رقم 40 ، الذي اصدرته الحكومه العراقيه في 22 اذار 1988..
انتهى الحصار بغزو مشابه لما حدث عام 1990 .. "أمريكا غزت العراق" في اذار 2003.. لكن لم يرد مجلس الامن هذه المره! ولم يحاول ان يفرض عقوبات على الغزاة ومن ساهم في احتلال البلاد لان اثنين منهم من الخمسه الكبار في المجلس..

 


مابعد الاحتلال

بعد الاحتلال مباشرة ، وبالتنسيق مع سلطة التحالف التي اقامتها القوات الغازيه ، بدأت مجموعة المسح العراقيه (ISG) ..التي ادارتها هيئه مشتركه من المخابرات المركزيه واستخبارات الدفاع الامريكيه.. بحثها عن البرنامج السري المزعوم لأسلحة الدمار الشامل الذي كان الذريعه المعلنه للحرب.. وتضمن ذلك استجواب واحيانا احتجاز أكاديميين وعلماء في تخصصات معينه ..حيث اعتبرت سلطة الاحتلال أن معظم الفعاليات العلميه قبل الحرب كانت عسكريه بما فيها انشطة قطاع التعليم العالي البحثيه .. ولم يكن هذا تقييما صحيحا اذ ان كافة بحوث التعليم العالي كانت ذات طابع مدني معلن ... وبفشل مجموعة المسح الاستخباريه الكبيره (1400 عضو) في العثور على اي برنامج سري توقف البحث وتم الاعلان عن ذلك في تقريرها النهائي المعروف باسم تقرير دولفرعام 2004 ..
وكان العلماء والأكاديميون قد طوروا خلال سنوات الحصار ابتكارات عديده واكتسبوا خبرات مهمه في مجال التقنيات البديله وسر المعرفه والهندسه العكسيه وغيرها.. لكن تم التفريط بتلك الكفاءات والخبرات بعد الاحتلال بممارسات انتقاميه عامه في ظل مفاهيم طارئه للتقسيم القومي والمذهبي والاجتثاث ..تمثلت في التهميش والمحاصصه والعزل والتصفيه.. وادت إلى نشر الكراهيه والموت وبشكل خاص خلال العامين 2006-2007 ..ولم تجر محاولات جاده لاستئصال ذلك التطرف من قبل الاحزاب السياسيه المرتبطه بالاحتلال الى ان تعب منها المجتمع وانصرف عنها نسبيا بعد عدة سنوات..
*****
ما قبل الاحتلال

خلال سبعينيات القرن الماضي ومابعدها ، أرسلت الحكومه العراقيه الآلاف من طلبة العلم في بعثات للحصول على درجة الدكتوراه والماجستير من امريكا واوربا ..و أثبتت الخطه أنها استثمار مستقبلي ممتاز ادى الى تطور التعليم العالي ..وكذلك ساهم بشكل ملحوظ بعد عقدين من الزمن في مواجهة الحصار العلمي عندما فرضت العقوبات الدوليه..حيث وعلى الرغم من أن العديد من الأكاديميين غادروا البلاد لاسباب اقتصاديه ، إلا أن الآلاف فضلوا الصمود وواصلوا مهامهم العلميه وواجباتهم نحو المجتمع وابنائه.
وكان عقد السبعينيات قد شهد اصدار مجلس قيادة الثوره السابق قانون محو الاميه رقم (153) لسنة 1971 تلته عدد من التشريعات اعادت تشكيل (المجلس الأعلى للحمله الوطنيه لمحو الأميه الالزامي) بموجب القانون رقم (92) في 22-5- 1978..وتحديث نظام الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي رقم (2) لسنة 1979 ..
وكان نجاح الحمله باهرا لدرجة تكريم المجلس الاعلى بجائزة منظمة اليونسكو للامم المتحده عام 1979 .. اذ كان للمشروع اثر مهم في توسيع انخراط المجتمع في التعليم..لكن المشروع تاثر بالحصار الاقتصادي خلال عقد التسعينات ثم تدهور بعد الاحتلال لترتفع نسبة الاميه بين الشباب الى حوالي 18٪ من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاما استنادا إلى البيانات التي نشرها معهد اليونسكو للإحصاء في عام 2016 .
وقد كانت البنى التحتيه لقطاع التربيه والتعليم العالي من بين ضحايا الغزو والاحتلال الامريكي عام 2003 اذ دمرت المقرات الرئيسيه للوزارات (باستثناء وزارة النفط)..ونهبت الجامعات باثاثها ومعداتها العلميه بالكامل..
وقد سمحت قوات الاحتلال بسرقة ونهب المنشات الحكوميه كافه لالهاء الشعب عن المقاومه لفتره قصيره حتى يستتب لها الامر.. ونجح ذلك كما حدث في الاحتلالين السابقين من قبل البريطانيين (في عامي 1917 و 1941)..
ولضمان استمرار الهاء المجتمع لم يتوقف الامر عند نهب البنى التحتيه بل تعداه الى فتح صندوق الباندورا الطائفيه التي نالت من التعليم العالي بعد ان كان حصينا ضدها منذ تاسيسه.

الهيكل التنظيمي للتعليم العالي

وصف قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 40 هيكلها التنظيمي واهدافها وواجباتها وشمل ثلاثون ماده تتعلق بالتخطيط والتطبيق والاشراف والتنسيق بين الجامعات ..وكذلك مكاتب الوزاره التي تمثلت - بالاضافه الى مكتب الوزير- بخمس مديريات عامه هي: الاداريه والماليه, البحث والتطوير, التخطيط والدراسات, الإشراف والتقويم العلمي, البعثات والعلاقات الثقافيه
..( استحدثت بعد الاحتلال دائرة مفتش النزاهه ودائرة الإعمار والمشاريع ..ومكاتب
لثلاث نواب لوزير التعليم العالي للتحاصص القومي والطائفي..)
وقبل عام 2003 ضمت الوزاره تسع عشرة جامعه حكوميه..ثمانيه منها في العاصمه
بغداد..وهي جامعة بغداد، الجامعة المستنصريه، الجامعة التكنولوجيه، الجامعة
الإسلاميه، هيئة التعليم التقني ، المجلس الطبي العراقي ،هيئة الحاسبات
وتكنولوجيا المعلومات..اما جامعة صدام التي كانت ترتبط بديوان الرئاسه فقد الحقت
(بعد تغيير اسمها الى جامعة النهرين) بوزارة التعليم العالي بعد الحرب.
كذلك كان هناك خمسة جامعات في منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي شمال العراق.
..ويتضمن الفصل الثاني من القانون رقم 40 مواد تصف الهيكل التنظيمي العام للجامعات..حيث يدير كل منها رئيس وتتألف من كليات ومعاهد ومراكز بحوث..يديرها عمداء..يرتبط به رؤساء اقسامها.. و يعتبرمجلس الجامعه أعلى سلطه اكاديميه يقودها رئيس الجامعه..وكذلك الامر لمجالس الكليات ومجالس الاقسام.
تفصل المواد الثلاثون في الفصل الثاني من القانون لوائح موظفي الجامعه ومدونة قواعد السلوك والواجبات الإداريه..
اما الفصل الثالث فخصص لهيئة التعليم التقني والتي بدات بمعاهد تمنح درجة الدبلوم بعد سنتين من الدراسه الثانويه..ثم تم استحدات كليات تقنيه تمنح درجة البكالوريوس بعد أربع سنوات من الدراسه ( استبدلت الهيئه بأربع جامعات تقنيه وزعت جغرافيا عام 2014) ..
وفي تشريع سابق لهذا القانون (10/ 11 /1976 ) تم تحديد اللوائح التنظيميه للدرجات العلميه وحددت شهادة الماجستير للمدرس المساعد والدكتوراه للمدرس وكيفية ترقية كلاهما الى مرتبة الاستاذ المساعد ثم الى استاذ ..وكذلك الواجبات الاكاديميه لحملة هذه الالقاب التدريسيه والبحثيه.

المؤسسات البحثيه الرديفه

كان لدى الجامعات منذ انشائها عدد قليل من مراكز البحوث المتميزه لكن كانت تطغى عليها أبحاث الاقسام الاكاديميه المعززه بالمشاريع البحثيه لطلبة الدراسات العليا ..
و كان ( مجلس البحث العلمي) بهيكله المستقل.. رديفا مناسبا بتفرغه البحثي وموقعه الجغرافي (الملاصق لجامعة بغداد).. رغم مروره باطوار استحاله غير اعتياديه.. حيث كان قد اسس بموجب قرار مجلس قيادة الثوره السابق رقم 172 في 11 تشرين الاول 1980 .. وهو استمرار لمؤسسة البحث العلمي التي كانت تابعة لوزارة التعليم منذ انشائها عام 1969 ثم فك ارتباطها بموجب القرار رقم (891) الصادر في 5/6/ 1980، الذي قضى بربطها بمجلس الوزراء.
وقد ضم مجلس البحث العلمي المراكز المتميزه التاليه:
1. مركز البحوث البيولوجيه
2. مركز الموارد الزراعيه والمائيه
3. مركز بحوث الهندسه الوراثيه والتقانات الحيويه
4. مركز أبحاث الباراسيكولوجي
5. مركز بحوث الطاقه الشمسيه
6. مركز بحوث الفضاء والفلك.
7. مركز بحوث البناء
8. مركز بحوث الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي
9. مركز التوثيق العلمي
لكن بحل مجلس البحث العلمي في تشرين الثاني 1989 اصبحت مراكزه تلك دون غطاء اداري .. فتقاعد بعض علمائه ذوي الكفاءات العاليه ونقل البعض إلى الجامعات والهيئات الاخرى ..في حين ربطت بعض المراكز بهيئة التصنيع العسكري..
وفي العام الاول بعد الاحتلال تم استحداث وزارة العلوم والتكنلوجيا في الموقع لتشرك معها مع مابقي من منظمة الطاقه الذريه اثر حلها بعد الحرب..
اما اخر اطوار الاستحاله لما بقي من مجلس البحث العلمي السابق فقد تمثل بحل وزارة العلوم والتكنلوجيا ..وضم المجمع العلمي الى وزارة التعليم العالي..
*****
وعودة لحقبة الحصار .. فلهدف ملء الفراغ الذي خلفه حل مجلس البحث العلمي عام 1989 قررت وزارة التعليم العالي تنشيط مراكزها البحثيه في الجامعات التي نجحت بتميزها وارتباطها بالبيئه الجغرافيه للجامعه .. وكان اهمها مركز علوم البحار الذي تاسس عام 1976 ومركز الدراسات الايرانيه (1985) ومركز دراسات الخليج العربي ( 1974) بجامعة البصره ..وكذلك مركز الدراسات التركيه (الاقليميه) ( 1985 ) ومركزبحوث السدود والموارد المائيه في جامعة الموصل (1986 ) ..ومن جامعة بغداد مركز بحوث ومتحف التاريخ الطبيعي الذي ارتبط عند تاسيسه عام 1946 بعمادة دار المعلمين العالي ومركز البحوث التربويه والنفسيه ( 1966 ) ومركز احياء التراث العربي (1977)..بينما تاسست عشرات المراكز والوحدات البحثيه خلال حقبة الحصار العلمي ومنها المركز العراقي لابحاث السرطان والوراثه الطبيه (1995) ومركز دراسات الوطن العربي (1992) بالجامعه المستنصريه .. ومركز الدراسات البابليه بجامعة بابل (1998) .. ومركز بحوث التقنيات الاحيائيه الذي تاسس عام 1999 بجامعة النهرين..
عملت الوزاره على اصدار نظام مراكز البحث العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (1) لسنة 1995 والمتضمن تشكيل (هيئة) البحث العلمي لتعمل كهيئه مرتبطه بوزير التعليم العالي للاشراف الفني والعلمي على النشاط البحثي الرديف للاقسام الاكاديميه..وقامت الهيئه غير المتفرغه بتنسيق واستحداث اوتطوير المراكز والوحدات البحثيه المرتبطه اداريا بالجامعات والكليات حيث يرتبط المركز برئيس الجامعه وترتبط الوحده البحثيه الاصغر من المركز بعميد الكليه..وكان من مهام الهيئه مراجعة خطط الابحاث السنويه واعتمادها أو تعديلها..ولتنشيطها نظمت أربعة مؤتمرات سنويه قبل الاحتلال.. حيث قدم كل مركز من المراكز والوحدات الخمسة والسبعين التي تشرف عليها الهيئه انتاجه البحثي .
وقد نجحت الهيئه في الحصول على تمويل مناسب من وزارة التخطيط في عام 2002 قامت من خلاله بدعم عدد كبير من البحوث التي قدمت من المراكز والكليات وادي ذلك الى تنشيط عمل مختبراتها العلميه التي عانت جراء الحصار..
وقد كان من المناسب اسناد هذه المراكز بعلماء المؤسسات التي تم حلها بعد الاحتلال مثل هيئة التصنيع العسكري ومركز اباء الزراعي وغيرها لكن لم يحرص احد على ذلك بل على العكس طورد قسم من هؤلاء العلماء وتمت تصفية البعض الاخر بروح انتقاميه لامبرر انساني لها..

الانشطه المعلوماتيه

ربما كان مركز بحوث الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي بمجلس البحث العلمي من اهم المشاريع البحثيه في مجال المعلوماتيه قبل حل المجلس عام 1989..
كذلك كان تأسيس (مدرسة القدس للحاسبات) في حقبة الحصار وربطها بديوان رئاسة الجمهوريه تجربة مهمه ومدعومه لتعليم الصغار علوم الحاسبات لكنها تلاشت بعد الحرب..
وعلى مستوى التعليم العالي قرر مجلس الوزراء عام 2002 تطوير المركز القومي للحاسبات (الذي كان قد تأسس في عام 1972 ثم ارتبط بعد تطويره بالمجلس الأعلى للتخطيط في عام 1990) إلى " هيئة الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات "..والحقت الهيئه بوزارة التعليم العالي بمستوى جامعه و تضم "معهد المعلوماتية للدراسات العليا"..لكن تم تعليق عمل الهيئه بعد الحرب دون سبب واضح.. وأعيد تفعيلها أواخر عام 2005..(تم تغيير اسمها مره اخرى الى "جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات" عام 2014 ).
من ناحية أخرى ، عانت أقسام علوم الحاسبات في كليات العلوم والتربيه ، مثل كافة التخصصات العلميه ، من العزله خلال سنوات الحصار الدولي الطويله.. كما واجهوا تحديات تتعلق بالبنى التحتيه والمتطلبات الأساسيه مثل الكهرباء وخدمة الإنترنت..كذلك تأثر التعليم في هذه الأقسام بشكل خاص بنقص التدريسين على الملاك الدائم..
وربما كان هذا القطاع الوحيد الذي تطور نسبيا بعد الحرب رغم ان ذلك كان مرتبط زمنيا بثورة تكنلوجيا المعلومات في العالم.. وكان يمكن للمشروع الامريكي المسمى "المكتبة العلمية الافتراضية العراقيه - IVSL" الذي اطلق عام 2006 ان ينجح لو تمت ادامة مستلزماته البسيطه من كهرباء وانترنت..
وبغض النظر عن مفهوم المعلوماتيه الا ان مصادر المعرفه لم تكن مرتبطه بالضروره عن طريق الفضاء السيبري..فقد كانت الكتب المنهجيه المطبوعه المصدر الاساس للتعليم العالي ،واعتمدت البلاد في الماضي على الكتب المؤلفه والمترجمه لتعويض النقص الناجم عن الحروب والعقوبات الدوليه..وكانت الكتب المنهجيه المؤلفه أو المترجمه تتماشى مع مفهوم التعريب المقبول في التعليم العالي (باستثناء التخصصات الطبيه)..
ومع عدم قدرة مكتبات الجامعات على شراء الكتب والمجلات العلميه الاجنبيه خلال فترة الحصار ، توسعت الجامعات والكليات في اصدار مجلات علميه دوريه في مجال تخصصها لنشر النتاج البحثي للتدريسيين والباحثين من داخل وخارج الجامعه .. وكان هناك بعض المبادرات التعليميه ذات الابعاد السياسيه بعد الحرب مباشرة منها مشروع تحديث مكتبة كلية القانون في جامعة بغداد لتطوير التعليم القانوني..مولته الوكاله الأمريكيه للتنميه الدوليه وبدعم من المعهد الدولي لقانون حقوق الإنسان في جامعة ديبول الامريكيه....
وبالمثل، تطوير مجلة المحاسبه التي تصدرها كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد..وكان دعم هذه المجله بالذات جزءا من استراتيجية الحكومه الامريكيه لربط العراق بما يسمى العولمه حيث ان تحسين معايير المحاسبه هو شرط للانضمام إلى منظمة التجاره العالميه.

الكفاءات العلميه
اولت الحكومه العراقيه منذ اوائل السبعينات من القرن الماضي اهتماما استثنايئا بالكفاءات العلميه لقيادة خطة تطوير البلاد.. وسعت في اتجاهين لضمان ذلك ..الاول جذب العلماء العراقيين (والعرب) المهاجرين ومن اجل ذلك أصدر مجلس قيادة الثوره آنذاك التشريع رقم (154) لسنة 1974..والذي عرف باسم "قانون الكفاءات" الذي هدف الى توفير رفاهيه مناسبه للعائدين الذين تمتعوا بحزمه من المزايا الماديه..بما في ذلك بناء مجمعات سكنيه لائقه لهم كان ابرزها مجمع شارع حيفا وغيره ..وشمل القانون ذوي الشهادات العليا الذين كانوا قد عادوا قبل صدوره.. وبالفعل ادار هؤلاء مفاصل ومشاريع كثيره في مختلف الوزارات الانتاجيه والخدميه..اما الاتجاه الثاني فمن خلال وضع وتنفيذ برنامج قوي للبعثات والزمالات والإجازات الدراسية ، فتم أرسال الآلاف للدراسه في الخارج ، وخاصة للحصول على درجة الدكتوراه..
وبعد قضاء ثلاث إلى خمس سنوات من الدراسات العليا ، عاد الخريجون المؤهلون إلى البلاد تباعا من من جامعات الولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا ودول غربية أخرى..فيما عاد موفدوا الزمالات وبرامج المنح الدراسيه من جامعات الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقيه بعد اكمالهم التخصص..وقد كانت الاجازات الدراسيه التي تمولها الجامعات والوزارات بشكل مباشر رافدا اخر بالتنسيق مع دائرة البعثات في وزارة التعليم العالي..ويضاف لها عدد اقل من الدارسين على النفقه الخاصه..وتجاوزت الاعداد الاف المبعوثين بشكل مدور ومستمر..حتى توقفت في منتصف عام 1982 بسبب صعوبات اقتصاديه ناتجه عن تصاعد كلف الحرب مع إيران.. ومع ذلك ، فقد استؤنفت بمعدل قليل في منتصف عام 1986..
اوقف الحصار العلمي الدولي البعثات الخارجيه بشكل كامل عام 1991..ثم فتحت نوافذ صغيره للزمالات من بعض الدول الصديقه وقتها..
ولتوفر الكادر التعليمي نتيجة نجاح الابتعاث المخطط ..فقد وضعت خطه جديده لمواجهة الحصار العلمي بتوفير البديل لبعثات الخارج,,وهي الخطه الوطنيه لبرامج الماجستير والدكتوراه ..وتعني التوسع المحكم في الدراسات العليا داخل الجامعات العراقيه الاساسيه الكبيره .. وقد ضمن ذلك استمرارية التعليم العالي ..مع صعوبات في توفير المستلزمات العلميه.. ورغم ذلك لم تغفل القيادات المعنيه مواكبة حافات العلوم فتم انشاء معاهد للدراسات العليا وغيرها من المراكز التعليميه عالية التخصص..
وكان الاكاديميين والعلماء محط اهتمام الحكومه العراقيه حتى بعد انتهاء العمل بقانون الكفاءات وحاولت خلال فترة الحصار شمولهم بامتيازات علميه مثل قانون رعاية العلماء الذي اشرف على تنفيذه ديوان الرئاسه وقانون رعاية الملاكات العلميه ومشروع دراسات مابعد الدكتوراه ..ووضع حوافز وجوائز بيوم العلم السنوي في 17 كانون الثاني .. وتلك ذكرى ذات دلاله علميه وسياسيه..لكن توقفت هذه البرامج الملهمه عام 2003..

التفاعل تحت الحصار

تبنت جامعة بغداد مفهوم "الجامعة المنتجه".. وقدمت الناتج البحثي التطبيقي لطلبة الدراسات العليا كمنتج جاهز للتعاقد على المستوى الريادي ..وحذت جامعات عراقيه أخرى حذوها..حيث تم تشجيع تفاعل الجامعه مع المجتمع من خلال إنشاء مكاتب استشارية متخصصه في كليات الهندسه بشكل خاص وكذلك الكليات الاخرى.. وبدات اجراءات التعاقد بالتنفيذ مع الموسسات والشركات المستفيده ..
كذلك دخلت الجامعات في شراكات منظمه مع الوزارات والمؤسسات العامه خلال العطله الصيفيه لتقديم الاستشارات العلميه في حل مشاكل الإنتاج أو تطوير الأنظمه الانتاجيه ..في حين نظمت بعض الجامعات خدمات ميدانيه للمجتمع من خلال الفرق الجامعيه حيث قامت فرق طلابيه جواله على سبيل المثال من كليات الطب وطب الأسنان والطب البيطري بتقديم خدمات اساسيه الى مناطق ريفيه تحت اشراف الاساتذه المختصين.
اما التفاعل على مستوى التخطيط فقد كان لازما من اجل صياغة خطط قبول الطلاب و بناءا على استراتيجيه وطنيه خمسيه تقدمها وزارة التخطيط وفيها تحدد أعداد ونوع خريجي الجامعات..
.وكان تنسيق التعليم العالي الثنائي على مستوى الدراسات العليا مع الإدارات العامه الأخرى مثال بارز على التفاعل المتخصص ..ففي القطاع الصحي كان التفاعل يتم من خلال "المجلس الطبي العراقي" (مجلس التخصصات الطبيه).. فالمجلس ملحق بوزارة التعليم العالي، لكنه ينفذ سياسة القبول في التخصصات الطبيه العليا استجابة لحاجة وزارة الصحه إلى الاختصاصيين ..
كذلك يقوم الاساتذه الاطباء من كلا الوزارتين بتدريس مقررات الدراسه الاوليه والعليا في كليات الطب ..ولكلاهما اسرة في المستشفيات التعليميه الملحقه..
اما التفاعل مع المؤسسات التربويه فكان مركزا من خلال وزارة التربيه التي تشرف على تنقيح المناهج الدراسيه لتضمن انسياب التعليم الابتدائي والثانوي نحو التعليم العالي ..هذا عدا التفاعل المباشر في الية قبول الطلبه في الجامعات..
وكان التنسيق قائما من خلال مايعرف آلية التعاون التي شملت القطاع الزراعي والصناعي وكان يتم فيها التفرغ العلمي الجزئي او خلال العطله الصيفيه او الاشراف العلمي المشترك على بحوث طلبة الدراسات العليا..وكانت لتلك النشاطات اثر ملموس في التقليل من اثار الحصار المادي والمعنوي.

برامج خاصه

لمواجهة النقص الدوائي بسبب الحصار الدولي ، اطلقت وزارة التعليم العالي عام 1995 آلية لمشروع ادويه بهدف البحث والتطويراو محاولة تصنيع الف دواء كانت مقيدة الاستيراد .. وتم تشجيع التدريسيين و الباحثين على التعاقد مع الوزاره بشكل مباشر بموجب عقود تمويل ومتابعه من دائرة البحث والتطوير ..واستجاب للمبادره علماء من كليات الصيدله والزراعه واقسام الكيمياء وعلوم الحياة والتقانات الحيويه وغيرها من الكليات ومراكز البحوث العلميه ذات العلاقه..وتم توجيه عدد كبير من بحوث طلبة الدراسات العليا في المشروع الذي كان ذو مردود مادي للباحثين بالاضافه الى اهميته الوطنيه ..حيث تم فك سر المعرفه (والماده الفعاله) عن عدد من الادويه في حين تم انتاج عدد من المستحضرات على المستوى المختبري او الريادي ووصل عدد اخر لمرحلة الانتاج الصناعي بالتنسيق مع الشركة العامه لصناعة الأدويه في سامراء ..وهي الشركه الاساسيه الحكوميه الاكبر في البلاد.
ومن المبادرات الموازيه التي اطلقتها وزارة التعليم العالي وشاركت فيها موسسات حكوميه اخرى بالاضافه الى الجامعات كان مشروع تصنيع المبيدات الحشريه ، في حين ركز برنامج ثالث على تصنيع الأدوية البيطريه وبالتنسيق مع مصنع سامراء كجهه تطبيقيه للناتج البحثي..
ونفذت الوزاره من خلال تعاون الجامعات مع مراكز وزارة الصناعه برنامجا رابعا هو مشروع العدد التشخيصيه للامراض وبالتنسيق مع وزارة الصحه ..وقد حددت فتره اوليه لانجاز كافة المشاريع البحثيه بثلاث سنوات مددت لسنه رابعه ثم استمرت لحين قيام الحرب بينما كانت يجري اعداد خطه لتنفيذ برنامج بحثي متخصص اخر لاستثمار النباتات الطبيه والأدويه العشبيه.. ومناقشة مشروع الموارد الوراثيه وبنوك السلالات النباتيه والميكروبيه.. فقد كانت هذه الموارد عرضه لمى يسمى " القرصنه البيولوجيه"..
وبغض النظر عن نجاح عدد من هذه البحوث فقد رسخت الية تعاون بين وزارة التعليم العالي ووزارات الزراعه والصناعه والصحه ومنظمة الطاقه الذريه التي كانت لديها مشاركه فعاله ايضا في البحوث..
كذلك اعادت تلك البرامج البحثيه (او نشطت) المختبرات العلميه التي تمكنت من استخدام تمويل العقود في شراء الاجهزة والمعدات المختبريه والحقليه وكذلك كانت فرص تطبيقيه لطلبة الدراسات العليا في فهم طبيعة البحوث الموجهه من خلال اساتذتهم المشاركين في المشاريع..

الاونسكوم والحصار العلمي

شهدت حقبة الحصار أعمال بعض فرق تفتيش الاونسكوم العدائيه واستفزازاتهم المتكرره بسبب اختراقهم من عملاء المخابرات الأجنبيه الذين تم إدراجهم كمفتشين في اللجنه الخاصه التي انشئتها الامم المتحده للبحث عن برنامج مزعوم لاسلحة الدمار الشامل.. حيث وضعت اللجنه أكثر من مائتي مؤسسه مدنيه تحت نظام المراقبه المستمره.. وتم وسم الاجهزه المختبريه التي تقع تحت تعريفهم للاستخدام المزدوج وبات استخدامها مقيدا الى حد ما لانهم كانو يفتشوها بانتظام ويطلبون تقارير شهريه تقدم لهم عن طريق دائرة الرقابه الوطنيه..وكانوا ايضا يقومون بزيارات مفاجئه شملت اوقاتا بعد الدوام الرسمي بما في ذلك مداهمات ليليه.. وبالطبع وضعوا مستخدمي الاجهزه العلميه تحت المتابعه.. وكانوا في ذلك يلعبون دور ( الاخ الاكبر الذي يراقبك ) في رواية (1984) التي كتبها الروائي البريطاني ( جورج أورويل ) عام 1948..!
كانت هذه المراقبه مضيعة للوقت والموارد لكلا الجانبين ، لكنها كانت لعبه سخيفه استمراّوها زمنا طويلا..وكان عمل الموسسات العلميه والاكاديميه يتوقف اثناء تلك الزيارات الثقيله..وربما كان قرار الحكومة السماح للجنة الخاصه بدخول الحرم الجامعي خطأ من الاساس ..حيث من المفروض ان يتمتع بالحصانة السياديه كما في الدول المتقدمه التي تعتبر الجامعات معابد علم ..فيما نصت المعاهدات الدولية مثل لوائح لاهاي (المادة 56) على أن ( ممتلكات البلديات والمؤسسات الدينيه والعمل الخيري والتعليم والآداب والعلوم ، يجب أن تعامل كملكيه خاصه حتى عندما تكون عائده للدوله ).
كان ( سكوت ريتر) ، ضابط المخابرات البحرية الامريكيه السابق ، والذي تنسب للعمل كمفتش رئيسي لدى الاونسكوم .. يتفاخرفي وسا ئل الاعلام بمغامراته وبطرقهما الخبيثه في ادارة ( الغارات ) التفتيشيه على طريقة رعاة البقر القدماء في الغرب الامريكي مع تشارلز دولفر الذي كان يعمل مستشار خاص لوكالة المخابرات المركزيه الامريكيه وتم تنسيبه للعمل كنائب تنفيذي ثم كرئيس بالوكاله للاونسكوم ....ومع ذلك ، استقال سكوت ريتر بعد ست سنوات من عمله محتجا بأن مهمة الاونسكوم قد تم تقويضها من خلال تسلل وكالة المخابرات المركزيه اليها..( واصبح فيما بعد صوتا معارضا لمن كان يعمل لحسابهم )!
ولم يقل دولفر في تقريره النهائي بوضوح أنهم كانوا مخطئين. بدلاً من ذلك ، قال التقرير إن ( الرئيس العراقي ضلل الاخرين لأنه اعتقد أن أياً من أعدائه لن يجرؤ على مهاجمته إذا كانت لديه أسلحة دمار شامل.. وذلك ادى الى اعتقاد وكالات الاستخبارات في العالم بأنه لا يزال يملكها )..وكان هذا لغوا فارغا .. فقد، أعلن الرئيس ونوابه ووزرائه بشكل مباشر وعبر دائرة الرقابه الوطنيه خلاف ذلك مرارًا وتكرارًا..
وعلى الجانب البريطاني خلص التحقيق الذي قاده جون شلكوت على مدى سبع سنوات إلى أن ( المعلومات المقدمه بخصوص الاسلحه العراقيه لم تكن تكفي لتبرير الحرب التي تم التقليل من عواقبها ) ..وكان هذا تقريرا اقل مايقال عنه انه عديم اللون والطعم والرائحه !
كانت فرق التفتيش هذه مؤثر سالب على انسيابية عمل الاقسام العلميه خلال سنوات الحصار الجائر..لكن يضاف لها القصف المتقطع والتهديدات الجويه الامريكيه والبريطانيه المستمره مما كان يجبر المؤسسات العلميه على اخلاء معداتها المختبريه مؤقتا للحفاظ عليها لحين زوال التهديد.
المرونه والخطط الاكاديميه

على الرغم من تمكن التعليم العالي من التعايش مع حقبة الحصار العلمي الخانق بفضل قياداته الاداريه والعلميه و حملات التحشيد العلمي واستمرار حرص المجتمع على التعليم العالي الا انه لم يخضع لاصلاح بعض اليات العمل والصلاحيات العلميه للاقسام التي تعد الوحده الأساسيه في التعليم والبحث العلمي ، حيث كان قرارات الاقسام العلميه تخضع لمصادقة عميد الكليه وكذلك قرارات الكليات تخضع لمصادقة رئيس الجامعه وهو إجراء بيروقراطي راسخ قد يعيق القرارات الاستثنائيه مثل نقل طلاب الماجستير المتميزين إلى برنامج الدكتوراه مباشرة و التوسع بالقبول غير المشروط للمهنيين ذوي الخبره في برنامج الدراسات العليا..
كذلك عدم تخصيص ميزانيه ماليه للاقسام الا مايقرره العميد للصرف على كل حاله من ميزانية الكليه ..وكان ذلك أمرا حيويا للتعامل مع المواقف الانيه..
ولم تهتم بعض الاقسام بوضع خطط علميه ومتابعتها واكتفت باعتبار المشاريع البحثيه لطلبة الدراسات العليا كبديل للخطه العلميه وكان يمكن للتركيز على المشاريع الكبيره ان يحقق نتائج افضل من البحوث المنفرده المبعثره التي يقترحها الاساتذه المشرفين او الطلبه احيانا..
كذلك لم يحرص القسم او الكليه او الجامعه على التميز بتخصص وطني او جغرافي معين مثل بعض مراكز البحث العلمي اعلاه ليكون معروفا به ويتمتع بسمعة كونه نقطة ارتكازمحليه واقليميه لذلك الاختصاص ..
لكن يجب الاشاره الى ان مفهوم التخصص المرجعي هذا قد جسدته بنجاح معاهد الدراسات العليا التي اسست في جامعة بغداد خلال سنوات الحصار..وهي معهد الليزر للدراسات العليا الذي تأسس في تشرين الثاني عام 1993 كمركز بحوث تم تحويله في كانون الثاني من عام 1996 إلى معهد متخصص للدراسات العليا .. ومعهد الهندسه الوراثيه والتقانات الحيويه للدراسات العليا (حزيران عام 1999)..و‏المعهد العالي لتشخيص العقم و التقنيات المساعدة على الانجاب الذي تأسس كمركز علاجي بالعقم وعلاجه بموجب نظامه رقم ( 9 ) لســنة 1992 وطور الى معهد للدراسات العليا ضمن جامعة بغداد عام 2002 (ثم نقل الى جامعة النهرين عام 2005) والمعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية (1999 ).. اما التخطيط الحضري والإقليمي فقد كان تاسس بموجب التشريع رقم 116 لسنة 1971، كمركزللدراسات العليا في جامعة بغداد.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

594 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع