ذهب وعقارات ومصانع تحت الحجز.. بغداد تطارد البنية المالية لشبكات الفساد

دولارات مضبوطة في قضية وكيل وزارة النفط السابق

إرم نيوز:انتقلت حملة "الأيادي البيضاء" لمكافحة الفساد في العراق من مرحلة الاقتحامات والاعتقالات الواسعة إلى ما يشبه حرب استنزاف مالية وقضائية طويلة، تستهدف تفكيك الشبكات التي وفرت الغطاء السياسي والإداري للمتهمين، وتعقب الأصول التي جرى توزيعها بين عقارات ومصانع وذهب وشركات وحسابات مصرفية، في محاولة لتجفيف مصادر النفوذ والتمويل التي راكمتها تلك الشبكات خلال سنوات.

ويكشف مسار التحقيقات في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتهم الموقوف عدنان الجميلي عن تحول واضح في تكتيك السلطات العراقية، إذ لم تعد الإجراءات تقتصر على ملاحقة الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الاعترافات والتحقيقات، بل امتدت إلى الأموال المنقولة وغير المنقولة، والأشخاص الذين سُجلت الممتلكات بأسمائهم، والمؤسسات التي ساعدت على تمرير عمليات التسجيل والتحويل والإخفاء.

بدوره، قال مصدر مطلع لـ"إرم نيوز" إن "التحقيقات تجاوزت مرحلة الاعترافات وملاحقة المتهمين، ودخلت مساراً أكثر تعقيداً يعتمد على تتبع الأدلة الفنية والمالية التي خلفتها شبكات الفساد، بهدف الوصول إلى جميع الأطراف المرتبطة بالقضية، مهما كان موقعها".

وأوضح المصدر، الذي طلب حجب اسمه، أن "فرق التحقيق باشرت بتتبع الشيفرات والرموز التعريفية الخاصة بسبائك الذهب المستردة، فضلاً عن الأرقام التسلسلية للأموال النقدية، ولا سيما العملة العراقية الصادرة عام 2023، لمعرفة مسار انتقالها والبنوك التي خرجت منها والجهات التي تسلمتها، وصولاً إلى رسم خريطة دقيقة لحركة الأموال منذ لحظة صرفها وحتى وصولها إلى حائزيها".

وأضاف أن "هذا المسار أدى إلى توسيع دائرة المشتبه بهم بصورة كبيرة، مع دخول مسؤولين حكوميين ونواب وشخصيات أخرى على خط التحقيق، بعد ظهور مؤشرات ووثائق جديدة يجري تدقيقها من قبل الجهات القضائية".

وتابع المصدر أن "التحقيقات لم تعد محصورة داخل العراق، إذ يجري التنسيق والتواصل مع عدد من الدول بعد هروب متهمين خارج البلاد، إلى جانب متابعة الأصول والأموال التي يشتبه بنقلها إلى الخارج، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية الخاصة باستردادها".

سبائك ومصانع وعقارات
وفي أحدث الإجراءات، أعلنت محكمة تحقيق نينوى المختصة بقضايا النزاهة صدور قرارات قضائية بالحجز على تسعة عقارات تجارية وثلاثة معامل لإنتاج الطحين في مدينة الموصل، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 69 مليار دينار عراقي، فضلاً عن سبع شاحنات نقل حديثة تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 200 ألف دولار، ضمن التحقيقات الخاصة بقضية الجميلي والأطراف المتورطة معه بجرائم غسل الأموال والفساد المالي.

وفي تطور آخر أعلن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، اليوم الاثنين، استرداد 358 كيلوغراماً من الذهب بالتنسيق مع إقليم كردستان وبإشراف رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان.

وأضاف القاضي المختص أنه جرى ضبط 17 كيلوغراماً إضافياً في قضية تحقيقية أخرى، ليصل مجموع الذهب الذي تم التحفظ عليه خلال اليوم نفسه إلى 375 كيلوغراماً، قبل تسليمه إلى مدير عام دائرة الإصدار والخزينة في البنك المركزي العراقي ومعاونه، ضمن إجراءات حفظ المضبوطات واستكمال التحقيقات.

وتعمل الجهات التحقيقية، وفق المصدر، على "مراجعة الموظفين والمعاملات التي مرّت عبرها عمليات تسجيل الممتلكات وتحويل الأموال، بهدف تحديد ما إذا كان ما حدث نتيجة إهمال إداري أو مشاركة متعمدة في إخفاء الملكية الحقيقية وغسل العائدات المتحصلة من الفساد".

حرب استنزاف ضد الشبكات
ويمثل الانتقال إلى تعقب الأصول محاولة لتجنب انتهاء الحملة عند حدود اعتقال مجموعة من المسؤولين، إذ تراهن بغداد – وفق تصريحات مسؤولين - على أن مصادرة الأموال وتعطيل الموارد المالية للشبكات المتهمة سيحدان من قدرتها على استخدام النفوذ السياسي أو تمويل حملات مضادة أو تهريب المطلوبين وإخفاء الأدلة.

كما تسمح ملاحقة الممتلكات المسجلة بأسماء العمال والأقارب والوسطاء بتوسيع التحقيق إلى ما وراء الأسماء الظاهرة في العقود، وهو ما يجعل المرحلة الجديدة أكثر تعقيداً وأطول زمناً من مرحلة الاعتقالات، لاعتمادها على تحليل الوثائق والحوالات والسجلات وتاريخ انتقال الملكية، وليس على الاعترافات وحدها.

ويأتي هذا المسار بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، في ظل تصدر ملفي مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة جدول العلاقات بين البلدين، إذ تسعى بغداد إلى تقديم خطوات ميدانية تثبت قدرتها على ضبط الأموال العامة ومنع انتقالها إلى جماعات مسلحة أو جهات مرتبطة بالخارج.

وتنظر واشنطن إلى تفكيك شبكات الفساد والتمويل الموازي بوصفه جزءاً مترابطاً مع ملف حصر السلاح، خصوصاً أن الاقتصاديات التي بنتها بعض الميليشيات والقوى النافذة خلال السنوات الماضية وفرت لها مصادر تمويل مستقلة عن الموازنة الرسمية، بينما ربطت تقارير حديثة توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارات الأمريكية بتحقيق تقدم في مكافحة الفساد وتحجيم نفوذ الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة.

تجفيف منابع التمويل
من جهته، قال الباحث في الشؤون السياسية محمد التميمي إن "ما يجري حالياً لا يمثل حملة اعتقالات منفصلة، بل عملية لتجفيف منابع التمويل التي سمحت لقوى سياسية ومسلحة ببناء نفوذ مالي مواز للدولة، ولذلك تحولت الإجراءات من ملاحقة الأشخاص إلى ضرب البنية الاقتصادية التي يستندون إليها".

وأضاف التميمي لـ"إرم نيوز" أن "واشنطن لن توافق في المرحلة الحالية على استمرار الازدواجية داخل العراق، بحيث تعلن الحكومة التزامها بحصر السلاح ومكافحة الفساد، بينما تستمر أموال الدولة والعقود الحكومية في تمويل جهات تعمل خارج القرار الرسمي أو ترتبط بمشروعات إقليمية".

وأوضح أن "القوى السياسية العراقية ستجد نفسها مضطرة إلى الموافقة على جانب كبير من الشروط الأمريكية، ليس فقط بسبب الضغوط السياسية، وإنما لأن العراق يحتاج إلى الاستثمارات والتعاون المصرفي والطاقة والدعم الاقتصادي، وهذه الملفات أصبحت مرتبطة عملياً بقدرة الحكومة على ضبط المال والسلاح".

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الجدل حول مستقبل سلاح الفصائل قبيل مباحثات بغداد وواشنطن، بعدما أكدت الحكومة تحقيق تقدم في مسار حصر السلاح، فيما أعلنت فصائل رفضها التخلي عنه؛ ما جعل العلاقة بين شبكات التمويل والنفوذ المسلح أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

681 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع