الفيدرالية في دولة العراق المأمولة: بين استعادة التاريخ وبين إعادة إنتاج التجزئة

إبراهيم فاضل الناصري

الفيدرالية في دولة العراق المأمولة:بين استعادة التاريخ وبين إعادة إنتاج التجزئة

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة مطلع القرن العشرين، لم تتوقف النقاشات حول طبيعة النظام السياسي الأنسب لحكم بلد يتسم بتنوعه العرقي والديني والثقافي. ومع تعاقب الأنظمة وتبدّل السياسات، بقيت مسألة "شكل الدولة" ـ مركزية أم اتحادية ـ إحدى أكثر القضايا إلحاحًا وإثارة للجدل. ففي حين يرى بعضهم في الفيدرالية فرصة لإعادة التوازن بين المركز والأطراف وتحقيق قدر من العدالة في توزيع السلطة والثروة، يتوجّس آخرون منها، معتبرين إياها مدخلًا لتفكيك الدولة وتمزيق نسيجها الوطني.
في هذا السياق، يطرح هذا المقال مقاربة مختلفة: فالفيدرالية ليست اختراعًا مستوردًا يُفرض على الواقع العراقي، بل يمكن النظر إليها كاستئناف لواقع تاريخي عرفه هذا البلد منذ فجر الحضارة. فهل يمكن للفيدرالية أن تكون مدخلًا لتجاوز أزمة الدولة المركزية المتجذّرة؟ أم أنها ستعيد إنتاج التجزئة، ولكن بأدوات معاصرة؟ وبين هواجس التقسيم وطموحات الشراكة، كيف نعيد قراءة التاريخ ونستلهمه لبناء مستقبل عراقي متوازن؟ هذا ما يسعى المقال إلى تفكيكه وتحليله.
ليست الدولة الاتحادية، أو الدولة المؤلفة من أقاليم متحدة، مشروعًا طارئًا على البنية السياسية العراقية، ولا صيغة هجينة مستوردة تهدّد وحدة الوطن، كما تصوّرها بعض القراءات المتوجسة. بل هي، في جوهرها، آلية تنظيمية لتوزيع السلطة، يُعاد من خلالها بناء العلاقة بين المركز والأطراف على أسس الشراكة والعدالة والمواطنة، لا على الهيمنة والإقصاء. إنها ليست نقيضًا للوحدة، بل أحد أشكالها الحديثة، الأكثر انسجامًا مع واقع التنوع المركّب الذي يميز العراق.
ولعلّ تسميات مثل "بلاد ما بين النهرين" أو "بلاد الرافدين"، على عمق دلالاتها الحضارية والجغرافية والتاريخية، لم تُعبّر يومًا عن كيان سياسي موحَّد ومركزي بالمعنى الحديث، بل ظلّت تعكس فضاءً حضاريًا واسعًا قام على تنوع سياسي وثقافي غني. لقد نشأت هذه الحضارة العريقة من تفاعل دويلات مدن وممالك وإمارات مستقلة، توحّدت أحيانًا تحت سلطة واحدة، وازدهرت أحيانًا أخرى ضمن تحالفات مرنة تقوم على الاعتراف المتبادل بخصوصية كل كيان.
السومريون، والأكاديون، والبابليون، والآشوريون، لم يُقصِ بعضهم بعضًا، بل أسهموا معًا في بناء حضارة تعددية اتخذت من التنوع ركيزة، ومن التفاعل بين المكوّنات قوة دفع. لذلك، فإن الدعوة اليوم إلى "إقلمة" العراق، أي تحويله إلى دولة اتحادية قائمة على أقاليم ذات هويات سياسية وإدارية واضحة، ليست بدعة تاريخية ولا مشروعًا تفكيكيًا، بل استئناف عقلاني لنموذج تاريخي كان حاضرًا في أزهى عصور العراق حضاريًا واقتصاديًا.
لكن، في الوقت ذاته، لا يجوز التعامل مع هذا التاريخ كمستند حاسم لتبرير أي صيغة فيدرالية او اتحادية مطروحة اليوم؛ فدويلات المدن القديمة لم تكن تعبيرًا عن وعي سياسي حديث، ولا تجارب مكتملة للدولة الوطنية، بل كانت تعبيرًا عن واقع ما قبل–دولتية، حيث مفاهيم السيادة والمواطنة والدستور لم تكن معروفة أو مطبّقة. لذا، فإن العودة إلى تلك النماذج لا يجب أن تُفهم كدعوة لتكرارها، بل كمصدر لإلهام فلسفة سياسية معاصرة تُثمّن التعدد وتعيد تنظيمه ضمن مؤسسات ضامنة للعدالة والتمثيل.
أما الدولة المركزية اللافدرالية التي وُلدت في العراق الحديث، منذ التأسيس الملكي مرورًا بالجمهوريات والانقلابات، فقد اتسمت ـ رغم شعارات الوحدة ـ بطابع فوقي شمولي، قائم على احتكار السلطة والثروة في يد المركز، وتهميش الأقاليم والمكونات. هذا النموذج، وإن أظهر تماسكًا خارجيًا، فقد عمّق الشروخ داخليًا، وراكم مشاعر التهميش واللاعدالة، وأسهم في تآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها.
من هذا المنطلق، تظهر الفيدرالية كخيار سياسي لإعادة تأسيس الدولة على أسس تعاقدية جديدة. فهي لا تهدف إلى تقويض المركز، بل إلى ضبط سلطته ضمن حدود الشرعية والمساءلة، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل جميع المكونات دون إقصاء. غير أن هذا النموذج، لكي ينجح، لا بد أن يُبنى على إرادة وطنية جامعة، ومؤسسات قوية، وعدالة قضائية، وإدارة شفافة للموارد، لا أن يُختزل في منطق المحاصصة الطائفية أو الجهوية، التي تُحوّله من آلية للحل إلى أداة للصراع.
كذلك، لا ينبغي أن تُؤخذ الفيدرالية كحل جاهز لكل الأزمات، بل كإطار يتطلب بيئة سياسية ناضجة، وعقدًا اجتماعيًا يضمن أن تكون العلاقة بين الأقاليم والمركز علاقة تكامل لا صراع، وشراكة لا تنازع على الشرعية. فالفيدرالية لا تضمن الوحدة بذاتها، لكنها تتحول إلى مشروع وطني ناجح فقط حين تكون جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة على أسس دستورية ومؤسساتية عادلة.
وإذا كان دعاة الفيدرالية يستشهدون بتاريخ أور وبابل ونينوى كدليل على التعدد الخلّاق، فإن التاريخ نفسه يخبرنا أن أبرز لحظات القوة والاستقرار جاءت على يد حكام مركزيين أقوياء، مثل سرجون الأكدي، وحمورابي، وآشور بانيبال، الذين لم يُلغوا التعدد، بل نظّموه وفعّلوه ضمن سلطة جامعة. وهذا يبرز الحاجة إلى توازن دقيق بين مركز فاعل وأطراف قادرة، لا انتصار أحدهما على الآخر.
إذن، فالتحدي اليوم لا يكمن في شكل الدولة بقدر ما يكمن في روحها. هل نريد دولة تتحكم في مواطنيها من فوق، أم دولة يشارك مواطنوها في صياغة قراراتها من القاعدة؟ هل نريد وحدة تُفرض بالقوة، أم وحدة تُبنى بالرضا والعدالة؟ هذه الأسئلة تتجاوز الصيغة الإدارية، مركزية كانت أم اتحادية، إلى جوهر المسألة: بناء دولة عادلة، تمثل الجميع، وتُدار لصالح الجميع.
في هذا السياق، يمكن للفيدرالية أن تكون أداة لبناء عراق جديد: عراق يعترف بتنوعه لا ينكره، يوحّد مكوّناته دون قسر، ويعيد الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. لكنها قد تتحول، إن أُسيء توظيفها، إلى مدخل لانقسام دائم، إذا ما تأسست على أسس الهوية الضيقة، لا على أساس المواطنة المتساوية.
إن استدعاء التجربة الرافدينية لا يجب أن يكون مجرّد استشهاد رمزي، بل مدخلًا للتفكير في كيفية تحويل التعدد من مصدر للانقسام إلى مصدر للإبداع، ومن عبء سياسي إلى رافعة حضارية. فليس المطلوب إعادة إنتاج الماضي، بل استخلاص الدروس منه لبناء دولة حديثة، عادلة، ومتوازنة.
وفي المحصلة، لا تُقاس شرعية النظم السياسية بمدى تقليدها للتاريخ، ولا بمدى حداثتها الشكلية، بل بقدرتها على خدمة الإنسان، وصون كرامته، وضمان مشاركته. الفيدرالية ليست ضمانًا للوحدة، لكنها أيضًا ليست تهديدًا لها. وحدها الإرادة الوطنية الواعية، والعقد الاجتماعي القائم على الإنصاف، يمكن أن يحوّلها من مشروع مشكوك فيه إلى استحقاق تاريخي لا مفرّ منه.
إن مستقبل العراق لا يُبنى على مجرد صيغ إدارية أو نماذج مؤسساتية مستعارة، بل على إرادة وطنية تعترف بالتنوع وتحوله إلى ركيزة قوة لا مصدر ضعف. فالفيدرالية، كما حاول هذا المقال أن يبيّن، ليست خيارًا تفكيكيًا بالضرورة، ولا ضمانة تلقائية للوحدة، بل أداة تنظيمية يمكن أن تسهم في بناء دولة عادلة ومتوازنة، إذا ما تأسست على مبادئ المواطنة والعدالة والشراكة. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في "الشكل" الفيدرالي أو المركزي، بل في "جوهر" الدولة التي نريد: هل هي دولة تُمثّل مواطنيها كافة، وتُدار لصالحهم، أم كيان يُعيد إنتاج الهيمنة والإقصاء؟ الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحسم ليس فقط مصير الفيدرالية، بل مصير العراق نفسه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1013 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك