
أكتب بموقف واضح من الواقع
العرب/القاهرة - صدر مؤخرا عن "دار سما" للنشر والتوزيع، العمل الروائي الجديد "أجنحة مبتورة" للكاتبة والصحافية المغربية هند الصنعاني، وهو إصدار أدبي يسلط الضوء على أشكال متعددة من العنف الممارس ضد الطفولة والمرأة.
وتعالج الرواية، من خلال مسار الطفلة روح الفؤاد، العنف الأسري باعتباره المنطلق الأول لسلسلة من الانتهاكات التي تتشكل داخل المحيط العائلي، حيث تُمارس السلطة الأبوية بوصفها حقا غير قابل للمساءلة في التحكم في الجسد والمصير. ومع تطور الأحداث، تتخذ هذه الممارسات أشكالا أكثر قسوة، من بينها الزواج القسري وسلب حق الاختيار، فيتحول البيت من فضاء يفترض فيه الأمان إلى مجال لإعادة إنتاج الخضوع وتوارث الألم تحت غطاء الطاعة والأعراف الاجتماعية.
وبأسلوب يجمع بين البوح النفسي والرؤية التحليلية، تضع الرواية القارئ أمام مساءلة عميقة للبنى الثقافية التي تكرس تعنيف المرأة عبر الأجيال، حيث يُنظر إلى المعاناة باعتبارها قدرا محتوما، وإلى الصمت بوصفه قيمة أخلاقية، بينما تتداخل مفاهيم الطهر والأنوثة والسلطة داخل سرد يكشف آليات العنف المموه بالدين والتقاليد.
وفي هذا الإطار، تحدثت الكاتبة هند الصنعاني، المقيمة بالقاهرة، موضحة الخلفيات الفكرية والإنسانية التي قامت عليها الرواية، مؤكدة أن "العمل ينطلق من تفكيك العنف الأسري باعتباره الشكل الأول للهيمنة، حين تُحرم الطفلة من الإحساس بالأمان داخل بيتها، قبل أن تتقاطع هذه الممارسات مع الزواج القسري الذي يحول الجسد الأنثوي إلى موضوع للامتلاك، في ظل سلطة أبوية تُقدم كنظام اجتماعي غير قابل للنقد".
وأبرزت الكاتبة أن الرواية تضع العنف الأسري في صلب مساءلتها، باعتباره أول أشكال القهر التي تُمارس على الطفلة داخل الفضاء العائلي، حيث تُسلب أبسط حقوقها في الحماية، ويتحول البيت من مجال للرعاية إلى بنية لإعادة إنتاج الصمت والخضوع.
الكاتبة تغوص في عوالم الطفولة والأنوثة المجروحة، كاشفة عن شبكة معقدة من القهر تمتد من الجدران الداخلية للبيت إلى بنية المجتمع
وانطلاقا من هذه الفكرة المركزية، تغوص هند الصنعاني في "أجنحة مبتورة" في عوالم الطفولة والأنوثة المجروحة، كاشفة عن شبكة معقدة من القهر تمتد من الجدران الداخلية للبيت إلى بنية المجتمع، وتشمل الزواج القسري وتجليات السلطة الأبوية باعتبارها نسقا اجتماعيا مكرسا.
كما تتناول الرواية، في أحد مستوياتها الدلالية، مسألة ختان الإناث بوصفها واحدة من أكثر أشكال العنف الجسدي رمزية واستمرارية، حيث يُمارس هذا الفعل باسم الامتثال للتقاليد، مشكلا انتهاكا مزدوجا لحق الطفلة في السلامة الجسدية والاختيار. وتدرج الكاتبة هذه الممارسة ضمن السياق ذاته لبقية أشكال القهر، باعتبارها آلية مبكرة لإخضاع الجسد الأنثوي، وتحويل الألم إلى طقس صامت يرسخ الخضوع ويخلف ندوبا نفسية عميقة، في ظل تواطؤ جماعي يُبرر بحماية الهوية أو الأخلاق.
وتضيف أن "أجنحة مبتورة" تكشف عن الترابط البنيوي بين هذه الممارسات، مبينة أن آثارها لا تتوقف عند حدود الأذى الجسدي، بل تمتد إلى تشويه الذات وإعادة إنتاج العنف عبر الأجيال، ما يجعل الطفولة والبراءة ضحيتين دائمتين لنظام اجتماعي قائم على الهيمنة والصمت.
وأضافت أن "الرواية تسعى إلى تفكيك هذا الترابط وطرح سؤال جوهري حول مسؤولية المجتمع في استمرار هذه الممارسات أو كسر دائرتها عبر الوعي ورفع الصوت"، معتبرة أن الصمت الجمعي يمثل شكلا آخر من أشكال العنف غير المرئي.
وترى الكاتبة أن الاعتراف بالألم والمواجهة الداخلية الصادقة يشكلان الخطوة الأولى نحو التعافي، مؤكدة أن أي إنجاز خارجي، مهما كان حجمه، لا يمكنه تعويض فقدان الطفولة أو جبر انتهاك حق الاختيار، مضيفة أن الأدب يظل فعلا مقاوما وأداة وعي إنسانية، قادرة على مساءلة المسكوت عنه وفتح أفق للتغيير المجتمعي، عبر السرد والكلمة واستعادة الذاكرة الفردية والجماعية.
جدير بالذكر أن هند الصنعاني هي كاتبة انطلقت تجربتها الأدبية من التفاعل الحي مع قضايا الواقع، تكتب بأسلوب يحمل طابعا وجدانيا إنسانيا، ساهمت بكتاباتها في عدد من المنابر الثقافية، مقالاتها مرتبطة بالهوية والمرأة والتحولات الاجتماعية والقضايا الوطنية أيضا، تكرس مكانتها ضمن المشهد الأدبي المغربي كصوت نسائي صادق ومؤثر، يضيف إلى المشهد بعدا من الرؤية الهادئة والموقف النبيل من الكلمة والكتابة.

1145 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع