
قاسم محمد داود
الاتفاق الأمريكي-الإيراني أنهى الحرب.. فلماذا لم يحسم الصراع؟
في اللحظة التي أُعلن فيها الاتفاق الأمريكي-الإيراني الذي أوقف المواجهة العسكرية في الخليج العربي، تنفس الملايين الصعداء. توقفت المدافع. لكن سرعان ما برز سؤال أعمق وأكثر إزعاجاً: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أُجّل الصراع فقط؟
منذ الإعلان عن الاتفاق، انشغل الرأي العام بسؤالين متلازمين: هل انتهت الحرب؟ وهل انتهى الصراع؟ قد يبدو السؤالان متشابهين، لكن الفارق بينهما جوهري. فالحرب حدث عسكري يمكن أن يتوقف بقرار سياسي أو تفاهم بين الأطراف، أما الصراع فهو حالة أعمق تتعلق بتوازنات القوة والمصالح المتعارضة والرؤى المتنافسة لمستقبل المنطقة. ومن هنا جاءت ملاحظة معظم المحللين الغربيين والعرب بأن الاتفاق الأمريكي-الإيراني أنهى الحرب، لكنه لم يحسم الملف النووي الإيراني ولا التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
أولاً: عالج النتائج وترك الأسباب، السبب الأول يعود إلى أن الاتفاق عالج نتائج الأزمة أكثر مما عالج أسبابها. فالمواجهة اندلعت بسبب مجموعة من الملفات المتراكمة، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية الباليستية، وشبكة التحالفات الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود. وإذا كانت المدافع قد صمتت، فإن هذه الملفات ما تزال قائمة ولم تُحسم بصورة نهائية. فإيران لم تُجرد بالكامل من عناصر قوتها الاستراتيجية، كما أن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يحصلوا على تسوية نهائية تغلق ملف التخصيب النووي أو تحدد بصورة قاطعة حدود القدرات الإيرانية المستقبلية. لذلك يبدو الاتفاق أقرب إلى وقف نزاع مسلح منه إلى إنهاء جذور الخلاف.
ثانياً: التوازن الإقليمي أكبر من معركة وأحدهما السبب الثاني فيتعلق بطبيعة التوازنات الإقليمية نفسها. فالشرق الأوسط لا تحكمه علاقة ثنائية بين واشنطن وطهران فقط، بل شبكة معقدة من القوى تشمل إسرائيل وتركيا والدول العربية الكبرى والقوى الدولية. نتيجة مواجهة واحدة، مهما كانت قاسية، لا تكفي لإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية. لقد أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ الإقليمي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي ضُربت، بل بقدرة الدول على الحفاظ على حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري بعد انتهاء الأزمات. وبقاء إيران لاعباً إقليمياً فاعلاً يعني أن ميزان القوى لم يُحسم بصورة نهائية، حتى لو تغيرت بعض معادلاته.
ثالثاً: الاتفاق يؤجل الأسئلة الكبرى، السبب الثالث أن الاتفاق نفسه يؤجل القضايا الكبرى إلى مراحل تفاوضية لاحقة. ما زالت هناك أسئلة معلقة تنتظر الإجابة: ما حدود البرنامج النووي الإيراني؟ ما مصير العقوبات الاقتصادية؟ ما مستقبل النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن؟ وما الضمانات التي تحول دون اندلاع مواجهة جديدة بعد سنوات قليلة؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلات ثانوية، بل هي جوهر الصراع الحقيقي. وتأجيلها يعني عملياً تأجيل الحسم. درس التاريخ: وقف إطلاق النار ليس سلاما التاريخ يشهد على ذلك. فهدنة كوريا عام 1953 أوقفت الحرب الدامية لكنها لم تنهِ الصراع حتى اليوم. واتفاق النووي الإيراني عام 2015 أرجأ الأزمة، ثم عادت أشد حدة. في كثير من الحالات تتوقف المعارك، بينما تستمر المنافسة الاستراتيجية بأدوات أخرى: من الصواريخ إلى العقوبات، ومن المواجهة العسكرية إلى التنافس على النفوذ. لذلك يمكن القول إن الاتفاق الأمريكي–الإيراني يمثل نهاية مرحلة عسكرية خطيرة، لكنه لا يمثل بالضرورة نهاية الصراع بين الطرفين. الحرب توقفت، أما الأسئلة التي أشعلتها فما زالت مفتوحة. وبين وقف إطلاق النار وتحقيق السلام الدائم مسافة طويلة لا تختصرها التفاهمات المؤقتة.
الخلاصة
الواقع المرّ أن الاتفاق نجح في إسكات المدافع، لكنه لم يغير قواعد اللعبة. فالحرب توقفت، والصراع مستمر بأدوات مختلفة. والأشهر القادمة ستكشف ما إذا كان هذا الاتفاق مجرد استراحة بين جولتين، أم بداية لإعادة تشكيل حقيقي لتوازنات المنطقة. حتى ذلك الحين، يبقى الشرق الأوسط في حالة «هدنة هشة».. ينام على برميل بارود لم يُفرغ بعد.

552 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع