
أ.د. عبدالسلام سبع الطائي
** 8 آب 1988... حين غيّر جيش العراق ميزان الشرق الأوسط**
هناك تواريخ لا تمرّ كغيرها؛ لأنها لا تسجّل نهاية معركة فحسب، بل تكشف موازين القوى الحقيقية في لحظات الصراع الكبرى. ومن بين تلك التواريخ يبقى الثامن من آب عام 1988 علامة بارزة في الذاكرة السياسية والعسكرية للمنطقة؛ ففي ذلك اليوم أُعلنت ترتيبات وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، بعد قبول طهران القرار الدولي، في لحظة وصفها مؤسس الجمهورية الإسلامية، الخميني، بأنها أشبه بـ «تجرّع كأس السم».
إيران بين الشعار والنار: يثير استذكار تلك الحرب وما أعقبها مجموعة من الأسئلة السياسية والإنسانية: هناك أربعة أسئلة تهز رواية «نصرة الشيعة» و«تحرير فلسطين» وتكشف مفارقة المشروع الإيراني وهي:
.1 من قتل شيعة الاحواز ومن سبق اغتصاب دولتهم 1925 ايران ام إسرائيل لفلسطين 1948؟
.2 من قتل مئات الوف جنود العرق الشيعة بالقادسية 80-1988 وعشرات الوف شباب تشرين الشيعة المدنيين المسالمين، ايران ام إسرائيل؟
.3 مَن قتل وهجّر قرابة ثلاثين مليون فلسطيني وعراقي وسوري ولبناني أكثر: إيران وحلفاؤها أم إسرائيل؟
.4 ومن قصف دول الخليج والأردن ومصر وكردستان العراق اكثر، ايران ام إسرائيل؟
ويا ترى هل كانت إيران تعمل حقًا لنصرة القدس وفلسطين، أم إن النتائج الفعلية لسلوكها القومي الفارسي قادت إلى استهداف العرب وتمزيق دولهم؟
أولًا: حين انهار السند، العراق،... تهاوى السد العربي
لم تكن الحرب العراقية–الإيرانية، في القراءة الاستراتيجية لكثير من العرب، مجرد نزاع حدودي بين دولتين متجاورتين، بل كانت مواجهة بين رؤيتين لمستقبل الامة والمنطقة: رؤية الدولة الوطنية القومية ذات الجيش النظامي والعقيدة العسكرية العربية الإسلامية النقية، ورؤية مشروع إقليمي فارسي مجوسي، بعقيدة قومية فارسية، الذي رفع شعار الثورة وتصديرها، وسعى إلى بناء نفوذ يتجاوز الحدود السياسية للدولة.
لقد وقف الجيش العراقي آنذاك في قلب هذه المعادلة، وأصبح خلال سنوات الحرب واحدًا من أكبر الجيوش وأكثرها خبرة قتالية في المنطقة، وخاض معارك واسعة ومعقدة أثبت فيها قدرته على الصمود والمناورة واستعادة التوازن العسكري بالشرق الأوسط.
أن الجيش العراقي لم يكن يحمي حدود العراق فقط، بل كان يمثّل السد العربي الشرقي الذي حال دون انتقال مشروع الولاية النووي، والعقيدة الفارسية، والتوسع الإيراني إلى الخليج العربي والمشرق. فطالما بقي العراق قوة عسكرية وازنة، بقيت هناك معادلة ردع تمنع أي مشروع إقليمي من فرض هيمنته المنفردة على المنطقة.
لقد كان الثامن من آب 1988، وفق هذا المنظور، لحظة أكدت أن القوة العسكرية العربية الخليجية قادرة على إيقاف مشاريع التوسع عندما تمتلك الإرادة والقدرة. فقد تراجعت طموحات إيران الإقليمية في تلك المرحلة.
لكن التاريخ لم يتوقف عند تلك اللحظة. فبعد غزو العراق عام 2003، شهد الشرق الأوسط تحولًا استراتيجيًا عميقًا مع انهيار الدولة الوطنية والقومية العراقية وتفكيك جيشها واجتثاث حزبها، الأمر الذي أحدث فراغًا كبيرًا في قلب النظام الإقليمي العربي.
وقد فتح هذا الفراغ الباب أمام توسع النفوذ الفارسي الإيراني في عدد من الساحات العربية، من خلال أدوات سياسية وعسكرية وشبكات من الأحزاب والميليشيات المسلحة المحلية الخارجة عن القانون. وأثارت تصريحات إيرانية عن امتداد النفوذ إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء جدلًا واسعًا، وعدّها منتقدو السياسة الإيرانية دليلًا على انتقال المنطقة من مرحلة توازن القوى إلى مرحلة اختراق الدول والصراع على سيادتها وقرارها الوطني.
ثانيًا: «نصرة الشيعة» أم توظيف المذهب لقتل أبناء المذهب؟
هنا تسقط إحدى أهم الحجج التي استخدمها نظام الولاية النووي الفارسي التوسعي الإيراني لتبرير تدخله في المنطقة، وهي ادعاء «نصرة الشيعة» وحماية أتباع المذهب. فالوقائع تكشف أن هذا الشعار استُخدم غطاءً سياسيًا لتوسيع النفوذ، لا مشروعًا حقيقيًا لحماية الإنسان الشيعي أو الدفاع عن حقوقه.
ففي الحرب العراقية–الإيرانية كان اكثر من نصف جنود جيش العراق وضحاياه من أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية ذات الأغلبية الشيعية. وهؤلاء قاتلوا دفاعًا عن العراق وسيادته، لا دفاعًا عن انتماء مذهبي..
وتكرر التناقض نفسه بعد عام 2003، حين تعرّض عشرات الآلاف من شباب انتفاضة تشرين، ومعظمهم من الشيعة، في بغداد والناصرية والبصرة وغيرها، للقتل والجرح والاختطاف والملاحقة على أيدي قوات وميليشيات مسلحة لها ارتباط وثيق بطهران. وكان معظم هؤلاء الشباب من أبناء البيئة الشيعية نفسها التي ادّعى النظام الإيراني أنه جاء لحمايتها ونصرتها.
فكيف يمكن لنظام أن يدّعي نصرة الشيعة، بينما تسهم الجماعات المرتبطة بمشروعه في قتل الشباب الشيعي عندما يطالب بوطن مستقل وإنهاء الفساد والتبعية والتدخل الإيراني؟ كما بقيت أحداث الزركة الشيعية وغيرها من الوقائع الدامية شاهدًا على حروب ايران كانت على السلطة والنفوذ لا لنصرة الشيعة،.
وهكذا تكشف التجربة أن المذهب لم يكن غاية المشروع القومي الفارسي، بل إحدى أدواته؛ وأن «نصرة الشيعة» توقفت عندما طالب الشيعة أنفسهم بالسيادة الوطنية ورفض التبعية والتدخل الخارجي.
ثالثًا: من القدس إلى الأحواز: حين تفضح الجغرافيا الشعارات
أما الحجة الثانية، فهي ادعاء النظام الإيراني أن مشروعه القومي الإقليمي قائم على مواجهة إسرائيل وتحرير القدس. غير أن مراجعة نتائج سياساته تكشف مفارقة صارخة؛ فقد بقيت إسرائيل العدو الأكبر في الخطاب والشعارات، بينما وقع القسم الأكبر من الحروب والدماء والدمار المرتبط بالمشروع القومي الإيراني داخل الدول العربية، وعلى أرضها وبين شعوبها.
فبدلًا من توجيه القوة نحو تحرير القدس، استُخدمت موارد هائلة في بناء ميليشيات مسلحة موازية للدول، وإضعاف وحل الجيوش الوطنية، وتعميق الانقسامات السياسية والمذهبية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد قتلت شعوب هذه الدول، وبينها فلسطينيو العراق.
وفي الأحواز، لم تقتصر السياسة الإيرانية على قمع الهوية العربية الأحوازية، رغم غالبتهم من الشيعة، ومصادرة الحقوق الثقافية والسياسية والاقتصادية، بل امتدت إلى إسقاط واحتلال دولة الأحواز 1925 قبل احتلال إسرائيل لفلسطين بربع قرن تقريبا، تلاها احتلال الجزرالإماراتية ثم العراق واليمن ....
تجدر الإشارة، تبلغ مساحة الأحواز، وفق حدودها الحالية، نحو أربعة وستين ألف كيلومتر مربع؛ أي ما يقارب ضعفين ونصف مساحة فلسطين ، وأكثر من عشرة أضعاف مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة معًا. يعني ذلك ان ايران تحتل أراض عربية وهجرت عربا ومسلمين يفوق ما احتلته وهجرته إسرائيل!
ومع ذلك، يرفع النظام الإيراني شعار تحرير فلسطين، بينما يرفض الاعتراف بحقوق الشعب العربي الأحوازي في أرضه وهويته وتقرير مصيره.
فكيف يستطيع نظام أن يدين احتلال إسرائيل لفلسطين وتهجير شعبها، في الوقت الذي يقوم باحتلال دولة الأحواز وتهجير عربها وطمس هويتهم؟ إن مقاومة الاحتلال لا تتجزأ، وحقوق الشعوب لا تصبح مشروعة في فلسطين ومرفوضة في الأحواز وفقًا لمصالح القوى الإقليمية.
رابعًا: من نكبة فلسطين الى نكبة العراق و... مَن هجّر الملايين باسم المقاومة؟
تكشف المقارنة الرقمية حجم المأساة العربية؛ فقد بلغ عدد المهجّرين السوريين في ذروة الأزمة نحو 12.3 مليون إنسان، أي أكثر من ستة عشر ضعفًا لعدد الفلسطينيين الذين هجّرتهم إسرائيل عام 1948.
أما العراق، فقد شهد بعد عام 2003 تهجير قرابة عشرة ملايين ؛ أي أكثر من اثنين وعشرين ضعفًا لعدد مهجّري النكبة الفلسطينية الأولى.
وتكشف هذه الأرقام أن عدد السوريين والعراقيين الذين اقتُلعوا من مدنهم وقراهم تجاوز الاثنان وعشرون مليون إنسان تقريبا. وتبرز هنا المفارقة الإنسانية والسياسية؛ فالأنظمة والأحزاب التي رفعت شعارات «تحرير فلسطين» و«نصرة المستضعفين» أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحويل ملايين العرب إلى لاجئين ونازحين داخل أوطانهم وخارجها.
وبهذا الصدد، تشير بيانات الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن العراق شهد منذ عام 2003 موجات متعاقبة من النزوح واللجوء والهجرة، بلغت نحو ستة ملايين شخص داخل العراق، فضلاً عن ملايين العراقيين الذين لجأوا أو هاجروا إلى خارج البلاد خلال الفترات المختلفة. ولا يزال قرابة مليون شخص نازحين داخليًا، بلغ مجموعهم الكلي قرابة 10 ملون، وفق أحدث البيانات المتاحة. انظر (1)
Iraq Displacement Figures Drop Below Two Million for First Time Since 2014; Nearly Four Million Have Returned Home | United Nations in Iraq
Document - UNHCR IRAQ Update June 2026
Country - Iraq
خامسًا: صواريخ ايران تكشف البوصلة... 85% باتجاه الخليج و 15% باتجاه إسرائيل
استهدفت صواريخ وطائرات مسيّرة، أطلقتها إيران أو ميليشيات مرتبطة بها، منشآت ومدنًا ومصالح عربية في العراق ودول الخليج، ووصلت تداعيات هذا المشروع وتهديداته إلى أمن الأردن ومصر والممرات البحرية العربية..
وتكشف الأرقام الفارق بين الخطاب والممارسة؛ فحتى 21 آذار 2026 أطلقت إيران، وفق الحصيلة المشار إليها، نحو 4,911 صاروخًا ومسيّرة باتجاه دول الخليج، مقابل نحو 850 باتجاه إسرائيل.
وبذلك استحوذت الجبهة الخليجية وحدها على أكثر من 85% من مجموع المقذوفات في هذه المقارنة، وتعرضت لنحو ستة أضعاف ما وُجّه إلى إسرائيل؛ من دون احتساب ما استهدف الأردن وكردستان العراق، أو هجمات الجماعات التابعة لطهران في المنطقة.
ومن هنا، لا يعود السؤال: ماذا قال النظام الإيراني عن إسرائيل؟ بل: ماذا فعل على الأرض العربية؟ ومن الذي دفع الثمن الفعلي لسياساته؟
وبذلك تحولت شعارات «نصرة الشيعة» و«تحرير فلسطين» إلى وسيلتين لمنح مشروع الولاية النووي، الفارسي القومي الإقليمي، شرعية دينية وسياسية.
الخاتمة: ماذا تعلّم العرب عبر نصف قرن من إيران ؟ دروس في القوة والخداع وإدارة النفوذ
تكشف التجربة الممتدة من الحرب العراقية–الإيرانية إلى مرحلة ما بعد عام 2003 أن الشعارات الدينية والمذهبية لا تكفي للحكم على سياسات الدول؛ فالمعيار الحقيقي ليس ما تقوله الأنظمة، بل ما تفعله على الأرض، ومن يدفع ثمن سياساتها، وأين تتجه صواريخها، وأي شعوب تتعرض للقتل والتهجير وتفكيك دولها.
لقد سقطت حجة «نصرة الشيعة» عندما أصبح الشباب الشيعي العراقي ضحية للقتل والجرح والاختطاف بسبب مطالبته بوطن مستقل ودولة عادلة. كما فقد شعار «تحرير القدس وفلسطين» كثيرًا من صدقيته عندما تحولت أراضي العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج والأحواز إلى ساحات للنفوذ والصراع، وأصبح العرب، وبينهم الفلسطينيون والشيعة، هم الذين يدفعون الثمن الأكبر.
ويتمثل الدرس الأول في أن المذهب عندما يتحول إلى أداة سياسية يصبح وسيلةً للنفوذ، لا ضمانةً لحماية أتباعه. أما الدرس الثاني، فهو أن المقاومة التي تهدم الدول العربية وتبني جيوشًا موازية داخلها لا يمكن أن تحرر فلسطين؛ لأنها تمنح إسرائيل فرصة الاستفادة من انقسامهم واستنزافهم.
ويؤكد الدرس الثالث: أن فراغ القوة لا يبقى فراغًا؛ فعندما تغيب قوة الدولة الوطنية، العراق نموذجا، تتقدم قوى أخرى لملء المساحة، ايران وتتحول الشعارات الدينية إلى أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ.
ويكشف الدرس الرابع أن مقاومة الاحتلال لا تتجزأ؛ فلا يمكن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه إنكار حقوق الشعب العربي الأحوازي في أرضه وهويته وتقرير مصيره.
أما الدرس الاستراتيجي الأكبر، فهو أن أمن الخليج العربي لا ينفصل عن أمن العراق، وأن استقرار المشرق العربي لا يمكن أن يتحقق من دون وجود عراق قوي واحد، يمتلك مؤسسات دستورية راسخة وجيشًا وطنيًا محترفًا، ويقيم علاقاته عربية والإقليمية على أساس السيادة والمصالح المتبادلة وعدم التدخل والاعتداء .
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي: أليس وجود قوة عربية قادرة على حفظ التوازن أقل كلفة من أثمان الحروب والأزمات وسباقات التسلح التي تعيشها المنطقة بعد غزو العراق؟ فبينما كانت هناك قوة عربية كبيرة تواجه المشروع الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي، تنفق دول المنطقة اليوم موارد هائلة على الدفاع والأمن والتحالفات الدولية لمواجهة تداعيات اختلال التوازن الإقليمي.
إن القضية ليست تمجيد الحرب أو الاحتفاء بالدمار؛ فالحروب دائمًا مأساة إنسانية، لكنها تحمل دروسًا استراتيجية. ويبقى الثامن من آب 1988 في الذاكرة العربية لدى كثيرين، ليس فقط بوصفه محطةً في نهاية حرب، بل يومًا كشف معادلة استراتيجية واضحة:
عندما كان العراق قويًا كان ميزان المنطقة مختلفًا، وعندما ضعف العراق تغيّرت خرائط النفوذ.
أما السؤال الذي يواجه العرب اليوم، فليس ماذا حدث فقط، بل:
أليس بناء منظومة أمن عربية متكاملة، تقوم على استعادة قوة العراق، وإعادة بناء دولته ومؤسساته وجيشه الوطني السابق ، أقلَّ كلفةً وأكثر جدوى من استمرار الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية، أو إنفاق مليارات وتريليونات الدولارات على مظلات الردع والحماية، مع بقاء المنطقة عرضةً للتوترات والأزمات؟ وهل يمكن أن يشكّل استعادة العراق لعافيته، بما يعزز قدرة الدول العربية على حماية أمنها الجماعي، استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد يحفظ سيادة الدول، ويحمي الأجيال القادمة، ويجعل العرب فاعلين، لا مفعولًا بهم في صناعة مستقبلهم ؟

796 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع