أبعاد "اتفاقية مكة"شرطي الناتو الخليجي النووي الجديد لتحجيم دور إيران وفصائلها الولائية وحتى اسرائيل؟

صباح البغدادي

أبعاد "اتفاقية مكة"شرطي الناتو الخليجي النووي الجديد لتحجيم دور إيران وفصائلها الولائية وحتى اسرائيل؟

(*) اتفاقية مكة للتعاون والدفاع المشترك تبدو في جوهرها إعلانًا عن مرحلة جديدة في هندسة الأمن الإقليمي، مرحلة يمكن أن تنطبق عليها دلالات ومعاني الآية القرآنية الكريمة : " قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ " فهذه الاتفاقية، بما تحمله من أبعاد استراتيجية غير معلنة، نجحت أخيرًا في تطويق " ثعلب " المناورات التي اعتادت إيران استخدامها عبر مضيق هرمز وعبر الفصائل الولائية المسلحة في العراق، وهي جماعات مرتبطة بإيران ومسؤولة عن أعمال عنف وتهديدات أمنية في المنطقة. ومع دخول تركيا وباكستان في منظومة الردع الجديدة، أصبح أي استهداف لمنشآت الطاقة السعودية، التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي، بمثابة اعتداء على التحالف بأكمله، ما يعني أن أي محاولة لضرب العمق السعودي لن تُواجَه برد محدود، بل برد جماعي واسع يضع هذه الفصائل أمام معادلة لم تكن في حساباتها، ويجعل من أي خطوة عدائية تجاه السعودية خطوة انتحارية سياسيًا وأمنيًا، وكأنها حفرت قبر نفوذها بيدها، لأن ميزان القوى الذي كانت تراهن عليه لم يعد قائمًا بعد اليوم.

(*) قد تبدو اتفاقية مكة، في بعض جوانبها العميقة، امتدادًا حديثًا لروح "حلف بغداد" الذي نشأ في خمسينيات القرن الماضي لمواجهة الشيوعية، لكنها تعود اليوم بصيغة مختلفة تمامًا، صيغة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين بكل تعقيداته الجيوسياسية وتداعياته النووية والتكنولوجية، وتنعكس مباشرة على ما ستسفر عنه المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. فالاتفاقية تحمل قابلية توسع طبيعي يجعلها إطارًا مفتوحًا أمام انضمام دول محورية مثل مصر والأردن ودول الخليج، بل وحتى لبنان، بينما قد يشكّل انضمام سوريا بعد التسوية السياسية نقطة تحول كبرى تعيد تشكيل ميزان القوى في بلاد الشام، وتضع المنطقة على مسار استراتيجي جديد يتعارض جذريًا مع التوجهات الإسرائيلية والإيرانية التي سعت لعقود إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط وفق مصالحها الخاصة. بهذه القراءة، تبدو الاتفاقية نواة لتحالف إقليمي واسع يعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة بطريقة لا تشبه أي مشروع سابق.

(*) يمكن أن نصف الاتفاقية بأنها " ناتو اطلسي خليجي " جديد ولكن غير معلن، لأن بنيتها العميقة تجعل تركيا في موقع المتصدّر الأمامي لأي مواجهة أو اعتداء يستهدف السعودية أو باكستان، فتتحول أنقرة إلى الواجهة العملياتية للتحالف، بينما تشكّل الرياض وإسلام آباد عمقه الاستراتيجي. بهذه الصياغة، لا تبدو الاتفاقية مجرد تعاون دفاعي تقليدي كلاسيكي ، بل إطارًا " أطلسيًا–خليجيًا " جديدًا، يعمل بصمت، ويعيد تشكيل معادلة الردع في المنطقة دون الحاجة إلى إعلان رسمي أو مظلة دولية تقليدية.

(*) إذا جمعت ادناه هذه القوى الثلاث معًا، ووضعتها في " خلاط " القراءة الجيوسياسية الاستباقية، فإن الناتج الطبيعي للمنتج هو تشكّل معادلة جديدة بالكامل، معادلة تتجاوز حدود التحالفات التقليدية لتُنتج محورًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة صياغة ميزان الردع في الشرق الأوسط، وبناء هندسة أمنية ونووية لا تشبه أي منظومة سابقة، هندسة تُغيّر قواعد اللعبة وتفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف تمامًا عن ذلك الذي سعت إسرائيل وأمريكا وبالاضافة الى ايران وحلفائها من الفصائل الولائية المسلحة إلى رسمه ومحاولة ترسيخه طوال العقود الماضية , ولان مل من هذه الدول تتمثل بالآتي :
(1) السعودية = القوة الإقتصادية – الطاقة – الجغرافيا البحرية.
(2) تركيا = القوة العسكرية – صناعات الأسلحة الدفاعية المتطورة – عضوية الناتو.
(3) باكستان = القوة النووية – العمق البشري – التطوير من خلال الخبرة العسكرية المتراكمة.

(*) الضربة التي تلقّتها الفصائل الولائية المسلحة في العراق بعد إعلان "اتفاقية مكة" ليست ضربة عابرة، بل تحوّل استراتيجي يغيّر قواعد الاشتباك التي اعتادت هذه الفصائل اللعب ضمنها. فالاتفاقية، في جوهرها، تعني أن أي محاولة لاستهداف منشآت الطاقة السعودية لن تُواجَه برد سعودي منفرد كما كان يحدث في السابق، بل ستُفعّل منظومة ردع ثلاثية تقف فيها تركيا في الواجهة العملياتية، وتساندها باكستان بخبرتها العسكرية وقدرتها النووية، في حين تشكّل السعودية العمق الاقتصادي والطاقوي الذي لا يمكن السماح بالمساس به. وبذلك، فإن أي ضربة توجهها هذه الفصائل نحو العمق السعودي، خصوصًا نحو منشآت إنتاج النفط والطاقة التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي، لن تُعدّ مجرد اعتداء محدود، بل ستُفسَّر كعمل يهدد أمن التحالف بأكمله، ما يجعل الرد شاملًا ومتعدد الأبعاد، ويضع هذه الفصائل أمام معادلة جديدة لم تكن في حساباتها، معادلة تجعل من أي محاولة لتعطيل تدفق الطاقة وكأنها حفرت قبرها بيدها، لأنها ستواجه منظومة ردع أكبر بكثير من قدرتها على الاحتمال أو المناورة.
في لحظة إقليمية فارقة ومضطربة، وفي زمن تتقاطع فيه مشاريع النفوذ الإقليمي مع مصالح القوى الكبرى، وفي اليوم الـ51 من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 160 يوما من اندلاع الحرب جاءت " اتفاقية مكة للدفاع المشترك " بين السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة 7 آب 2026 لتعلن عن فجر ميلاد هندسة دفاعية وأمنية جديدة وحتى نووية في الشرق الأوسط ، هندسة تتجاوز منطق التحالفات التقليدية، وتعيد رسم خرائط الردع، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تمامًا من توازنات القوى الإقليمية في خارطة الشرق الأوسط الجديد . هذه الاتفاقية ليست مجرد وثيقة دفاعية، بل هي إعادة تعريف دور الخليج في الأمن الدولي، وتحويله من منطقة تعتمد على الحماية الخارجية إلى منطقة تمتلك " شرطيًا جديدًا " متعدد الأقطاب، يمتد نفوذه من البحر الأحمر إلى مضيق البوسفور، ويستند إلى قوة بشرية واقتصادية وعسكرية تتجاوز 380 مليون نسمة وناتج اقتصادي سنوي يقترب من 3.3 تريليون دولار.

إنها اتفاقية تحمل في طياتها الكثير والكثير من الرسائل التي ما تزال خافية وغير معلنة، وتداعيات تتجاوز إيران وفصائلها الولائية العقائدية المسلحة، لتصل إلى قلب "تل ابيب" وتشمل حتى الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، بل حتى نراها ومن خلال بعض من أوجه الشبه وربما تعيد إحياء روح "حلف بغداد" القديم ولكن بصيغة جديدة ليس ضد التمدد الشيوعية كما في ستينات القرن الماضي ولكنها اليوم لغرض ان تتناسب مع تداعيات ازمة الطاقة والنفط والتطور التكنولوجي وغزو الذكاء الاصطناعي والحرب السريانية في القرن الحادي والعشرين , ولذا سوف نحاول به قدر الإمكان إلى تحليل اتفاقية "مكة للدفاع المشترك " خارج الصندوق وعكس تحليلات التيار الإعلامي , بوصفها تحولًا بنيويًا في هندسة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. يعتمد البحث على إطار نظري مستمد من نظرية الأمن الإقليمي، ونظرية التحالفات متعددة الأقطاب، ونظرية الردع الموسّع. ويخلص إلى أن الاتفاقية تمثل بداية تشكّل منظومة أمنية جديدة متعددة الأقطاب، تتجاوز منطق التحالفات التقليدية الكلاسيكية ، وتعيد توزيع القوة بين ثلاث دول تمتلك عناصر اقتصادية و عسكرية ونووية متكاملة ويستشرف سيناريوهات مستقبلية محتملة، بما في ذلك توسع التحالف، وتأثيره على مشاريع النفوذ الإيراني والإسرائيلي، وإمكانية اعتراف القوى الكبرى به كضامن لأمن الطاقة العالمي.
حيث ما يزال يشهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات جذرية في منظومات الأمن الإقليمي، نتيجة تراجع فعالية التحالفات التقليدية، وتزايد التهديدات العابرة للحدود، وصعود قوى إقليمية جديدة تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية متقدمة. وفي هذا السياق، جاءت لنا "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان لتشكّل نقطة تحول في بنية الأمن الإقليمي، ليس بوصفها اتفاقية دفاعية فحسب، بل باعتبارها هندسة أمنية جديدة تعيد صياغة مفهوم الردع الجماعي.
تصف الرئاسة التركية الاتفاقية بأنها “خطوة تاريخية تعزز الأمن المشترك والردع الجماعي، ولا تستهدف أي دولة بعينها، بل تهدف إلى صون السلام والاستقرار في المنطقة” هذه التصريحات تمنح الاتفاقية إطارًا سياسيًا عامًا، ولكنها لا تكشف عن أبعادها الاستراتيجية العميقة، وهو ما يسعى هذا البحث إلى تحليله.
وإلى أي مدى تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك تحولًا بنيويًا في هندسة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وما هي تداعياتها المستقبلية على توازنات القوى الإقليمية والدولية؟ لان هذه الفرضية لا نتحدث عن اتفاقية دفاعية مشتركة عادية، بل عن تحول جيواستراتيجي يعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويخلق محورًا جديدًا يختلف عن كل التحالفات السابقة.
وبما ان الاتفاقية تتجاوز إيران، رغم أن إيران وفصائلها الولائية المسلحة هي أول المتضررين من هذه الاتفاقية ولكن التأثير يمتد إلى إسرائيل وليس لأن الدول الثلاث تريد مواجهة إسرائيل بالضرورة الحتمية والقصوى حاليا ، بل لأن حقيقته يتجاوز التمنيات والمشاريع لان: " أي مشروع تقسيمي في سوريا أو لبنان أو العراق يصبح أصعب , ومشروع “الحكم الذاتي الدرزي” الذي تسعى له بعض الدوائر الإسرائيلية يفقد البيئة الحاضنة و محور جديد يمتد من البحر الأحمر إلى البوسفور سيجعل أي إعادة هندسة ديموغرافية أو طائفية في بلاد الشام أكثر تعقيدًا".
اما الولايات المتحدة ستنظر إلى الاتفاقية بنظرة مغايرة لاسرائيل بل حتى قد تكون مصادمة لها ومعاكسة في الاتجاهين المتضادين لكلا رؤيتهما لانها سوف تتمثل بالنسبة لواشنطن : " ضمانة لأمن الطاقة العالمي , تقليل العبء العسكري الأمريكي المباشر في الخليج وتحالف إقليمي ينسجم مع مصالحها دون أن تكون هي في الواجهة " وهذا يجعل الاتفاقية مقبولة أمريكيًا، وربما مدعومة ضمنيًا.
روسيا ستراها تحالف يحدّ من نفوذ إيران في سوريا والعراق. والصين ستراها كضمانة لممرات الطاقة التي تعتمد عليها بشدة.
ولذا يمكن لنا ان نسميه او نعتبر الاتفاقية “ناتو إقليميًا غير معلن”؟ لان "تركيا" عضو في الناتو، بموجب الاتفاقية مكة بأن : " أي اعتداء على السعودية أو باكستان قد يجرّ تركيا إلى تفعيل التزامات دفاعية , وهذا يعني أن حلف "الناتو" يصبح جزءًا غير مباشر من أمن الخليج وحتى من دون أن تكون السعودية أو باكستان عضوين رسميين فيه وهذه نقطة استراتيجية جوهرية يجب إبرازها لأنها قد تكون سابقة تاريخية وما تزال غير مرئية لوسائل الاعلام لغاية هذه اللحظة وحسب متابعتنا عن كثب تداعيات وتحليلات القنوات الاخبارية العربية والعالمية ؟. وبما ان الاتفاقية تمثل بداية تشكّل منظومة أمنية متعددة الأقطاب في الشرق الأوسط والتحالف الثلاثي يعيد توزيع القوة بين عناصر اقتصادية وعسكرية ونووية متكاملة ولذا فان الاتفاقية ستؤثر بصورة مباشرة على مشاريع النفوذ الإيراني والإسرائيلي، وعلى سياسات القوى الكبرى في المنطقة وبما تنص الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث هو اعتداء على الجميع، ما يعني أن الردع لم يعد محصورًا داخل حدود كل دولة، بل أصبح ممتدًا عبر جغرافيا واسعة من البحر الأحمر إلى البوسفور.
ولا يسعنا إلا أن نستذكر وضمن السياق اعلاه , بأن قادة الإطار التنسيقي والفصائل الولائية، ومعهم معظم البرلمان العراقي، سيعملون على شيطنة "اتفاقية مكة" ليس لأنها تمسّ مصلحة العراق أو تهدد أمنه الوطني، بل لأنها تضرب مباشرة في صميم الأمن القومي الإيراني الذي ترتبط به هذه القوى سياسيًا وعقائديًا. وهنا تتكشف أمام الرأي العام حقيقة كانت غائبة لسنوات، وهي أن مصالح الدول الأجنبية، ولا سيما إيران، تتقدم في حسابات هذه القوى على مصلحة العراق نفسه، في وقت ما تزال فيه الحكومة غارقة في ملفات الفساد والولاءات الخارجية، وتعيش حربًا خفية وغير معلنة حول عدم اكتمال الكابينة الوزارية لرئيس الوزراء علي الزيدي، وهي حرب تكشف حجم النفوذ الخارجي الذي يتحكم بمسار الدولة ويعرقل بناء مؤسساتها.ولذا فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثل تحولًا بنيويًا في هندسة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وأنها قد تكون نواة لتحالف أوسع يعيد تشكيل توازنات القوى في المنطقة وإن الاتفاقية تحمل تداعيات تتجاوز حدود الدول الثلاث، لتصل إلى إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا والصين، وأنها قد تمثل بداية تشكّل “شرطي ناتو خليجي جديد” متعدد الأقطاب، قادر على حماية ممرات أمن الطاقة والتجارة العالمية وهذا ما سوف تسعى إليه أمريكا وجميع دول العالم ومن خلال التدفق المستمر للنفط ومن دون أي عوائق .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

864 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع