الأحوازيون والفرصة التاريخية الضائعة

أحمد الموسى فرج

الأحوازيون والفرصة التاريخية الضائعة

الأحواز؛ إمارة عربية مستقلة أو شبه مستقلة, أسسها محمد بن فلاح بن هبة الله عام 1436م, وعرفت بـ(الإمارة المشعشعية). وفي عام 1639 وبموجب (معاهدة زهاب), اعترفت الدولتان؛الصفوية والعثمانية باستقلالها, بعد معارك طاحنة معهما. ثم انتقل الحكم فيها لبني كعب في القرن الثامن عشر, وكان آخر أمرائها هو الشيخ خزعل الكعبي لغاية عام 1925, حيث احتلها الفرس بتواطئ بريطاني خبيث, واقتادوا أميرها إلى طهران أسيرا, وبقي يرسف في أغلال الأسر أكثر من عشر سنوات حتى قتلوه غدرا سنة 1936. وتبلغ مساحة أرض الأحواز(375000)كم مربع, أي أكبر من مساحة فلسطين بـ(14) مرّة!!, ونفوسها يبلغ نحو ثمانية ملايين نسمة. وتمتد بمحاذاة الضفة الشرقية للخليج العربي, من حدود العراق الجنوبية الشرقية حتى مضيق الفاروق عمر بن الخطاب؛(هرمز المجوسي سابقا), وهي امتداد لسهل العراق الرسوبي ولا يفصلها عنه أي حاجز طبيعي, بينما تفصلها عن الهضبة الإيرانية سلسلة جبال زاكروس الوعرة.
والأحواز بالنسبة لإيران هي(الدجاجة التي تبيض ذهبا), فمنها يأتي 90% من النفط والغاز, و80% من المياه, وبدونها تبقى إيران عبارة عن هضبة قفراء وصحراء قاحلة جرداء, وقد وصفها ذات يوم الرئيس الإيراني الأسبق خاتمي؛(إيران تحيا بالأحواز). ولأجل ذلك مارست الحكومات الإيرانية في عهدي الشاه وخميني الدجال على حدٍ سواء, سياسات القمع الشديد والتغيير السكاني والتفريس ضد شعبها العربي, مستغلة رابطة(المذهب)!!, وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد بمساعدة عملائها وأتباعها من الأحوازيين الذين باعوا أنفسهم للفرس بثمن بخس, وكانوا كالأسفين في قومهم.
وبحكم مجاورتها للعراق بريّاً, استمرت الحكومات العراقية في العهد الجمهوري بشكل خاص بالمطالبة بالأحواز, وكان هذا الموضوع أحد الملفات الشائكة التي اكتنفت علاقات العراق مع الحكومات الإيرانية, وخاصة بعد عام 1968. وقد أسس العراق الجبهة العربية لتحريرالأحواز في 20 نيسان 1980, ولكنها عمليا لم تحقق اختراقا مهما على الأرض, قياسا بالتنظيمات التي أنشأتها إيران للعمل ضد العراق مثل حزب الدعوة و(فيلق غدر)وغيرهما, أو منظمة حزب(اللات)في لبنان, أو الحركة الحوثية في اليمن.
في الأشهر التي سبقت العدوان الإيراني على بلادنا الناهضة في 4-9-1980, تكرر العنوان الرئيسي(المانشيت) لجريدة الثورة الناطقة بلسان حزب البعث, عن اندلاع مظاهرات في شوارع مدينة المحمّرة وهي ترفع صور الرئيس صدام حسين. وتلك حالة غير مألوفة في الإعلام العراقي الشديد المركزية حينذاك, ولا بد أن يكون ذلك بتوجيهات عليا. وأعتقد إن تلك التظاهرات المؤيدة للعراق, قد كانت حاضرة في ذهن صانع القرار السياسي العراقي وهو يأمر جيشه بالاندفاع إلى الأراضي الإيرانية في الثاني والعشرين من أيلول, وفي تصوره إن عرب الأحواز سيقفون مع الجيش العراقي عند تحريره لأرضهم من الاحتلال الفارسي, تمهيداً لتأسيس كيانهم المستقل. ولذلك كان توغل القوات المسلحة العراقية بعمق أكثر في أرض الأحواز قياسا بتوغلها في القاطعين الأوسط ثم الشمالي لاحقا. ولكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر.
لم يجد جيش العراق التعاطف المرجو من الأحوازيين, والذين بمعظمهم وقفوا مع نظام خميني الدجال وكانوا عناصر فعالة في قواته, ومن بقي منهم في أرضه, صاروا عيونا للاستخبارات العسكرية الإيرانية الميدانية لرصد تحركات الجيش العراقي. ولم يستثمروا الفرصة التاريخية التي أتتهم على طبق من ذهب والتي قد لا تتكرر, والقيام بثورة مسلحة بمؤازرة العراق للانعتاق من الاستعمار الفارسي الذي سامهم سوء العذاب, وغلّبوا ولاءهم(الطائفي)على انتمائهم القومي العربي. والآن هم يدفعون ثمن عبوديتهم وخضوعهم وتبعيّتهم للفرس المجوس.
وبعد هذه التجربة الفاشلة,(غسلت)القيادة العراقية يدها من الأحوازيين(العرب)!!, واتجهت للـ(استثمار)في مشروع آخر أكثر جدوى وجديّة, وهو منظمة مجاهدي خلق, والتي غالب أفرادها من العنصر الفارسي, وهذه من المفارقات!!. وأقضّت هذه المنظمة مضجع نظام خميني, وتمكنت بضربة واحدة فقط في 30-8-1981, من قتل رئيس النظام(علي رجائي) ورئيس وزرائه(جواد باهنر), وشكلت صداعا مزمنا للنظام الإيراني على امتداد أكثر من عقدين من الزمن. بل كادت أن تسقط حكم الملالي في عملية(الضياء الخالد) في تموز 1988, ولكن العملية لم تنجح, إذ إن نظام خميني الدجال بعد هزيمته الساحقة أمام العراقيين وانهيار جيشه وحرسه, شعر بأن السكين باتت على(وتين)رقبته, فدفع بكل ما يملك من احتياطات, حتى إنه استعان بحمايات المسؤولين الإيرانين ومعهم حثالاته من(فيلق غدر), لمواجهة عناصر المنظمة الشديدي المراس, والذين وصلوا في زحفهم لمشارف مدينة كرمنشاه وهم في طريقهم إلى طهران, قبل انكفائهم.
ويبدو إن الفترة الزمنية الطويلة التي خضع فيها الأحوازيون للاستعمار الفارسي, قد مسخت عروبة الكثير منهم وتطبّعوا بأمراض الشخصية الفارسية, مثل؛ الكذب والتلوّن والمراوغة والنفاق,...الخ, وتفشّى التشيّع الفارسي بينهم, والذي يقوم على بُغض العرب وتكفير المسلمين, وسبّ ولعن الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين(رضي الله عنهم جميعا), مما أدى لاضمحلال انتمائهم العربي ولغتهم العربية, وكانوا سلاحا فعالا بيد النظام الإيراني. ووفقا لما رواه عدد من الأسرى العراقيين العائدين من أقفاص الأسر الخمينية, إن المجندين الأحوازيين في الجيش الإيراني كانوا أقسى عليهم من سواهم من القوميات الإيرانية الأخرى؛ كالكُرد والبلوش, بل كانوا أكثر قسوة حتى من بعض الفرس أنفسهم.
ويكشف الفريق نزار الخزرجي في كتابه؛(الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988/ مذكرات مقاتل), إنه اقترح على الرئيس صدام حسين بعد عملية توكلنا على الله الثالثة في تموز 1988, انتهاز فرصة الانهيار الإيراني ودفع ثلاثة فيالق من الجيش بالإضافة لفيلق الحرس الجمهوري, والسيطرة على كامل أرض الأحواز بعملية عسكرية صاعقة وسريعة ومن عدة محاور, لتجريد الإيرانيين من مصادر قوتهم من النفط والمياه, وإنه باستطاعته اتمام هذه العملية خلال أسبوع واحد فقط. وأصغى الرئيس جيدا لما قاله رئيس أركانه, ولكنه لم يعطِ رأيه بالرفض أو الموافقة, وأبقى الباب موارباً أمام تنفيذها, وطلب منه كتمان الأمر, قائلا له؛ لا تحكي هذه الخطة حتى في الحلم!!.
وكان من شأن تلك العملية فيما لو نُفّذت وحالفها التوفيق, أن تُضعف إيران وتجعلها دولة ثانوية, وبالمقابل تعزّز رصيد العراق وتمنحه قوة مضافة لقوته, وموقع استراتيجي متميز واطلالة واسعة على الخليج العربي تعوضه عن ساحله الضيق وشبه المغلق. ولكن تلك الخطة لم ترَ النور, بسبب تسارع الأحداث ورضوخ خميني الدجال صاغراً لقرار مجلس الأمن 598 وتجرعه(كأس السمّ), والضغوط الدولية على العراق للانصياع لوقف اطلاق النار. وصُرف النظر عن تلك الخطة الطموحة والجريئة, والتي لو تحققت لتغيّر مجرى تاريخ العراق والمنطقة وأحداثها اللاحقة. وبذلك ضاعت فرصة تاريخية ثمينة على العراقيين والأحوازيين, على حدٍ سواء.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

520 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع