
ضرغام الدباغ / برلين

في أربعينية القائد المناضل عوني القلمجي
تعرفت على عوني القلمجي عام 1970 ... ولكني كنت قبلها أعرفه ويعرفني، في جزء آخر من وطننا العربي الحبيب، وقبل ذلك كنا هو وأنا في دروب العراق نضالاً وحبساً وتشريداً. لما لا يقل عن 12 عاماً بالنسبة لي، وأكثر من 15 عاماً بالنسبة لعوني الذي انتمى شابا في مقتبل شبابه إلى حزب الاستقلال، ثم تحول إلى حركة القوميين العرب. وحين تمنح نفسك للعمل الثوري، فإنك تمنح حياتك كلها وبكافة تفاصيلها التي تندغم تحت شعار واحد فقط، وهو العمل النضالي بلا هوادة، وهذا غير ما يفعله البعض حين يمارسون العمل النضالي / السياسي كهواية في أوقات فراغهم.
لذلك كان عوني حين يكتب، يكتب تاريخ العراق كشاهد ومشهود ... يكتبها بنزاهة الشاهد المحلف، وحين يتحدث تشعر بدقة أن كلماته تصدر من كل روحه، ولكن كلاعب فعلي في الميدان الدموي، يكتبها بقلم نزيه وهو الممتلئ ألماً ومعاناة وعذابات ... ويتحدث من القلب كعاشق للعراق، لله درك يا عوني القلمجي ... كيف كنت تستطيع أن تغالب جراحك ومعاناتك ... لتكتب وتتحدث بموضوعية وتجرد، وأن تكتب للعراق بأسم العراق ...
كلمات عوني وخطاباته، كنا نحضر سوية مؤتمرات من أجل العراق كلمات ستبقى في سفر نضالات العراق وثيقة عهد من مناضلين، رؤية عراقية صافية كمياه العيون نقية هي كلماتك.. تتفجر صدقاً وإخلاصاً ... وعدا لقاءاتنا في المؤتمرات، كنت أزوره في كوبنهاغن مرتين في السنة، وهو يزورني بالمثل في برلين، نعيش في أوربا، ولكننا مشدودان للعراق دون دقيقة واحدة من الإغفال .. فتحية لك من وطنك العراقي الذي تعشق .. وأمتنا العربية المجيدة...
مهنة القلمجي الأصلية هي ضابط هندسة في الجيش العراقي، ولكنه كان على قوائم المناضلين، لذلك فإن خدمته في الجيش لم تكن طويلة، ولكنه لم يهجر القتال وميادينها في العراق والوطن الكبير بل كان يسبح في بحرها المتلاطم الأمواج... وحتى حين أضطر أن يهاجر لأوربا، كانت عيناه ترنو دوماً للوطن .. وقلبه بخفق لقضاياه.
كان القلمجي ضيفا دائمياً في القنوات التلفازية، حتى منعته بعض الحكومات الغربية (الديمقراطية) من دخول اراضيها، أو القيام بنشاط سياسي / إعلامي، كان حاضراً في معظم المؤتمرات الدولية، وقد حدث أن التقينا صدفة أكثر من مرة في مؤتمرات دولية، نحمل الحقيبة الصغيرة، ولكن بهمومنا الكبيرة ونجوب البلدان وعيوننا تقطر دماً نمثل شعباً يقتل جهاراً نهاراً وعلى رؤوس الأشهاد، ولكن لا حياة لم تنادي .. قلب هذا العالم من الحجر .
ولكن أصحاب الضمائر الصاحية اليقظة كانوا يعانقوننا بحب، وتضامن إنساني ضد الظلم أصدقاء من النمسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليونان، واسبانيا، وهولندة والدانمرك، والسويد. ولكن الحق دائما ملاحق ومضطهد، وما عليك إلا أن تصدق الواقع الموضوعي، لا أن تصدق الشعارات، فكثيرا ما يجري العبث بهذه الشعارات بحيث تقود علامات الطريق إلى مجازر ... وحفلات دموية صاخبة. نحن عوني وأنا، أفلتنا من حفلات الموت تلك بأعجوبة، ورحنا نناشد ضمائر الناس، ونطالب بالتضامن العالمي ضد الفاشيات على مختلف أصنافها وأشكالها. لا نملك إلا القليل جداً ما يسد الرمق لتناول الطعام في الأكشاك على قارعة الطريق، ومرة في روما تناولنا البيتزا في كشك رفض صاحبه المصري بإصرار أن يأخذ ثمن ما قدمه لنا، وقال بصوت متهدج .. " آخذ منكو أزاي .. ده أنا لحم اكتافي من العراق " ... عدنا أنا وعوني لفندقنا وعيوننا مليئة بالدموع . ونحن أشد إيمانا بنضالنا القومي الاشتراكي.
مرة كنا معاً في مؤتمر بأسبانيا، واستهللت خطابي، بيت من الشعر الشعبي العراقي رغم أن لا أحب الشعر الشعبي كثيراً "" كل الشرايع زلك، ومن يمنا العبرة "" وحين أنهيت خطابي وعدت لمقعدي، كان عوني واقفا يتلقاني وقبلني " ضرغام .. هاي من وين لكيت هذا المقطع الرهيب .. كل الشرايع زلك .. ومن يمنا العبرة ". فهو الكرخي الأصيل وأنا المعظماوي .. ولكن شريعتنا واحدة ..
ماذا يريد عوني القلمجي أن يقول فيما يكتب ... حقائق تتفجر بالإخلاص .. قصف بالمدفعية الثقيلة .. بلا هوادة .. هو لا يحب الأسلوب الواعظي في الحديث والكتابة، وهذا يتفق تماماً مع مزاجي شخصياً، فالحالة التي أمامنا لا ينفع معالجتها بالعتاد الخفيف .. وبسهام مغلفة بالسكر والكريما، هي أفعى ضخمة متشعبة الرؤوس، كثيرة الأذناب، وبعض هذه الأذناب تحاول أن تخدعك وتغش وعيك الوطني القومي التقدمي ... فأشهروا سيوفكم أيها المناضلون واقطعوا رؤوس الأفاعي، وابتروا أذنابها فعدوكم اليوم في مرحلة العولمة (Globalisation) يروجون للإنسان الكوزمولويتي (Kosmopolit) الذي لا هوية له، وليس له سوى أن يكون مطية للأحتكارات الدولية التي تستعبد أمما وشعوبا كاملة، أرضا وماء وسماء وثروات وثقافة، بحيث يكون عهد الاستعمار والإمبريالية أشبه بنزهة في بستان وحديقة زهور.
مضت أربعون يوماً وعوني غائب / حاضر بيننا، فالنسبة لي لا أستطيع أن أتخيل العمل الوطني بدون عوني، نحن نحمل حتوفنا على أكفنا وانظارنا لا تحيد عن العراق لحظة واحدة، " حملت روحي وألقيت بها في مهاوي الردى ..... فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا ".
لسنا مغامرين ... بل نسترشد بالنضال ومعطيات الفكر العلمي ولكن الدروب التي نسلكها صعبة، مواجهة الموت فيه أمر مألوف جداً ... وإذا قيض لنا أن نعيش، فهذا فقط لنواصل حمل الراية إيفاء لعهودنا لرفاقنا من الشهداء الذين ماتوا وهم على يقين بأننا على الدرب سائرون .... والله إننا سنبقى على الدرب سائرون .حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ....
تحية كبيرة لأخي وصديق عمري ورفيق نضالي عوني القلمجي ...أبو عمر
عاش نضال شعبنا العراقي وأمتنا العربية
المجد والخلود لشهداء المسيرة

575 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع