لطم شمهودة ... حكاية الذين خدموا مشروعا لا يعترف إلا بالأدوات

نزار جاف

لطم شمهودة ... حكاية الذين خدموا مشروعا لا يعترف إلا بالأدوات

عندما نستذكر حقبة الاستعمار في بدايات الألفية السابقة، وما ارتكبته القوى الاستعمارية في بلدان العالم الثالث عموما، والعالمين العربي والإسلامي خصوصا، ثم نقارن ذلك بالحالة الإيرانية التي تبدو مشابهة لها من حيث فرض النفوذ والهيمنة على بلدان المنطقة، لكنها تختلف عنها في مضمونها وأدواتها، نجد أن التجربة الإيرانية قد تجاوزت، في جوانب عديدة، الأساليب الاستعمارية التقليدية، إذ لم تعتمد على الجيوش والاحتلال المباشر، بل على ميليشيات وأحزاب مرتبطة بها عقائديا وسياسيا تعمل داخل أوطانها.
إن الأدوات أو المتعاونين مع القوى الاستعمارية، رغم كل الانتقادات والاتهامات التي وجهت إليهم، والتي تناولتها الكتب والدراسات والبحوث، كانوا غالبا يحرصون على عدم تجاوز الخطوط الحمراء، ويحاولون إظهار نوع من الولاء لأوطانهم وشعوبهم، حتى وإن كانت مواقفهم موضع جدل تاريخي كبير.
ولعل من المفيد هنا استحضار شخصية سياسية عراقية تعرضت لأقسى أنواع التشويه والاتهامات، ولاسيما خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، بسبب ما كان يقال عن ارتباطها ببريطانيا، ونقصد بذلك رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري السعيد. لكن عند مراجعة ما كتب ويكتب عنه بعد عام 2003، وبعد تجربة الاحتلال الأميركي للعراق وما أعقبها من تطورات، نجد أنفسنا أمام صورة أكثر تعقيدا واختلافا لهذه الشخصية.
فنوري السعيد، رغم علاقته الوثيقة ببريطانيا والتي كانت لها أسبابها وظروفها التاريخية، أثبت خلال العهد الملكي أنه كان رجل دولة يمتلك رؤية سياسية وقدرة على المناورة، وتمكن، بقدر كبير من الدهاء السياسي، من إقامة نوع من التوازن في العلاقة مع بريطانيا بما يخدم مصالح العراق في نظر مؤيديه، وهو ما أشار إليه عدد من الباحثين والمؤرخين الذين تناولوا تجربته. بمعنى آخر، فقد استطاع، بدرجات متفاوتة، أن يجعل من العلاقة الخارجية أداة لخدمة مشروع الدولة العراقية، وليس مجرد تبعية مطلقة لقوة أجنبية.
أما في حالة الأحزاب والميليشيات التابعة لإيران، فإن الصورة تبدو مختلفة جذريا؛ إذ إن مستوى الولاء العقائدي الذي تبديه هذه القوى لنظام ولاية الفقيه يتجاوز، في كثير من الحالات، حدود الولاءات السياسية المعروفة. فهي لا تنظر إلى علاقتها بطهران بوصفها تحالفا سياسيا فحسب، بل باعتبارها التزاما عقائديا، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح بلدانها وشعوبها. ويكفي هنا التذكير بأن بعض قادة هذه الميليشيات أعلنوا صراحة أنهم، في حال اندلاع حرب بين إيران والعراق، سيقاتلون إلى جانب إيران ضد بلدهم.
واللافت للنظر أن النظام الإيراني، رغم حجم الخدمات التي قدمتها وتقدمها له هذه القوى، لا يتعامل معها بالامتنان الذي تتوقعه عادة الجهات التابعة أو الحليفة، بل إن أسلوب تعامله معها يقترب كثيرا من المثل العراقي الشعبي المعروف: "يلطم لطم شمهودة".
وشمهودة، بحسب قصة المثل الشعبي، هي امرأة ريفية كانت تحضر مجالس العزاء، وتشارك في اللطم والبكاء بحرقة وكأن المتوفى أحد أفراد عائلتها، كما كانت تبادر إلى خدمة أصحاب العزاء ومساعدة الحاضرين بكل إخلاص. لكنها ما إن ينتهي مجلس العزاء ويحين وقت تقديم الطعام للضيوف والوجهاء، حتى تنسى شمهودة تماما، ولا يلتفت إليها أحد، فتترك لتأكل مع الأطفال ما تبقى من الطعام.
وهكذا يبدو حال كثير من القوى التي جعلت نفسها أدوات لمشروع خارجي؛ فهي تقدم كل شيء في لحظات الحاجة، لكنها تكتشف لاحقا أن مكانتها الحقيقية ليست مكانة الشريك، بل مكانة الأداة التي يستغنى عنها متى انتهت مهمتها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

518 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع