نزار السامرائي
غزة جرح عربي راعف، متى يتوقف؟
تواجه غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حرب إبادة لم يعرفها تاريخ الحروب السابقة، هذا إذا ما استثنينا ما حصل في الحرب العالمية الثانية، عندما ألقت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، بهدف تركيع الشعب الياباني، وليس من مستلزمات تحقيق النصر عليها، وذلك في رد انتقامي أمريكي مؤجل، على الهجوم الياباني الصاعق على قاعدة بيرل هاربر الامريكية، في رسالة واضحة أن أمريكا لن تنسى من يجرح كرامتها الوطنية، لا سيما إذا كان ذلك على رؤوس الأشهاد.
أو ما شهدته مدينة دريسدن الألمانية في مسلسل الهجمات التدميرية التي شنها الحلفاء على ألمانيا في الوقت الضائع، عندما كان الرايخ الثالث يترنح تحت وابل من القصف الجوي الأمريكي والبريطاني، أو زحف الدروع السوفيتية المتقدمة من الشرق باتجاه برلين، كي تفرض معادلات ما بعد الحرب، لتضع الأساس للنظام الدولي الناشئ بُعيد الحرب الثانية والذي رسم معالمه مؤتمر يالطا بين المنتصرين.
كل ما كان يجري في الأسابيع والأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، يتم استنساخه الآن في غزة من قبل إسرائيل مع إضافة لمسات من النزعة العدوانية المفرطة، ليس كعمل حربي مكافئ لحادثة السابع من أكتوبر، بقدر ما هو انتقام منهجي فاق كل التصورات المنطقية التي تفرضها قوانين الحرب على مر التاريخ، حتى بات من المسلّم به أن نظريات الفيزياء التي تقول بأن لكل فعل، رد فعل مساوٍ له بالقوة ومضاد له بالاتجاه قد انهارت، لتنشأ على انقاضها نظرية الفعل العسكري المضاد، التي تستند على مبدأ أن لكل فعل رد فعل مضاد له في الاتجاه، ومساوٍ لقوته عشرة أضعاف على الأقل.
إن الجرح العربي كلما اندمل، وسكنت أوجاعه، تفجرت في الجسم العربي جروح أكبر وأكثر إيلاما، من دون أن ينتفع القيّمون على شؤون الأمة من دروس الآخرين، بل لم يوظفوا أخطاءهم الخاصة كي لا يتكرر عندهم مثلها في المستقبل، لاسيما عندما يتم اقحام الكرامة الشخصية للقائد السياسي أو العسكري بالكرامة الوطنية، فتصبح المعادلة في درجة عالية من القلق، في لحظة المفاضلة بين الكرامة الشخصية والكرامة الوطنية، إن من أخطر الأمراض التي تصاب بها الحركات السياسية الثورية وغير الثورية في دول العالم الثالث، هي أمراض وهم القوة، بحيث تُسارع لتجربة حظها في اختبارات القوة مع أي طرف تظن أنه قد يتقيّد بقوانين الحرب إذا ما وقعت المنازلة، حتى عندما تخرقها تلك الحركات اعتمادا على وهم آخر، أن الدول يمكن أن تنسى جروح الكرامة التي تلحق بها، صحيح أن تلك الذاكرة هي ذاكرة انتقائية لأنها ذاكرة ثأرية، ولكن هل فكر العرب أنهم مستهدفون، ليس لحاضرهم الملتبس الخيارات، بل لماضيهم المُستهدف الذي من حقهم أن يفخروا به لأنهم لم يتمكنوا من تقديم البديل الأفضل، نعم إنهم مستهدفون على مر الدهور والعصور، ابتداء من معركة بلاط الشهداء "بواتيه" التي أوضحت لأوربا المسيحية، أن العرب قد رسموا لأنفسهم حدودا تتجاوز الأندلس "اسبانيا والبرتغال" إلى فرنسا ثم أوربا، ومما عزز تلك المخاوف أن الدولة العثمانية المسلمة السنية، واصلت ذلك النهج حتى وصلت إلى العاصمة النمساوية وحاصرتها وكادت أن تدخلها بيسر أكثر بكثير من دخول القوات الألمانية، فرنسا بعد أن اخترقت الدروع الألمانية خط ماجينو.
لقد شكل زخف القوات العثمانية مفاجأة مذهلة لأوربا في ذلك الوقت لسرعته وتداعي الحصون الأوربية أمامه، ولولا الدخول المفاجئ للدولة الصفوية إلى جانب أوربا المسيحية، لكانت العاصمة النمساوية لقمة سهلة الابتلاع دفعة واحدة، فقد حشدت الدولة الصفوية جيوشها وبدأت بمهارشة القوات العثمانية عند خط الحدود الجنوبية للدولة العثمانية، مما اضطرها لسحب قواتها من أوربا لمواجهة الخطر الصفوي، الذي لم ينته إلا بمعركة جالديران بين الجانبين عام 1514م وانتصر فيها العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول على الصفويين بقيادة إسماعيل الصفوي، وبذلك أكدت الدولة الصفوية الفارسية أنها دولة وظيفية حصرت اهتمامها في التصدي لكل ما من شأنه نصرة الإسلام، ولم تسهم بأية إضافة تاريخية لصالح هذا الدين، بل كانت ومنذ تأسست في مطلع القرن السادس عشر، معول تهديم لإنجازات التاريخ العربي سواء تلك التي تحققت في عهد الدولة الأموية، أو حتى الدولة العباسية التي حاول الفرس تجنيدها لتدمير ما أنجزته الدولة الأموية خلال تسعة عقود من عمرها، أو إنجازات الدولة العثمانية التي أدخلت الإسلام إلى أوربا وكادت أن تجعل منه دين أوربا لو كانت نجحت في دخول فيينا، عام 1529م.
لقد ظل الهاجس الأوربي تجاه العرب والمسلمين، حاضرا بقوة جماعية أكبر عندما شن الأوربيون سلسلة طويلة من الحروب الصليبية بفتوى دينية مقدسة من بابا الفاتيكان، وزحفت جيوش أوربا تحت الصليب بهدف الوصول إلى فلسطين، أرض المقدسات والزيت والعسل، ولم تعرف تلك الحروب نهاية رسمية لها إلا بمعركة حطين، التي انتصر فيها القائد العظيم، صلاح الدين الأيوبي، وأخذ ملوك أوربا أسرى إلى عاصمته، وفي النهاية عكس أخلاق الفرسان في تعامله مع أسراه.
هنا لا بد من إعادة السؤال مرة أخرى، هل استطاع أحد من قادة الجيوش والدول أن يلقي باللائمة على نفسه ويضحي بكرامته الشخصية من أجل كرامة وطنه؟ للإجابة عن هذا السؤال الحرج، أعود قليلا إلى أيام سقوط باريس على يد الألمان في حزيران 1940، عندما تسلم الجنرال الفرنسي فيليب بيتان السلطة في باريس، فما فتأ أن تفاوض على قبول الوجود النازي في مدينته الجميلة، وتحمل المسؤولية التاريخية لتلك الخطوة القبيحة والمدانة تاريخيا، وقال إنه فعل ذلك من أجل الحفاظ على باريس الجميلة من الدمار.
ولكن الفرنسيين لم يغفروا له خيانته، وظلت خطوته تلك تلاحق تاريخه وتاريخ أسرته، حتى بعد أن جاء الجنرال ديغول، الذي قاد جيش فرنسا الحرة وخاض معركة تحرير بلاده مع الحلفاء الغربيين، فحقق النصر لبلاده، ثم انزوى بعيدا عن أوجاع الصداع التي يتسبب بها الحكم له، ولكن سلطة الأحزاب التي جاءت بها الانتخابات أثبتت أن تجربة الغزو الألماني، لم تكن كافية لتعليمها كيف تعمل لمصلحة فرنسا، فدفعتها أحلامها الامبراطورية للمشاركة في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والذي خاب وارتدّ المعتدون على ادبارهم خاسرين، ولكن "غي موليه" رئيس وزراء فرنسا أيام العدوان الثلاثي، تمسك بالخيار الخاطئ، فظن أن الرد على مصر لن يتم إلا بالتضييق على الشعب الجزائري، فدخلت فرنسا في دوامة متصلة من الأزمات الكبرى ومن المشاكل التي كانت تتفاقم مع الأشهر والسنوات، فلم يجد الشعب الفرنسي بدا من العودة إلى منقذ فرنسا، الجنرال ديغول الذي عاد هذه المرة حاملا أكاليل النصر ولكن هذه المرة على الانقسام الداخلي، الذي كان أكبر من أي خطر خارجي، وطفق بإعادة النظر بمجمل السياسات الخاطئة التي اعتمدتها الأحزاب المتصارعة، فأعلن تأسيس الجمهورية الخامسة بعد أن وافق الشعب الفرنسي على دستورها، وهذه الجمهورية هي التي ما زالت قائمة حتى اليوم، فكان من بين الأفكار التي طرحت بعد ذلك وأخذت قوة الفعل المركزي، الاعتراف بحق الشعب الجزائري بالاستقلال، بعد أن وصلت الخسائر الفرنسية حدا بات يشكل خطرا على السلم الأهلي الفرنسي، فضلا عن خسارتها لسمعتها كبوابة للحرية والعدل والمساواة، وهذا ما كان.
وفي تلك الأثناء كانت تدور في أروقة السياسة والمنتديات الفكرية، دعوة لإعادة قراءة التاريخ الفرنسي القريب قراءة صريحة، بهدف إصدار حكم موضوعي على أحداث احتلال الألمان لباريس، وكان محورها هو تبرئة الجنرال بيتان من تهمة الخيانة العظمى وإعادة الاعتبار له، لأنه لو تصرف بشكل آخر لما نجح في مسعاه في حماية ما تبقى من إرث فرنسا، ولكان أصدر حكم الموت على نصف سكان العاصمة، ولشطب على كل خزين الجمال الذي تحمله باريس، وكل الموجودات التاريخية والثقافية في متاحفها الراقية ومآثرها العمرانية وكنائسها وجامعاتها ومرافقها الصحية التي بنيت على مراحل طويلة من عمرها.
وبقدر تعلق الأمر بالقضية المطروحة الآن، من حق كل عربي وفلسطيني بشكل خاص أن يتساءل، هل انتفعت حركة حماس الفلسطينية بتجارب الآخرين، أو بتجارب الفلسطينيين في تعامل العدو الإسرائيلي معهم، سواء كمؤسسة رسمية من جيش وشرطة، أو من قبل المستوطنين المعتدلين منهم والمتطرفين، هذا إن كان هناك مستوطن معتدل.
لقد نذرت حركة حماس نفسها لخدمة المشروع الإيراني التوسعي الطائفي، الذي كان يردد بصوت عالٍ "اليوم بغداد وبيروت وصنعاء وغزة" وغدا مكة والمدينة، فلم تتحرك في حماس ولا في الجهاد الإسلامي الحمية الدينية على مهبط الوحي الأول ولا على أول عاصمة لدولة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل ظنتا أن طهران هي القوة الضاربة القادرة حقا على مواجهة أمريكا وإسرائيل وحلف الأطلسي والحامية لحقوق الشعب الفلسطيني، ولهذا اسبغوا من الوصاف ما لم يحلم به قاسم سليماني وذلك عندما أطلقوا علية وصف "شهيد الأقصى"، لقد حلقّت حماس عاليا عندما راهنت على الدعم الإيراني الذي لن يأتي أبدا، اعتمادا على أنابيب من الصفيح أدخلت في روع البعض أنها صواريخ فرط صوتية، وإذا بها مجرد مفرقعات يعبث بها الصبيان في المناسبات الدينية أو الوطنية، فتورطت حماس في خوض معركة خاسرة، أعدت ليومها الأول ولم تخطط للأيام أو الأسابيع والأشهر التاليات ، فكانت ساذجة في تخطيطها لليوم الأول وكانت أكثر فشلا في تخطيطها للأيام اللاحقة، لأنها اعتمدت على إيران وحزب شيطانها، فلم يغنيا عنها شيئا، فلا هي كانت مثل الجنرال بيتان ضحت بسمعتها من أجل شعب غزة التي كانت تتدفق عليه الأموال القطرية بالحقائب التي يحملها الدبلوماسيون القطريون تحت حماية الشاباك حتى تصل باطمئنان إلى قيادات الداخل، ولا هي انتفعت من تجربة الشعب الفيتنامي، ولا درست نتائج حروب العرب مع إسرائيل في عام 1948 وعام 1956، 1973، وكان عليها قبل كل شيء أن تقرأ المشهد العربي، فقد باتت الساحة العربية خالية من الثقل العراقي عسكريا وسياسيا واقتصاديا، فاستبيحت المحارم العربية بعد عام 2003، لقد كانت قيادات حماس على استعداد أن تضحي بكل القضية الفلسطينية كي تعزز من نزعتها الانفصالية التي بدأتها عام 2007، ولأن قيادتها قاصرة عن تقدير الموقف السياسي والعسكري بشكل سليم، فقد اتخذت قرارا نهائيا بتسليم غزة والضفة الغربية للنزعة العدوانية الإسرائيلية الهمجية لتدمر كل شيء ولتقتل ما يقرب من 100 ألف فلسطيني إذا ما أخذنا من هم تحت الانقاض، إضافة إلى ما يزيد عن هذا الرقم من الجرحى والمعاقين، ومع ذلك تصل الوقاحة عند بعضهم وهم جنود هاربون من ساحة الحرب، أن يحتكروا الحديث قبولا أو رفضا للعروض العربية والدولية، فهل يساوي التمسك بما لدى حماس من جثث أو أسرى إسرائيليين الثمن الذي تدفعه غزة في كل يوم؟ إن قيادة حماس إن كانت ما زالت في غزة وهذا مشكوك فيه، إنها تقود غزة نحو تصحر إنساني وعمراني وبيئي غير مسبوق، فهذا هو ما تريده إسرائيل أرضا بلا سكان لتكون عازلا صحراويا مع مصر التي تبقى مصر بصرف النظر عمن يحكمها، الهاجس المباشر على حدودها الجنوبية، ويبدو أن حماس تساعد إسرائيل في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، من دون أن يطفو على السطح واحد من قادة حماس المجهولين ويتحلى بالشجاعة الكافية ويقول "اعصبوها برأسي"، وليوازن بين كرامته المسلوبة أصلا طالما هو تحت الاحتلال، وبين كرامة ملايين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وحياتهم المهددة على مدار الساعة، هل فكر السنوار بشيء من هذه الحسابات عندما خطط لعملية أكتوبر، أم أراد أن يصنع لنفسه نصرا ظن أنه سيمر من دون رد فعل، ولم يأخذ فارق قوة النار لدى طرفي المعادلة، ومن المؤسف أن ما تبقى من قادة حماس ما زالوا على استعداد للتمسك بحكم غزة على الرغم من أن غزة التي نعرفها لم تعد موجودة على الأرض، ولذلك يصرون على التحكم بالقرار السياسي، كل هدف من تبقى من قادة حماس، الخروج الآمن، والحصول على ملجأ يستقرون به مع ضمان بعد استهدافهم، بعد نهاية الحرب، هذا إن انتهت.
1102 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع