
نوال الجراح
الدقائق الأخيرة غيرت تفكيري
وأنا أستمع قبل أيام إلى حوار مع أحد الخبراء في مجال السعادة، لم أتوقع أن يستوقفني لقاء امتد لساعتين كاملتين. في بدايته شعرت بشيء من الملل؛ فالحديث بدا بعيداً عن اهتماماتي وشغفي المعتاد. ومع ذلك واصلت المتابعة بدافع الفضول والرغبة في الاطلاع على أفكار مختلفة عما اعتدت قراءته وسماعه.
شيئاً فشيئاً بدأ الحديث يجذبني، حتى وجدت نفسي مأخوذة بكل كلمة، أما الدقائق الأخيرة فكانت بحق مسك الختام؛ دقائق من ذلك النوع الذي يضيف إلى وعينا شيئاً جديداً ويترك في داخلنا أثراً لا يزول بسهولة.
اعتاد مقدم البرنامج أن يختتم لقاءاته بسؤال يكتبه الضيف السابق دون أن يعلم هوية الضيف القادم. وفي هذه الحلقة كان السؤال من سيدة أعمال ناجحة واجهت في حياتها تحديات قاسية؛ فقدت طفلاً، وخاضت معركة مع السرطان، وتجاوزت محطات مؤلمة كثيرة. أما سؤالها فكان بسيطاً في صياغته، عميقاً في معناه:
ما الإخفاقات التي تعتز بها أكثر من غيرها؟
توقفت عند السؤال طويلاً. نحن اعتدنا أن نسأل عن الإنجازات والنجاحات ومحطات التألق، لكن أن يُسأل الإنسان عن إخفاقاته التي يعتز بها، فهذا يتطلب قدراً كبيراً من النضج والوعي.
جاء جواب الضيف على قدر جمال السؤال وعمقه. قال إن أكبر إخفاق في حياته كان عجزه لسنوات طويلة عن تمكين جانبه الأنثوي، وإنه أمضى سنوات يطوّر الصفات التي يصفها المجتمع بالذكورية؛ كالسيطرة والانضباط والتفكير التحليلي والسعي المستمر للإنجاز، حتى أدرك أن الإفراط في أي صفة يحولها إلى نقيضها. فالقوة إذا تجاوزت حدودها تحولت إلى عدوانية، والانضباط إذا تشدد أكثر من اللازم تحول إلى قيد، والتفكير المنطقي إذا استأثر بكل شيء قد يحرم الإنسان من رؤية أبعاد أخرى للحياة.
في المقابل، رأى أن العالم أهمل صفات لا تقل أهمية عما ذكره، الرعاية، الحدس، التعاطف، الإبداع، والانسيابية وتقدير الجمال. وهي صفات تمنح الحياة دفئها ومعناها، وتجعل الإنسان أكثر اتصالاً بذاته وبالآخرين.
لم يكن يتحدث عن الرجل والمرأة بوصفهما جنسَين متقابلين، بل عن طاقات وصفات موجودة في كل إنسان. فداخل كل واحد منا جانب يسعى إلى الإنجاز والفعل والسيطرة، وجانب آخر يسعى إلى الاحتواء والرعاية والإبداع لكنه غير مفعّل، والمشكلة تبدأ عندما يطغى أحدهما على الآخر.
ولعل أكثر ما شدني في حديثه قوله إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر حاجته إلى مزيد من الإنسانية، ولا إلى مزيد من التنافس بقدر حاجته إلى مزيد من التعاطف. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق فقط بما نبنيه من مؤسسات ومدن وتقنيات، بل أيضاً بما نبنيه داخل الإنسان نفسه.
إنتهى الّلقاء، لكن السؤال بقي يتردد في ذهني:
ما الإخفاقات التي أعتز بها؟
ربما لأن بعض الإخفاقات لا تأتي لتكسرنا، بل لتوقظنا. وربما لأن ما نظنه خسارة في لحظة ما يكون بداية رحلة نحو فهم أعمق لأنفسنا. فليس كل نجاح دليلاً على النضج، وليس كل إخفاق علامة على الهزيمة. أحياناً يكون الإخفاق هو المعلم الأكثر صدقاً، والباب الذي يقودنا إلى مستوى جديد من الوعي لم نكن لنصل إليه بغيره، وهذا مايفسر للانسان كيف تكون الصدمات والمعاناة غالبا، طريقا لوعي أعلى والتفوق للوصول لمحطات لم نكن لنصلها لو لا تلك الصدمات.
ولعلنا بحاجة بين الحين والآخر إلى أن نتوقف عن تعداد إنجازاتنا، وأن نسأل أنفسنا سؤالاً مختلفاً: ما الإخفاق الذي جعلنا أكثر حكمة، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على فهم الحياة؟
ذلك السؤال لم يكن مجرد خاتمة لحوار تلفزيوني، بل نافذة على مستوى مختلف من الوعي؛ ووعينا الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن سؤال أنفسنا: ماذا أنجزنا؟ لنجرؤ على سؤال أعمق: ماذا علمتنا إخفاقاتنا عن ذواتنا وعن الحياة؟
ولعل التوازن الذي تحدث عنه الضيف يبدأ من هنا؛ أن نعيد الاعتبار للقيم التي تمنح الحياة نماءها وأستمرارها، وأن ندرك أن القوة ليست دائماً في المنافسة والصراع، بل قد تكون في الرحمة، وفي التربية، وفي صناعة إنسان سوي يحمل الخير لنفسه ولمجتمعه. فحين تُصان الأسرة، وتُمنح المرأة التقدير الحقيقي لدورها العظيم، نكون قد وضعنا حجر الأساس لبناء مجتمع أكثر استقراراً وأمناً وازدهاراً.

824 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع