
سعد عبد المجيد ابراهيم
من ندرة العلم إلى وفرة الشهادات… ماذا حدث للتعليم العالي في العراق؟
عندما تأسست الدولة العراقية الحديثة في مطلع القرن العشرين، لم يكن عدد السكان يتجاوز بضعة ملايين نسمة، وكانت الأمية واسعة الانتشار نتيجة تراكمات العقود السابقة ومحدودية الخدمات التعليمية. وكان من يجيد القراءة والكتابة يُعدّ جزءاً من النخبة، فاستعانت الدولة الناشئة بكل من امتلك علماً ومعرفة للإسهام في بناء مؤسساتها. كان العلم آنذاك ثروة نادرة، فتبوأ أصحابه مواقع قيادية، وأسهموا في وضع اللبنات الأولى للدولة ومؤسساتها الإدارية والخدمية.
أما اليوم، وبعد أن تجاوز عدد السكان أربعة وأربعين مليون نسمة، وانتشرت الجامعات في مختلف المحافظات، فقد تضاعف عدد الخريجين وحملة الشهادات العليا بدرجة غير مسبوقة، حتى عجزت مؤسسات الدولة وسوق العمل التقليدي عن استيعابهم، وامتدت البطالة والتعطل عن العمل لتشمل حملة الماجستير والدكتوراه.
لقد شهد العراق، عبر العقود الماضية، ولا سيما في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حركة ابتعاث واسعة أوفدت آلاف الطلبة إلى أرقى الجامعات العالمية في أوروبا وأمريكا. وعاد أولئك المبتعثون ليؤسسوا مدارس علمية رصينة أسهمت في بناء الجامعات العراقية وترسيخ مكانتها إقليمياً وعالمياً.
كان الطموح العلمي والبحث عن الحقيقة من أبرز دوافع ذلك الجيل؛ إذ نظروا إلى درجة الدكتوراه بوصفها بداية لمشروع بحثي وأكاديمي طويل، لا مجرد شهادة مسلكية أو وسيلة للحصول على ترقية وظيفية. وبعد أن كانت الجامعات تعتمد في بداياتها على أساتذة عرب وأجانب، أصبحت تعتمد على كفاءاتها الوطنية التي أخرجت علماء وباحثين تركوا بصمات واضحة في مختلف العلوم، وشهد العراق على أيديهم نهضة علمية استمرت عقوداً.
وكان الأستاذ الجامعي العراقي يحظى آنذاك بمكانة اجتماعية مرموقة؛ لما عُرف عنه من علم رصين، ونزاهة أكاديمية، وإخلاص في أداء رسالته. ورغم الظروف المعيشية الصعبة وقلة الموارد التي رافقت أزمات متعاقبة، لم تثنِ تلك الظروف الأكاديميين عن مواصلة التدريس والبحث العلمي والإشراف الدقيق على طلبتهم، إيماناً منهم بأن الرسالة الأكاديمية أسمى من المكاسب المادية المؤقتة. وقد أثمرت تلك الروح جيلاً من الخريجين أسهم في بناء الدولة وتأسيس بنيتها التحتية والعلمية والفكرية، وترك إرثاً علمياً استمرت الأجيال في الاستفادة منه.
إن الحصول على الشهادة العليا يفترض أن يمثل نقطة انطلاق لمسيرة علمية تتحدد ملامحها وفق الهدف الذي يسعى إليه صاحبها. فهناك من يراها رسالة علمية؛ فتكون مناقشة الأطروحة بداية لمسيرة من العطاء، ومواصلة البحث والنشر العلمي، مدركاً أن مكانة الباحث لا تُقاس باللقب الذي يحمله، وإنما بما يضيفه إلى المعرفة الإنسانية من أفكار واكتشافات وحلول.
وفي المقابل، هناك من ينظر إلى الشهادة بوصفها أداة نفعية لنيل لقب اجتماعي، أو ترقية وظيفية، أو منصب إداري، فتتوقف مسيرته العلمية بمجرد صدور الأمر الجامعي. وهنا تتحول الشهادة من «محطة انطلاق» إلى «خط نهاية».
ومع هذا التوسع الكبير في أعداد الجامعات والخريجين وحملة الشهادات العليا، يبرز سؤال جوهري: هل انعكس هذا التوسع العددي على جودة التعليم الجامعي ومستوى الخريجين؟ وأين تكمن المشكلة الحقيقية؟
يلمس المتابع للشأن الأكاديمي تراجعاً في المستوى العلمي لخريجي بعض الجامعات الحكومية والأهلية. فقد تحولت الحاجة المتزايدة إلى التعليم العالي، مع تصاعد الطلب المجتمعي على «الشهادة»، إلى توسع كبير في معدلات القبول وافتتاح أعداد متزايدة من الجامعات والكليات الأهلية، لا يمتلك بعضها المقومات الأساسية التي تؤهلها لتقديم تعليم جامعي رصين، ولا سيما في التخصصات العلمية والتطبيقية. ولم يقتصر هذا التوسع على الكليات الإنسانية، بل امتد إلى التخصصات الطبية والصحية، ومنها الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والتحليلات المرضية، وهي تخصصات شهدت توسعاً كبيراً قد يتجاوز في بعض الحالات الطاقة الاستيعابية والاحتياج الفعلي لسوق العمل. ويبدو أن أحد دوافع هذا التوسع يتمثل في العائد الاستثماري للمؤسسات التعليمية الأهلية؛ فبينما ازدادت أعداد الطلبة والعوائد المالية، لم تواكب بعض المؤسسات ذلك بالمستوى نفسه من التطور في البنية التحتية والمختبرات والتجهيزات والكوادر التدريسية المتخصصة، الأمر الذي ينعكس في النهاية على جودة التعليم ومخرجاته.
ومثلما لم تنعكس الزيادة العددية بالضرورة على مستوى الخريجين، لم يظهر أثرها التراكمي بالشكل المتوقع في معالجة المشكلات الوطنية من خلال البحث العلمي والإنتاج الفكري والتطبيقي.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية هذا الواقع؛ فكم من باحث موهوب ومبتكر أُجهضت قدراته بسبب بيئة أكاديمية تفتقر إلى المختبرات المتقدمة، والتمويل الكافي، والتجهيزات التكنولوجية الحديثة. فالبيئة العلمية السليمة هي التي تصنع الباحث، وتمكّنه من مواصلة العطاء، وتوفر له حرية التفكير والبحث والابتكار.
والعالم الحقيقي يُعرف بسعيه المستمر إلى إنتاج المعرفة الأصيلة، والتزامه بأخلاقيات البحث العلمي. ولأن العلم رحلة تراكمية لا تتوقف، فإن الباحث الحقيقي يزداد تواضعاً كلما اتسعت معارفه، ويبقى مستعداً لمراجعة آرائه متى ما قام الدليل العلمي على خلافها.
ومن هنا تتجلى أهمية النزاهة العلمية، القائمة على الأمانة في نقل النتائج، واحترام الملكية الفكرية، والالتزام بقواعد البحث العلمي. فالعلم في العصر الحديث هو منظومة متكاملة تتطلب بيئة تحترم الحرية الأكاديمية، وتوفر التمويل والدعم المؤسسي، وتشجع التعاون والابتكار.
ولم يقتصر الخلل على اختزال الشهادة في لقب وظيفي، لكنه تعدى ذلك إلى استفحال ظاهرة الشهادات المزورة، سواء من جامعات غير معترف بها أو من خلال شراء للأطاريح والبحوث في السنوات الأخيرة. وهي ظاهرة خطيرة أساءت إلى سمعة الأكاديمية العراقية، وألحقت ظلماً فادحاً بكل طالب نال شهادته بالمثابرة والجهد والأمانة. فالأطروحة المشتراة أو الشهادة المزورة لا تصنع عالماً، وسرعان ما تنكشف الحقيقة عند أول اختبار علمي أو موقف مهني يتطلب كفاءة حقيقية. والأخطر من ذلك أن انتشار هذه الظاهرة يقوض ثقة المجتمع بالمؤسسات التعليمية وبالشهادة الأكاديمية، ويمس سمعة الدولة ومؤسساتها.
لذلك، فإن مواجهة الفساد الأكاديمي والشهادات المزورة ليست قضية هامشية، بل معركة أساسية لحماية النزاهة العلمية وصون قيمة الشهادة العراقية، وهي مسؤولية مشتركة تتحملها المؤسسات التعليمية والجهاتالرقابية وأصحاب القرار.
لقد أثبتت التجارب أن الباحث العراقي، متى ما توفرت له البيئة العلمية المناسبة والدعم والتمويل المطلوبان، استطاع أن ينافس في أرقى الجامعات والمراكز البحثية العالمية. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في القدرات العقلية أو الشغف بالعلم لدى العراقي، بقدر ما تكمن في السياسات التعليمية والإدارية والبيئة التنظيمية التي تحكم المنظومة الأكاديمية.
إن كل طالب يدخل الجامعة يحمل في داخله بذرة عالم؛ قد تنمو لتصبح شجرة وارفة العطاء إذا وجدت الرعاية والبيئة العلمية الصالحة، وقد تذبل وتتحول إلى مجرد رقم إحصائي إذا اختُزل التعليم العالي في الحصول على شهادة، واختُزلت الدكتوراه في لقب أو ورقة للترقية.
وهنا ربما تكمن القضية الأهم: ليست المشكلة في كثرة الجامعات أو كثرة حملة الشهادات بحد ذاتها، وإنما في قدرتنا على تحويل هذا الكم الكبير من المتعلمين إلى قوة علمية تنتج المعرفة، وتحل مشكلات المجتمع، وتسهم في بناء الدولة. فالدولة لا تُبنى الا بالعقول التي تعرف كيف تحول العلم إلى معرفة، والمعرفة إلى عمل، والعمل إلى إنجاز.
سعد عبد المجيد ابراهيم

912 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع