الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل
العيد والربيع
العيد والربيع عنوانان جميلان تتوق لهما الأنفس وتهفو لهما الأرواح؛ فالعيد قال الله تعالى فيه على لسان المسيح عليه السلام (اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة: 114)، والربيع قال فيه الشاعر البحتري:
أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً ... مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما
وَقَد نَبَّهَ النَوروزُ في غَلَسِ الدُجى ... أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُوَّما
يُفَتِّقُها بَردُ النَدى فَكَأَنَّهُ ... يَبُثُّ حَديثاً كانَ أَمسِ مُكَتَّما
وَمِن شَجَرٍ رَدَّ الرَبيعُ لِباسُهُ ... عَلَيهِ كَما نَشَّرتَ وَشياً مُنَمنَما
أَحَلَّ فَأَبدى لِلعُيونِ بَشاشَةً ... وَكانَ قَذىً لِلعَينِ إِذ كانَ مُحرَما
وَرَقَّ نَسيمُ الريحِ حَتّى حَسِبتَهُ ... يَجيءُ بِأَنفاسِ الأَحِبَّةِ نُعَّما
فَما يَحبِسُ الراحَ الَّتي أَنتَ خِلُّها ... وَما يَمنَعُ الأَوتارَ أَن تَتَرَنَّما
من رواد التعليم في الموصل الشاعر وأستاذ اللغة العربية ذو النون يونس الشّهاب (1920-1990) الذي تتلمذ في مصر على يدي عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ((1889-1973م.
يروي الأستاذ ذو النون يونس الشّهاب أنه رافق أستاذه طه حسين في مهرجان للزهور أقيم في فصل الربيع في القاهرة؛ وحين كانوا يتنقلون بين الزهور طلب طه حسين من ذو النون الشّهاب ان يرتجل أبيات من الشّعر في مدح الزهور، فترجّل ذو النون الشّهاب قصيدة رائعة مطلعها:
لا تدفنوني في الزهور فإنني ... اخاف عليها الشوك من جثماني
هي حرة نسج الربيع رداؤها ... أصفى وأنبل من بني الإنسانِ
وأثناء دراستي في متوسطة أم الربيعين في الموصل في نهاية الستينيات طلب منّا مدرس اللغة العربية الأستاذ (محمد سعد ربيعة، وهو مصري الجنسية من الزقازيق) أن نكتب إنشاء عن الربيع، فكتبتُ إنشاء طويل جدا، حيث بدأتُ بوصف الصيف وحرارته وأجوائه اللاهبة، ثم انتقلتُ لوصف الخريف وأجوائه وبوصفه فاتحة للشتاء وبرده وثلجه، ثم رست سفينتي في فصل الربيع وأجوائه اللطيفة وزهوره.
لقد كنتُ مقتنعا جدا بذلك الإنشاء، ولكن كانت خيبة أملي أن الأستاذ لم يقرأ الإنشاء وكتب عليه بالأحمر (خير الكلام ما قل ودل)!!
ذهبتُ إلى الأستاذ مستفسرا منه عن سبب عدم تصحيحه لإنشائي، فقال لي إنه إنشاء طويل جدا!! فقلتُ له: أستاذ أنا لا تهمني الدرجة، ولكن الذي يهمني رأيكَ بأسلوبي في الكتابة، فأخذ الأستاذ الإنشاء وطلب مني أن أراجعه يوم غد.
راجعته في اليوم التالي فأبدى إعجابه بذلك الإنشاء وأعطاني درجة 28 من 30 وقال لي: لو أن (عباس محمود العقاد) يكتب إنشاء لا يأخذ عليه أعلى من هذه الدرجة. ثم تبسم الأستاذ وقال لي: إنكَ ترجمت في هذا الإنشاء (أغنية الربيع) لفريد الأطرش!! دهشتُ من كلام الأستاذ لأني في ذلك الوقت كنتُ يافعا ولم أسمع بعد بأغنية الربيع، ثم سمعتها لاحقا وعلمتُ صواب كلام الأستاذ وأدمنتُ على سماعها منذ ذلك الحين.
أغنية الربيع وقصتها:
بدأت حكاية أغنية (الربيع) في العام 1947 عندما انتهى من كتابتها الشاعر مأمون الشناوي (1914-1994)، وأراد أن تكون أول لقاء فني يجمعه بأم كلثوم.
لقد طمح مأمون الشناوي إلى التعاون مع أم كلثوم ليكون أول شاعر شاب تشدو بأغنياته، واعتقد أن قصيدته (الربيع) ستنال إعجابها.
اتصل مأمون الشناوي بأم كلثوم، وحددت له موعد اللقاء، وحين جلس معها، أخرج من جيبه أوراق الأغنية، ووضعها فوق المنضدة، وبدأ يُسمعها الكلمات التي حفظها عن ظهر قلب، فانطلقت منها عبارات الاستحسان.
أُعجبت أم كلثوم بالكلمات ولكنها وكعادتها طلبت إجراء بعض التعديلات عليها وتركت الأمر له وأن يقابلها في موعد آخر، مما أزعج الشناوي وجعله يخرج من بيتها وهو مهموم.
لقد كان ذلك اللقاء خيبة أمل لمأمون الشناوي، ولم يفهم هل أن كلمات قصيدة (الربيع) أعجبت أم كلثوم فعلاً أم أن إعجابها كان مجرد مجاملة له. وفي غمار حيرته، التقى مأمون الشناوي مصادفة بصديقه المطرب فريد الأطرش، وتهلل الأخير لرؤيته، فوجده شارد الذهن، ويكسو الحزن ملامحه، فسأله: مالك يا مأمون طمني عليك؟!، ودعاه إلى شرب فنجان قهوة في أحد المقاهي.
حكى الشناوي قصة لقائه الأول بأم كلثوم وخيبة أمله، فطلب منه فريد أن يُسمعه كلمات الأغنية، وحين انتهى من سماعها صاح فريد قائلاً: "هذه الأغنية لن يغنيها أو يلحنها أحد غيري"!.
لقد ظهرت أغنية الربيع في قالب استعراضي عندما لحنها وغناها فريد الأطرش في فيلم "عفريتة هانم" عام 1949 للمخرج هنري بركات، ورقصت على أنغامها الفنانة الاستعراضية سامية جمال.
تُعد أغنية الربيع من أشهر أغاني فريد الأطرش، وقد أعقبها بتوأمها "أول همسه" التي صاغ كلماتها مأمون الشناوي أيضا وغناها فريد الأطرش لأول مرة في سنة 1950.
لقد تأجل لقاء مأمون الشناوي بأم كلثوم 14 سنة إلى سنة 1961 حيث كان أول لقاء بينهما في أغنية (أنساك) ثم جاءت بعدها (كل ليلة وكل يوم) ثم (بعيد عنك) ثم (ودارت الأيام).
وفي سنة 1970 عاد البريق إلى أغنية الربيع عندما غناها فريد الأطرش في حفل بالقاهرة، وقد تجاوب معها الجمهور بشكل غير مسبوق، وكأنه يسمعها لأول مرة، وظل يطلب سماعها في حفلات الربيع، ويستهلها فريد بعزف منفرد على العود، حيث كان من أفضل عازفي هذه الآلة في العالم ويسمى (ملك العود).
المفارقة أن أغنية الربيع التي رفضتها أم كلثوم، حققت نجاحاً كبيراً، وأصبحت من أشهر أغاني فريد الأطرش، وظل فريد يشدو بها في حفلاته حتى رحيله في عام 1974. والمفارقة الأخرى أن رحيل أم كلثوم كان سنة 1975، حتى قيل في وقتها أن فريد سحب أم كلثوم!!
ومازالت الإذاعات والمحطات الفضائية تبث أغنية الربيع خلال موسم الربيع، لتصبح أيقونة غنائية خالدة.
لقد يبقى فريد الأطرش أحد أبرز رموز الموسيقى والغناء في العالم العربي، وبعد رحيله بعامين ظهر المطرب عبدالحليم حافظ في برنامج "أوتوغراف" وسأله الإعلامي (طارق حبيب) عن الأغنية التي تمنى غناءها للموسيقار الراحل فريد الأطرش، فأجابه العندليب دون تردد: "أغنية الربيع.. كلمات مأمون الشناوي"، وفي البرنامج ذاته قال العندليب: "أنا نادم على عدم غنائي للأستاذ فريد".
ثم كان رحيل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ بعد فريد الأطرش بثلاث سنوات ليسدل الستار على أساطير الغناء العربي الثلاثة أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ.
طه حسين وأغنية (الربيع):
من أروع ما قال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في وصفه أغنية (الربيع): (إنّي أعشق الربيع من خلال الإحساس به ولكن فريد الأطرش في أغنية الربيع جعلني أُبْصر الربيع وأنا الأعمى)!!
ورغم مرور 76 عاما على ولادة أغنية الربيع، فلا تزال هذه التحفة الفنية تدخل الوجدان كنسمات الربيع المنعشة حتى أضحت علامة مميزة للربيع، وقد انفرد أبو وحيد بغنائها لوحده وبقى جمهوره يرددها مع نفسه في خلوته.
https://www.youtube.com/watch?v=XcHFbxp5GrI
وكل عام وأنتم بخير.
925 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع