محلاها عيشة الفلاح' الفردوس المفقود والملاذ النفسي لعمالقة الفن

الرائعة الغنائية تجمع أسمهان وعبد الوهاب وبيرم التونسي، ورغم مثاليّتها الرومانسية البعيدة عن واقع الريف المأزوم وانتقادها سياسيّاً، إلا أنها شكّلت محطة فنية بارزة ورمزاً للنوستالجيا، ومثّلت تطهيرا شعوريا لمبدعيها من صخب حياتهم ومعاناتهم.

ميدل ايست/أحمد فضل شبلول:تعدّ أغنية "محلاها عيشة الفلاح" واحدة من الروائع الغنائية التي جمعت بين عمالقة الفن العربي؛ وشكّلت محطة فنية وسياسية بارزة في تاريخ الموسيقى المصرية. وهي من غناء أسمهان (1912 – 1944)، وألحان محمد عبد الوهاب (1902 – 1991)، وتأليف بيرم التونسي (1893 – 1961)، وقُدمت لأول مرة عام 1939 في فيلم "يوم سعيد".

بنى الموسيقار محمد عبد الوهاب اللحن على مقام البياتي، وهو مقام شرقي أصيل يعبر عن الهوية والمقترن بالريف والتراب المصري. واتسم اللحن بالبساطة الشديدة ليتناسب مع موضوع الأغنية، بعيداً عن التعقيد أو استعراض العضلات التلحينية، ليعكس فطرة الريف ونقاءه. وأظهرت أسمهان قدرة فائقة على ترويض صوتها الأوبرالي الجبلي ليتحوَّل إلى صوت دافئ، ناعم، ومليء بالبساطة والبهجة، محاكيةً فيه صوت الفلاحة المصرية المليئة بالرضا.

تعتبر هذه الأغنية هي القطعة الغنائية الوحيدة في مسيرة محمد عبد الوهاب الفنية التي لحنها لبيرم التونسي، الذي استطاع أن يرسم لوحة ريفية مثالية وشديدة الرومانسية؛ ركَّزت على قيم الرضا، وراحة البال، والارتباط بالأرض والخيمة، والابتعاد عن صخب المدينة وتعقيداتها. وتبدو فلسفة الرضا واضحة في عبارات مثل "الشكوى عمره ما قالهاش .. ان لاقا واللا ما لاقاش"، لترسيخ صورة الفلاح القنوع الذي يجد سعادته في عمله اليومي البسيط ورزقه الحلال.

جاءت الأغنية في وقت كان الريف يعاني فيه من الإقطاع والفقر. واعتبرها النقاد والمثقفون آنذاك نوعًا من الرومانسية المفرطة التي تغيّب الواقع الصعب للفلاح.

ونتذكر أنه بعد ثورة يوليو/تموز عام 1952 وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، مُنعت الأغنية من البث لفترة طويلة؛ واعتبرتها السلطات الجديدة معادية للتوجه الوطني الساعي لإنصاف الفلاح وتخليصه من واقعه المرير، بدلاً من التغني بـ "جمال عيشته" الإقطاعية السابقة. ولكن عادت الأغنية للظهور لاحقًا وأصبحت رمزًا للـ "النوستالجيا" والحنين إلى ريف الماضي الهادئ والجميل، خاصة بعد التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على القرية المصرية في العقود التالية.

غنَّت أسمهان الأغنية بصوتها فقط في الفيلم. وقامت الممثلة والمطربة بديعة صادق بتجسيد الدور وتحريك شفتيها (بلاي باك) على الشاشة، كما حدث في أوبريت "مجنون ليلى" في الفيلم نفسه. لقد ظهرت أسمهان (أو بديعة صادق) وهي ترتدي زي الفلاحة، وبلكنة قريبة من لكنتها في بعض الكلمات.

ونظرًا لجمال اللحن وعذوبته، أعاد الموسيقار محمد عبد الوهاب تسجيل الأغنية بصوته لاحقًا. كما غنتها كبار المطربات مثل نجاة الصغيرة (في إحدى حفلاتها عام 1985) كاختبار لقدراتهن الطربية.

استخدم بيرم التونسي العامية المصرية القريبة جداً من الفصحى في تراكيبها. وابتعدت الكلمات عن الألفاظ الريفية المقعرة، واعتمدت على ألفاظ يومية مألوفة وعالمية الدلالة (الدنيا، السماء (= الخيمة الزرقا)، يتمرغ، أرض، القلب، جنة رضوان الشكوى، ريف، مزروعة ..). ويتأسس الخطاب اللغوي للأغنية على ثنائية (الرضا ضد الطمع)، و(القناعة ضد الشكوى). الكلمات تخلق عالمًا لغويًّا خاليًا من أدوات النفي الوجودي، بل تركز على الإيجاب والقبول التام. ويظهر الإيجاز والترادف في جمل قصيرة جداً تمنح الجملة اللغوية سرعة وتدفقاً تشبه وتيرة المشي أو الضرب بالفأس في الأرض (مثل: ياهي يه ياهي ياه ياهي ياه).

تبدأ الأغنية بـ "محلاها عيشة الفلاح" وتنتهي بالمعنى ذاته. هذه البنية الدائرية تعكس "دورة الحياة" في الريف التي لا تتغير؛ فالأيام تتشابه والفصول تتكرر، مما يمنح النص استقرارًا بنيويًّا صارمًا. ولاحظنا أن الأبيات تتوازى في الطول وعدد التفعيلات، مما خلق تناغمًا تامًّا مع البنية اللحنية التي وضعها عبد الوهاب. كل شطرة تسلم الأخرى بسلاسة دون قفزات مفاجئة، مما يكرس فكرة "النظام" والترتيب الصارم لحياة الفلاح.

بُني اللحن على مقام البياتي، وهو مقام بنيته النغمية مشبعة بالشرقية والترابية. ولاحظنا أن الانتقال الصوتي لأسمهان بين القرارات والجوابات كان محكومًا ببنية السلم الموسيقي الذي يرتفع مع شروق الشمس وينخفض مع الغروب في النص.

من منظور سيكولوجي، يعكس النص حالة من "التسامي والإنكار" للصعاب الاقتصادية والجسدية التي يواجهها الفلاح. النص يُسقط رغبة عارمة في الطمأنينة عبر إنكار وجود المعاناة (الشكوى عمره ما قالهاش). ويظهر الفلاح في النص بتركيبة نفسية تشبه تركيبة الابن البار بالطبيعة (الأرض كأم). والطبيعة تمنحه الرزق، وهو يقابلها بالحب والامتنان والقبول غير المشروط، وهي حالة نفسية خالية من القلق الوجودي.

أما صوت أسمهان فهو بطبيعته يحمل نبرة درامية. عندما غنت الكلمات ببساطة، أحدثت توازنًا نفسيًّا لدى المستمع؛ حيث نقلت الأغنية من مجرد أغنية ريفية بسيطة إلى تجربة روحانية دافئة تبعث على السلام الداخلي والهدوء.

ونستطيع أن نقول إن الأغنية تجسد الفلسفة الرواقية في أعلى صورها. الفلاح هنا هو "الرجل الرواقي" الذي يتقبل الطبيعة وأحكام القدر برضا تام، ولا يربط سعادته بالمتغيرات الخارجية أو الممتلكات المادية، بل برضا النفس الداخلي.

ويتبنى النص أفكار الفلاسفة مثل جان جاك روسو، حول العودة إلى الطبيعة. فالمدينة صاخبة ومفسدة للأخلاق، بينما الريف هو الفطرة الإنسانية الأولى والنقية حيث تلتقي الذات بالكون دون وسيط. ونلاحظ أن الوجود عند الفلاح يتحقق عبر "العمل الجسدي". هو لا يفلسف الأمور عقليًّا، بل إن إنتاجيته وارتباطه بالمرعى والزرع هما جوهر إثبات وجوده على الأرض.

أما الزمن في الأغنية فهو ليس زمنًا خطيًّا يتجه نحو الشيخوخة أو النهاية، بل هو "زمن طبيعي دائري" مرتبط بحركة الشمس (الشروق والغروب) وفصول السنة. هذا النوع من الزمن يبعث على الخلود والدوام.

تسير الأغنية مع الترتيب الزمني ليوم الفلاح منذ الاستيقاظ الباكر مع الفجر والطيور، والعمل في الغيط تحت أشعة الشمس. ثم العودة والمقيل مع الغروب. ونلاحظ أن اللحن والكلمات يفرضان إيقاعًا زمنيًّا بطيئًا ومستقرًّا، وهو نقيض زمن المدينة المتسارع والمليء بالقلق الرقمي أو الصناعي. الزمن هنا يتدفق بسيولة مثل تدفق مياه النيل في الترع.

كما نلاحظ أن الأغنية مليئة بالعلامات والرموز التي يمكن تفكيكها وفقًا للمدرسة السيميائية: منه ظهور ممثلة بديلة تجسد حركة الشفاه لصوت أسمهان، مما يخلق علامة سيميائية مركبة: الجسد يمثل الفلاحة المصرية البسيطة، بينما الصوت الفخم يمثل سمو ورفعة هذه الطبقة الكادحة.

لم تنشأ أغنية "محلاها عيشة الفلاح" من فراغ، بل تتحاور وتتناص مع موروثات ثقافية، دينية، وفنية سابقة ومزامنة لها. مثل التناص الثقافي مع "أدبيات الرومانسية الريفية" حيث يتناص نص بيرم التونسي بنيويًّا مع الفكر الطوباوي الذي ساد في الأدب المصري خلال الربع الأول من القرن العشرين، وتحديدًا مع رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل (1888 – 1956) التي صدرت (1914). كلا النصين (الرواية والأغنية) يعيدان إنتاج الريف كـ "فردوس مفقود"؛ حيث يطهر الفردوس جسد الفلاح من دنس المدينة. كما تتناص الأغنية مع الصورة المثالية للفلاحة والقرية كما رسمها الأدب البرجوازي المتأثر بالرومانسية الأوروبية (روسو، وشاتوبريان).

أيضا تعد الأغنية "إعادة إنتاج مهذبة" لأغاني العمل الفلاحية التراثية (أغاني الحصاد، وأغاني الساقية). بينما تتميز أغاني الفلاحين الحقيقية بالخشونة والشجن العالي (مواويل الحزن والفقد والكد). وقد قام بيرم التونسي وعبد الوهاب بعملية فلترة سيميائية وتناصية. حيث أخذا الإيقاع المنتظم من الفلكلور، واستبدلا شكوى الفلاح الحقيقية بـ "شكر ممتن" يتناسب مع ذائقة مستمعي المدن وصالات السينما.

كما تتناص عبارات مثل (الشكوى عمره ما قالهاش .. ان لاقا واللا ما لاقاش) مع ثقافة الزهد الصوفي وفلسفة "التوكل" الإسلامية. فالنص يستدعي إلى الذهن (دون تصريح) الآيات والأحاديث التي تحث على الرضا بالقوت، وصورة "الطير التي تغدو خِماصاً وتروح بطاناً". ويتحول الفلاح هنا إلى كائن نوراني يمارس العبادة من خلال الفلاحة.

يكمن السحر السيكولوجي الحقيقي للأغنية في حجم التناقض الصارخ بين أطراف النتاج الفني: (المغنية - الملحن - الشاعر) وبين النص ذاته. هذا التناقض يفسر نفسياً عبر الآليات التالية:

عاشت أسمهان (الأميرة الآتية من جبل الدروز) حياة صاخبة، أرستقراطية، مليئة بالصراعات السياسية، والاضطرابات العاطفية، والرفاهية المفرطة في فنادق القاهرة. وعندما تُغني للفلاح القنوع، فإنها تمارس حالة من "الهروب النفسي التام" من جحيم حياتها المعقدة والمراقبة. الغناء هنا هو محاولة "تطهير سيكولوجي". صوتها يبحث عن السلام والهدوء الذي تفتقده في الواقع، فتستعيره من شخصية الفلاحة. هذا التناقض أدى إلى استخدام صوت أوبرالي مدرَّب في الغرب (صوت أسمهان الفخم) لغناء كلمات شديدة البساطة، مما يخلق فجوة نفسيَّة عند المستمع. هذا التناقض جعل الأغنية لا تبدو "أغنية ريفية واقعية"، بل بدتْ كأنها "ترنيمة روحية صوفية" تترفع عن تفاهات الحياة المادية.

أما بيرم التونسي فهو شاعر البروليتاريا، والمطرود والمُبعد سياسيًّا وقتها، والذي عاش حياة قاسية مشبعة بالمرارة ومحاربة السلطة والإقطاع. ونلاحظ أن كتابة بيرم لهذا النص الناعم والخالي من أي نبرة احتجاجية يعتبر "استراحة نفسية محاربة". الشاعر الذي أضناه الواقع ولعن الفقر، وكتب قصيدة مشهورة ضد "المجلس البلدي" (1917)، قرَّر في هذا النص أن "يخلق واقعاً بديلاً" يجد فيه الراحة. هو لا يصف ريفًا حقيقيًّا، بل يصف ريفًا يتمناه في مخيلته النفسية ليداوي به جراحه واغترابه.

أما محمد عبد الوهاب (ابن المدينة البرجوازي ضد النغم الترابي) فكان يمثل قمة التجديد، والتغريب، والبحث عن الأناقة البرجوازية في الموسيقى (موسيقى الصالونات والبدلات الرسمية)، غير أنه في هذا اللحن، يمارس "نكوصًا نفسيًّا" رجوعًا إلى الجذور الأولى (مقام البياتي، آلة المزمار أو الأرغول المبطنة في التوزيع). إنه يعود سيكولوجيًّا إلى طفولته في حي الشعرية بالقاهرة، وإلى أصوات الباعة والفلاحين الذين يزورون المدينة، مُعيدًا صياغة هذه الذكريات بنقاء شديد يخلو من تعقيدات الموسيقى الحديثة التي كان غارقًا فيها.

وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن أغنية "محلاها عيشة الفلاح" لم تكن توثيقًا لحياة الريف، بل كانت "مستشفى نفسيًّا مؤقتًا" التقى فيه ثلاثة مبدعين مأزومين ومشتتين في واقعهم (أسمهان المعذبة، وبيرم المغترب، وعبد الوهاب القلق فنيًّا). صنعوا معًا نصًّا يتناص مع الفردوس المفقود ليعالجوا به صراعاتهم الداخلية، مما جعل الأغنية تخرج بصدق شعوري غريب يلمس المستمع حتى اليوم رغم عدم واقعيتها.

كلمات أغنية "محلاها عيشة الفلاح" لأسمهان:

محلاها عيشة الفلاح .. متطمن قلبه مرتاح

يتمرغ على أرض براح ..

والخيمه الزرقه ستراه

ياهي يه ياهي ياه ياهي ياه

دي القعده ويا الخلان .. والقلب مزقطط فرحان

تتاقلها بجنة رضوان

يا هناه اللي الخل معاه

ياهي يه ياهي ياه ياهي ياه

الشكوى عمره ما قالهاش .. ان لاقا واللا ما لاقاش

والدنيا بقرش ما تسواش

طول ماهو اللى يحبه حداه

ياهى يه ياهى ياه ياهى ياه

يا ريف أعيانك جهلوك .. وعزالهم شالوه وهجروك

لمداين مزروعه شوك

ياما بكرا يقولوا يا ندماه

ياهى يه ياهى ياه ياهى ياه

https://www.youtube.com/watch?v=UV-bcPrFfmg

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

642 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع