مقاربات واختلافات في الأطر الفكرية وفلسفات معاصرة

د. عامر الدليمي


مقاربات واختلافات في الأطر الفكرية وفلسفات معاصرة

الحلقة السادسة

أسس بناء الفلسفة الديمقراطية وعلاقتها بالمذهب الليبرالي بين التوافق والاختلاف

الحياة، وكل ما فيها، مساحة كبيرة تشمل أفكارًا ونظريات وأيديولوجيات قد تتوافق أو تختلف أو تتقارب. وهذه الأفكار المعاصرة تنطلق من رؤى متعددة لها ظواهر مرتبطة بحياة الإنسان أولًا، ودواعٍ حياتية ثانيًا، وقد لا تتوافق فيما بينها، مع أنها تمثل عناصر لحركة ديناميكية متحركة تمنح الإنسان والثقافة دفعًا مضافًا يسعى إلى التقدم والتطور والتنوير، في مواجهة الجمود الفكري والثقافي، بوصف ذلك ضرورة من ضرورات الحياة لإدامة استمرارها عن دراية وإدراك وفهم عميق، ولا سيما في كل ما يتعلق بالإنسان والمجتمع، خاصةً الديمقراطية والليبرالية.

وفي سياق مناقشة الديمقراطية بوصفها نظام حكم، فإنها تقوم على جملة من المعايير والثوابت الوطنية، لعل أبرزها تداول السلطة، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان، والمشاركة الشعبية بمضامينها الحقيقية، وتفعيل الاستقرار السياسي والأمني، وتطوير الإصلاحات التشريعية، والرقابة الشعبية من خلال منظمات المجتمع المدني، والحد من الفساد الإداري والمالي.

فالديمقراطية تعني حكم الشعب، وتعتمد على الانتخابات البرلمانية الحرة وقرار الأغلبية، على أسس من الحرية والمساواة، بوصفها قوة مستمدة من علاقات قوى المجتمع ومصالحه المشروعة، وحسب مقتضيات الظروف. وهي تُطبَّق في أغلب أنظمة العالم، ولها معايير سلوكية ومجموعة من القيم والمفاهيم تجعلها ذات تأثير، وتنظمها دساتير وقوانين تخدم المصالح الوطنية، وتسعى إلى تحقيق التقدم الحضاري والعدالة الاجتماعية في ظل سلطة منتخبة.

أما الليبرالية، فهي مذهب في الحياة يقوم على قيم سلوكية وإنسانية تتصل بالحق والحرية والفكر والمعتقد والضمير، بمعنى حق الإنسان في الحياة وتبنّي هذه القيم وممارستها، وحماية المواطن من التعسف، وممارسة حرية الرأي والاجتماع. وتعني أيضًا أن يحيا الإنسان حرًّا وكامل الاختيار.

وتُعدّ الليبرالية حجر الزاوية والمحرك الأول للأفكار في المجتمع، وتهيئة ظروفه بما يتناسب وطريقة حياته، ضمن حقوقه في حرية الاعتقاد والتعبير والمساواة. ويُعدّ المفكر والفيلسوف جون لوك من أبرز من أسهموا في تأسيس الفكر الليبرالي بوصفه فلسفة سياسية، إذ عارض الحكم التقليدي المحافظ والاستبدادي المطلق، ودعا إلى استبداله بحكم ديمقراطي يقوم على سيادة القانون بوصفها معيارًا لتطبيق العدالة والمساواة، دون تمييز على أي أساس أو اعتبار يخل بالعدالة.

ومع تطور الفكر الليبرالي، أصبحت الليبرالية حركة سياسية لها مؤيدون في الأوساط الشعبية، واستطاعت أن تحفز الوعي الحقوقي والفكري، وتسهم في معالجة الأزمات السياسية. وإن جوهر الليبرالية يتمثل في الحد من الإكراه، وبالتالي فإن التزام الدولة بحماية الحرية يمثل أساسًا مهمًا من أسس عملها. كما يدعو الفكر الليبرالي إلى التعددية والقبول بها، وإن تعددت الأفكار داخل المجتمع، لأنها ترتبط بمفاهيم الحرية والاستقلال، وتمثل نموذجًا معرفيًا ونظريًا وتجريبيًا يمكن أن يخدم المصلحة الوطنية، ويسهم في تحقيق الازدهار الاجتماعي.

كما تشكل الليبرالية أيديولوجية تهدف إلى بناء عقول واعية وتزويد الجماهير بالحقائق في ظل حرية مسؤولة، وتضمن تكافؤ الفرص وآفاق الارتقاء الاجتماعي والمشاركة السياسية لجميع الأفراد، بما يسهم في تحقيق النمو والتقدم.

فالليبرالية تسعى إلى ضمان مساحة معينة من الحرية الشخصية، كحرية التعبير والاعتقاد، في حين تهدف الديمقراطية إلى توزيع السلطة وإدارتها من خلال التمثيل الشعبي. ومن هنا يمكن القول إن الليبرالية والديمقراطية تلتقيان في عدد من المبادئ، إلا أنهما ليستا متطابقتين تمامًا؛ فلا تعني الديمقراطية بالضرورة الليبرالية، كما أن الليبرالية ليست مرادفًا للديمقراطية، وإن كان بينهما تداخل وتكامل في كثير من النظم السياسية المعاصرة، مع توفير شرط الحرية وشرط المصلحة العامة للبلد.

وترى الليبرالية أن للدولة هوية ثقافية وقيمية تسهم في تحديد مفهوم الخير العام، وتهيئة مجتمع مدني آمن، بينما تعبر الديمقراطية كذلك عن هوية سياسية وثقافية، من أسسها حرية المجتمع في التعبير عن رأيه.

إذًا، فإن العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية هي علاقة تكامل وامتزاج في بعض السياقات، وليست علاقة تطابق تام. فالأولى تعني كيفية نقل السلطة إلى الأغلبية عبر الشعب، من خلال انتخابات حرة، بينما تتعلق الثانية بحماية حريات وحقوق الفرد من طغيان الأغلبية.

إلا أنه يمكن أن يحدث خلط بين المفهومين لدى البعض عند تفسير الديمقراطية، مع خشية أن يتحول مضمون الديمقراطية إلى إباحة كاملة للأغلبية السياسية، بما قد يشكل خرقًا للقيم والتقاليد الديمقراطية، ويؤدي إلى تجاهل حقوق الأقليات أو حقوق الأفراد وحرياتهم. وعندئذٍ لا تتحقق الديمقراطية بمعناها الكامل، وقد تنشأ حالة توصف في الأدبيات السياسية بـالديمقراطية غير الليبرالية.

أما الديمقراطية الليبرالية، فهي شكل من أشكال الحكم يقوم على مبادئ الحرية العامة والمساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس، ويتميز بسيادة القانون، وضمان الحقوق الأساسية للأفراد، ومن بينها الحق في الحياة، وذلك من خلال دستور مكتوب ومواد قانونية تنظم العمل الديمقراطي.

وبالتالي، فقد اندمج المفهومان، في العصر الحديث، في عدد من النظم السياسية التي تُعرف بالديمقراطية الليبرالية، حيث تستخدم الديمقراطية آليات الانتخابات لاختيار الحكومة وممثلي الشعب، بينما تؤكد الليبرالية أهمية الدستور والقانون وحماية الحقوق والحريات.

وقد توسعت مفاهيم الليبرالية والديمقراطية وأصبحت مرتبطة، في بعض الأدبيات والممارسات السياسية، بمفاهيم الرفاه الاجتماعي، وقد تبنت كثير من الأحزاب السياسية عددًا من مبادئهما وأفكارهما، بوصفها أفكارًا تحترم الرأي العام والرأي الآخر. كما شكلتا عنصرًا من عناصر النهضة والإصلاح الاجتماعي في نواحٍ عدة، مع اعتماد منطق عصرنة العقل والبحث العلمي الحر، والدعوة إلى العمل بأفكار حديثة ومتطورة لتحقيق انفتاح واسع عليها.

ومع ذلك، فإن الأنظمة السياسية التي تقوم على هذه المبادئ لا تخلو من انتقادات موضوعية، ولا سيما عندما تتناقض بعض الممارسات مع ما نادت به اللوائح والقوانين، أو مع الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان وعدم استغلاله أو الاستعلاء عليه بآليات غير إنسانية أو لأغراض عدوانية، من دون سند أو أساس أخلاقي.

ومن هنا، فإن طموح الديمقراطية والليبرالية يتمثل في تحقيق نجاحات في الحياة العامة، بوصفهما اتجاهين ثقافيين وسياسيين يستندان، في مبادئهما، إلى جملة من القيم الإنسانية. وقد حظيت تطبيقاتهما ونشاطاتهما باهتمام واسع، بوصفهما من الوسائل التي يمكن أن تسهم في ضمان الحاضر والمستقبل، إضافة إلى تحفيز الوعي الحقوقي والفكري، والطموح إلى حل الأزمات وتحقيق قدر من التوازن الاجتماعي، وصولًا إلى حياة أكثر انفتاحًا واستقرارًا، وأفكار تستند إلى الفهم على أسس العدالة والحرية، والاعتماد على منطق العصرنة في الحياة بوصفها ضرورة من ضروراتها الأساسية، حتى في حالات التوافق أو الاختلاف في الأفكار والمفاهيم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

489 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع