
نزار السامرائي
حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية
4
يعتقد بعض المراقبين أن الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في حزيران عام 2025، كانت مصممة لكي تنتهي بالشكل الذي يتيح لكل طرف أن يقول إنه انتصر وحقق كل أهدافه منها، فإيران التي تؤمن إيمانا مطلقا أن مجرد بقاء نظامها الراهن هو الاستثمار المقدس، الذي يستحق كل ما يُقدم من أجله من تضحيات بشرية ومادية استنادا إلى قول منسوب للخميني جاء فيه "إن حماية النظام من أوجب الواجبات"، خرجت من هذه الحرب وهي أكثر يقينا على قدرتها في التكيّف مع كل ظرف يتطلبه ذلك، حتى لو استجابت لكل الشروط التي يطلبها المجتمع الدولي منها، معتمدة في ذلك على خزين قديم من الخبرة على المناورة والمماطلة والتسويف، وهذه حقائق يعرفها عنها البعيد من الدول والقريب، لكن اللافت أن كثيرا من تلك الدول التي اكتوت بنيران نكث طهران للاتفاقيات الثنائية، ما زالت على استعداد لتجربة حظها والدخول في مفاوضات بلا هدف وبلا سقوف زمنية، مع ثعالب لا تحسن شيئا مثل خبرتها في المناورة والخداع.
كل هذا كان يحصل للجميع عن طيب خاطر واستعداد لطي صفحات الماضي، وصفحات نسيان الغدر التي وقع ضحيتها كثير من الدول الإقليمية، استنادا إلى مبدأ حسن الجوار الذي يقرر أن جميع المتجاورين لا مناص لهم ولا خيار، إلا تطبيع العلاقات على الحد الأدنى من التنازل عن الحقوق الصغيرة، ولكن إيران كانت على الدوام هي الطرف الرابح في كل صفقة يتم إبرامها ثنائياً أو جماعياً، ذلك أن إيران تمتلك أعلى شهية لقضم أراضٍ جديدة لتحسين مركزها الاستراتيجي، ونهماً للحصول على المزيد من التنازلات، ومع كل تلك التجارب التي ما زالت ماثلة للعيان، وقعت بعض القوى الدولية بما فيها الدول الكبرى ضحية لقدرة المناورة وإعطاء التعهدات لتقديم أفضل ما لديها من عروض سياسية واقتصادية مكتوبة أو على موائد الحوار، وعلينا أن نقرّ أن ارتكاب أي خطأ من قبل الدول الكبرى في ما تعقده من اتفاقيات مع إيران اعتقادا منها أنها قادرة على ترجيح كفتها التفاوضية مع طهران، إلا أن تلك الدول ترى في بعض الأحيان أن التزامها بالمواثيق الدولية دليل على أن معيار الرقي يكمن في احترام قواعد القانون الدولي وليس الخروج عليها، ومع أن أكثر من رئيس أمريكي قال إن "إيران لم تكسب حربا ولم تخسر مفاوضات"، لكن واشنطن استخدمت هذه المقولة لتبرير اخفاقاتها في كثير من صفحات علاقاتها مع إيران، وهي أي الولايات المتحدة أعطت لإيران دفعة معنوية للمضي في هذا النهج المتعالي ونشوة الإحساس بعبقرية المفاوض الإيراني وقدرته على وضع مفاوضي الدول الأخرى في موضع العاجز عن تحقيق أي خرق في جدار المنعة الإيراني العصي على الاقتحام.
وطيلة عقود كانت الولايات المتحدة أكثر دول العالم اندفاعا في تأمين مصالح إيران الاستراتيجية، رغم كل حالة العداء المتبادل، والأوصاف التي تطلق على أمريكا في الشارع الإيراني بأوامر من الزعامة الإيرانية التي ترفع لواء العداء للاستكبار العالمي وخاصة مع الشيطان الأكبر، في حين أنها ظلت تحافظ على خيوط متينة من التواصل مع واشنطن في أكثر الأوقات توترا معها، ويبدو أن ما كان قد قاله باراك حسين أوباما في وصف الحضارة الفارسية بأنها حضارة متكاملة الأركان ومتفوقة وتستحق الإعجاب، على خلاف العرب الذي يحملون تراكماً من التخلف والبداوة المتوارثة، بل ويريدون من الولايات المتحدة أن توفر لهم مظلة الحماية من أخطار حقيقية أو متصورة.
ونتيجة الأخطاء التي ارتكبها ترمب في ذروة المواجهات، وخاصة عندما أعلن عن وقف اطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه إيران على وشك السقوط، بادرها من تلقاء نفسه وألقى إليها بقارب النجاة في أشد حالات اختناقها، بدلا من استثمار الفوز وتطوير الهجوم الشامل، وهذا أحد أهم المبادئ التي يجب أن يعتمدها المتحاربون عندما تلوح بالأفق مؤشرات على قرب انهيار العدو، وذلك بإدامة زخم المعارك وتطويرها للضغط على العدو حتى يفقد ارادة القتال، وهنا علينا أن نسأل عدة أسئلة كي تتبين الصورة جلية عن أهداف بدء الحرب في منتصف عام 2025 وبداية عام 2026، وهل هناك مؤشرات على أن إسرائيل هي التي استدرجت الولايات المتحدة إلى الحرب وورطتها فيها استنادا إلى وهم أكد زيف هذه الفرضية فيما بعد، من أن النظام الإيراني آيل إلى السقوط، بمجرد ضرب بعض المرتكزات الأساسية له، لا سيما الخط القيادي الأول لزعامته الدينية والسياسية والعسكرية، فتم ترحيل ثلاثة خطوط قيادية في البلاد دفعة واحدة وبضربة إسرائيلية واحدة، ومع لم يسقط النظام، وهذا هو الذي أدخل الرئيس الأمريكي إلى نفق مظلم من القلق الذي لا ينسجم مع مواصفات رئيس دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، عندما عجز عن قراءة المشهد السياسي والعسكري استنادا إلى معلومات حقيقية من مصادر الاستخبارات الأمريكية نفسها وإخضاعها للدراسة والتحليل من جانب كبار المتخصصين الاستراتيجيين الذين تزدحم بهم الجامعات الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية فضلا عن مجلس الأمن القومي، فمن لحظة الانكسار النفسي التي عاشها ترمب، بدأت قرارات الحرب تتضارب، وربما صارت قيادة القوات العاملة في المنطقة تتلقى في اليوم الواحد أكثر من عشرة قرارات ثم يتم إلغاؤها بعد دقائق معدودات، وهذا وحده كفيل بخلق حالةٍ من عدم اليقين وانعدام الرؤية الواضحة في منظومة القيادة والسيطرة.
فإذا كان نتنياهو قد أوقع ترمب في فخ خوض حرب غير معروفة الأهداف وغير محسوبة النتائج، فهل ذلك يدل على ضعف الشخصية القيادية لترمب أمام نتنياهو؟ أم يدل على أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم تدار من خارج الحدود؟ وهنا يكون من حق المراقب أن يستنتج أن ترمب الذي صار رهينة بيد نتنياهو، أقدم على خطوات في غاية الانفعال لإثبات عكس تلك الصورة النمطية المأخوذة عن معظم رؤساء الولايات المتحدة من أنهم أدوات تحركها الحركة الصهيونية، عند ذاك سنجد المبرر الذي دفع ترمب لإصدار أوامره لنتنياهو بإرجاع طائرات حربية إسرائيلية كانت على وشك أن تنقضّ على أهداف إيرانية، منها ما يتعلق بمقار حصينة لزعامات دينية ومنها ما يتعلق بضرب منشآت اقتصادية كمحطات تصدير النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربية أو ضرب أهداف استراتيجية لها صلة بخطوط الامداد الحربي مثل طرق المواصلات والجسور، وكأن ترمب كان ينفس عن حالة احتقان بات يعيشها بسبب إضاعة طريق إنهاء معركة لم يخطط لها كما ينبغي، وتؤكد عجز منظومة الاستخبارات الأمريكية عن معرفة الطافي من قوة النظام الإيراني والغاطس منه.
الولايات المتحدة أكدت عبر تاريخ طويل من علاقاتها مع إيران الشاه، على دعمها في كل المحافل والمحاور، وخاصة في كل ما من شأنه تعزيز قوتها العسكرية على حساب دول الخليج العربي والعراق، وعلى الرغم من سقوط الشاه ومجيء نظام ثيوقراطي راديكالي يتخذ من شعار الموت لأمريكا منهاجا على مستوى الشارع وعلى مستوى السلوك الرسمي، وعلى الرغم مما تركته عملية احتجاز أكثر من خمسين دبلوماسيا أمريكيا في مبنى سفارة بلادهم في طهران لمدة 444، فإن واشنطن كانت على استعداد للتنازل عن حقوقها من أجل ألا تفلت "هذه الجوهرة الثمينة" من يديها، وهنا لا بد من التأكيد بأن أوباما لم يكن يُلقي محاضرة على طلابه في جامعة هارفارد ثم يمضي في سبيله، ولم يعبّر عن رأي شخصي لرجل رومانسي في لحظةٍ عاطفية حالمة، عن إعجابه بحضارة فارس، وتوجيه الطعن للعرب وإنكار حضارتهم، ولم يكن شاعرا مفتونا بمآثر فارس جاء ليُلقي قصيدة ويغادر القاعة، بل هذا موقف راسخ لدى راسمي الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وضع للمستقبل كما كان تعبيرا عن صورة من الماضي، حتى يثبت العكس.
ولو غادرنا فارس قليلا، لألفينا أمة أخرى وهي "الأمة الأمريكية"، تحمل من الأفكار المتعالية في تعاملها مع دول المنطقة بل مع دول العالم بما فيها دول أوربا التي أقام مهاجروها الأوائل الصرح الذي تتباهى به الولايات المتحدة اليوم، وإن كان هذا في موازين الحاضر من الأخطاء الفادحة، لأن لغة المصالح هي التي تحدد مسار العلاقات بين الدول مجتمعة أو على المستوى الثنائي، ويبدو أن العرب أمة لا تستطيع التخلي عن شيء مما ورثته من الآباء والأجداد، ولو أن زعماء العالم بمن فيهم زعماء أمريكا قرأوا تاريخ المنطقة بصورة منهجية مستفيضة، لما أوقعوا أنفسهم في هذا المطب المعرفي المعيب، ولما وضعوا حجر عثرة في مصالح بلادهم نتيجة جهلهم، مع أن كثيرا من المسؤولين الأمريكيين يفكرون أن العرب سريعو النسيان وعلى استعداد للتسامح مقابل بيت شعر واحد في مديح بلد ما أو زعيمه، ثم يبدون الاستعداد لفتح الخزائن أمام كل متسول أو متفوق يريد فرض الجزية.
الدول الغربية والشرقية على حد سواء تنظر إلى إيران ككيان منفصل عن النظام الذي يحكم فيه، لأنها تعرف أن إيران أتقنت لعبة الأمم كما ينبغي وتتعامل بلغة المصالح في عصر تميّز بالصراع بين الكبار وتعمد ألا يترك مكانا للدول الصغيرة في التنافس على الثروات بما فيها ثرواتها الوطنية، ومهما ارتفعت حرارة الشعارات المدوية في المدن الإيرانية، هناك صوت واحد يدير المشهد وفي لحظة واحدة يستطيع اسكات كل الأصوات، ولنا في تجربة ما تم الاتفاق بين الولايات المتحدة ودولة الولي الفقيه، فعلى الرغم من العداء الذي بدأ الإيرانيون صفحته الأولى، بمجرد أن تم التوقيع على مذكرة التفاهم بوساطة باكستانية، أعلن في طهران عن وقف رفع أية شعارات تثير الكراهية بين البلدين، هذا كله في الجانب الإيراني، فماذا سنرى في الجانب العربي؟
هناك اثنان وعشرون صوتا يمكن أن يسمعها أي مفاوض دولي مع العرب، وقد تكون المواقف متصادمة أكثر مما هو قائم بين عدوين، فلا أحد على استعداد أن يتنازل لشقيقه عن اليسير مما يظنه حقا تاريخيا له، وهناك حالة من الاستقواء بين الدول العربية باللجوء إلى قوى خارجية للتأثير على مواقف دول عربية أخرى، وأجواء التنافس هذه لم ينجح ميثاق الجامعة العربية ولا معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولا اتفاقيات تأسيس المجالس الإقليمية الفرعية، مثل مجلس التعاون الخليجي، ولا اتفاقية تأسيس الاتحاد المغاربي، وكذلك الحال مع مجلس التعاون العربي، في وضع حد لها والتقريب بينها أو التنسيق فيما بين الأعضاء للحصول على النتائج الملبية للحد الأدنى من متطلبات المصلحة الوطنية والقومية، وبقي الخطاب الرسمي العربي موزعا على اثنين وعشرين بلدا، ولم تنجح كل المحاولات التي بذلت من أجل تقريب وجهات النظر على عشرات القضايا المطروحة على بساط البحث مع الأطراف الخارجية، وهذا يجعل من التعاون الاقتصادي والفني بين دول العالم مع دولة واحدة أيسر بكثير، ولو ألقينا نظرة على أكثر التكتلات العربية انسجاما وهو مجلس التعاون الخليجي لرأينا أن دول المجلس اختلفت بعد وقت قصير من تأسيسه على قضايا رئيسية، لعل أهمها تأسيس مجلس نقد مشترك لدول المجلس وإصدار عملة واحدة، فالمملكة العربية السعودية رأت أنها بحكم كونها الدولة الأكبر في قوة اقتصادها، أنها أولى باستضافة مجلس النقد الخليجي المقترح، لكن الإمارات العربية أصرت على جعل المقر في "أبو ظبي"، وما زالت الإمارات تحاول إظهار اختلافها مع الجميع، ولعل آخر سلوك هو خروجها من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، أما سلطنة عمان فإنها عضو في مجلس التعاون الخليجي وربما ينظر البعض إلى هذه العضوية على أنها العضوية المفروضة، ويرى كثير من المراقبين أنها جلست في المكان الخطأ، ربما كان في ذلك مداراة لحرج استشعرته في حال بقائها خارج هذا الوعاء الخليجي في بداية تشكيل المجلس، بعد فترة وجيزة من نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، والذي قيل إنه تشكل ليستبعد العراق، كي يعلن أنه طرف غير معني بالنزاع الناشب على مقربة خزان النفط الرئيس في العالم.
وإذا عُدنا إلى الأمس القريب فإننا سنرى موقفا أثار تساؤلات عن مدى الانسجام داخل مجموعة كانت تصرّ على أنها أكثر البيئات العربية انسجاما واقتربا من العادات والطبائع البشرية، فبعد الانقلاب الذي قاده الحوثيون في اليمن، انسحبت قطر في وقت مبكر من التحالف العربي الداعم للشرعية، بل وأظهرت ميلا إلى جانب الحوثيين، تم التعبير عن مفرداته في تغطية قناة الجزيرة الفضائية لمجريات الحرب، وخاصة ما حصل في تغطية أخبار ميناء الحديدة اليمني، إذ كانت قد عُرضت في قناة العربية صور من سيطرة قوات الشرعية بدعم من التحالف العربي على الميناء، ولكن قناة الجزيرة كانت حريصة على دحض تلك المشاهد، أما ما جرى من توترات بين قطر والبحرين في مرحلة سابقة من القرن الماضي حول عائدية جزر "فشت الديبل" والتي من بينها جزيرة اسمها جزيرة "حوار"، أذكر أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي حينذاك، توسط بين الطرفين وقال كلمة معبرة "يجب أن يكون جهدنا لحل الأزمة منسجما مع اسم الجزيرة"، على العموم هذه الإشكاليات الفرعية بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، تلخص الخلافات البينية التي كانت مثل قنبلة موقوتة تهدد استمرار المجلس على قيد الحياة.
من هذا كله يمكن أن نستخلص نتيجة واحدة، وهي أن العرب منقسمون على أنفسهم وأن وحدتهم تظهر في المواقف المعلنة لا غير، وأن العالم سيظل يستخف بهم كما ظهر في الحرب الأخيرة عندما تعاملت معهم إيران على أنهم الضلع الأوهن في معادلة الحرب والسلام، وأنهم آخر من يؤخذ رأيه فيهما.

638 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع