دوستويفسكي وإسحق السرياني

د.جابر ابي جابر

دوستويفسكي وإسحق السرياني

تحظى أعمال الكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي بمكانة مرموقة وشعبية كبيرة في العالم العربي. ويمكن القول بأنه أكثر الكتاب الأجانب تأثيراً في الوجدان والثقافة العربية الحديثة. وهو لم يكن مجرد روائي تُقرأ أعماله للتسلية أو الترفيه، وإنما ظاهرة فكرية تركت بصمتها على الأدباء العرب، بالدرجة الأولى بفضل المترجم السوري الدكتور سامي الدروبي، الذي عكف في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي على ترجمة كافة أعمال دوستويفسكي الأدبية عن اللغة الفرنسية. وحتى الآن لا تزال هذه الأعمال في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في معارض الكتب من القاهرة إلى الرياض والدوحة وبغداد.

كان تأثير دوستويفسكي على الأدب العربي عميقاً وواسعاً، خصوصاً منذ منتصف القرن العشرين، عندما انتشرت ترجمات أعماله في العالم العربي. ولم يقتصر التأثير على الأسلوب الروائي، بل امتد إلى طريقة معالجة القضايا النفسية والفلسفية والأخلاقية. وقد ضم ذلك جوانب عدة من أبرزها الغوص في النفس البشرية من خلال تحليل الشخصيات من الداخل وإماطة اللثام عن صراعاتها النفسية المعقدة. فقد فتح دوستويفسكي الباب أمام الكتاب العرب لتشريح العقد النفسية والانفصام إلى جانب الصراع الداخلي بين الخير والشر. وقد استلهم كتّابنا شخصية "الإنسان الصرصار" أو البطل الإشكالي والمهمش ، الذي يعاني الاغتراب والاضطهاد الاجتماعي والسياسي.
وثمة أمور مشتركة جعلت القارئ العربي يشعربالقرابة من شخصيات دوستويفسكي وهي:
1- الغوص في النفس البشرية، إذ أن الكاتب برع في تشريحها وكشف التقلب بين الخير والشر، والإيمان والشك. ومما لا شك فيه أن هذا الصراع النفسي لقي صدى واسعاً لدى الإنسان العربي، الذي يعيش منذ عقود طويلة في مجتمعات تمر بتحولات فكرية واجتماعية درامية عميقة.
2- اهتمام الكاتب بالطبقات المسحوقة وخاصة في روايات "المساكين" و"مذلون مهانون"و"نيتوتشكا نزفانوفا".
3- البعد الروحي والأخلاقي.
4. شخصية البطل الإشكالي والمهمش، الذي يعاني الاغتراب والاضطهاد الاجتماعي والسياسي.
وفي روايات مثل "الجريمة والعقاب" و"الأخوة كارامازوف"، تناول دوستويفسكي قضايا الحرية والعدالة والإيمان والشر. وقد وجد كثير من الكتاب العرب في هذه الموضوعات أرضية خصبة لمعالجة أسئلة مشابهة في مجتمعاتهم. وضمن أبطال دوستويفسكي غالباً ما نصادف شخصيات تعاني التمزق الداخلي والتناقضات الحادة. وهذا النموذج أثّر في عدد من الروايات العربية التي ركزت على الإنسان المهمش أو القَلِق أو البحث عن معنى الحياة. وقد تبنى هؤلاء الكتاب الأسئلة التي طرحها الكاتب الروسي في مؤلفاته حول العدالة والأخلاق والحرية والجريمة خاصة بعد نكسة حزيران/ يونيو عام 1967. ومن أبرز الكتاب المتأثرين بأدب دوستويفسكي : الحائز على جائزة نوبل للآداب نجيب محفوظ وكذلك كتاب آخرون مثل الطيب صالح وطه حسين وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وغيرهم.
من اللافت أن دوستويفسكي أكثر من مجرد كاتب كلاسيكي. فهو "مشرّح الأرواح"، الذي وجد فيه القارئ العربي مرآة تعكس صراعاته الداخلية وأزماته الوجودية وتطلعاته الروحية، مما جعل مكانته راسخة لا تتأثر بمرور الزمن أو تبدل الظروف السياسية. وعلى الرغم من أنه عاش ومات في القرن التاسع عشر، إلا أن أعماله الأدبية لم تُفهم أبعادها العميقة إلا في القرن العشرين حيث تحول من روائي روسي كلاسيكي إلى مُلهم أول لتيارات لاهوتية فلسفية كبرى أعادت تشكيل الوعي الإنساني بعد الحربين العالميتين.
في هذه المقالة أود تسليط الضوء على شخصية تاريخية من منطقتنا تركت بصمات عميقة على إبداع هذا الكاتب الروسي العظيم. إنه اللاهوتي الكبير من القرن السابع إسحق السرياني(النينوي) وخاصة مجلده" عظات نسكية"، الذي كان كتابه المرجعي. ومن الصعوبة بمكان أن نتصور اهم رواياته "الأبله" والجريمة والعقاب" و"الأخوة كارامازوف" بدون التأثير الكبير، الذي تركته أفكار القديس إسحق على أفكار ومعتقدات دوستويفسكي.
كان إسحق أحد أساتذة ولاهوتي القرن السابع ومن أكبر المعلمين الروحيين في المشرق المسيحي. وقد نال شهرة عظيمة بفضل مؤلفاته القيمة وحبه للوحدة والزهد. وُلد في شرق الجزيرة العربية (بيث قطراي) وانخرط في السلك الرهباني مع شقيقه وهو لا يزال يانعاً ثم رُسم أسقفاً على نينوى.
يرى بعض الباحثين أن إسحق بدأ حياته كراهب في أحد أديرة شمال العراق بينما يذهب باحثون آخرون إلى أنه ترهبن في دير بطور سيناء. وقد ترجمت كتاباته إلى اليونانية في دير مار سابا بفلسطين، ومن هناك انتشرت إلى العالم أجمع. وتتجلى الفكرة المحورية والمركزية في لاهوت وأعمال إسحق السرياني في "المحبة الإلهية الفائقة" و"الرحمة، التي لا تعرف حدوداً". وفي اعماله لا تنفصل العقيدة عن السلوك العملي. وهو يرى أن طبيعة الله هي"المحبة المحضة". فالله لم يخلق العالم عن حاجة، بل لوجود فيض من حبه.وهذه المحبة تشمل الخليقة كلها بلا استثناء.
ومن شهادات حياة الزهد عند اسحق أنه كان يأكل ثلاث مرات فقط في الأسبوع قطعة خبز مع الخضار. لقد درس الكتاب المقدس وأعمال آباء الكنيسة بجد حتى أنه في نهاية حياته فقد بصره تماماً، واستمر تلاميذه في كتابة تعاليمه.
كانت مكانته مرموقة بين الحكام المسلمين. وعلى الرغم من أن تعاليمه كانت موجهة إلى الرهبان الناسكين، فقد أصبح هذا القديس المؤلف المفضل للعلمانيين أيضاً. وفي مجلده "عظات نسكية"، يتحدث القديس إسحق عن عظمة محبة الله التي لا تُوصف، وعن ضرورة محبة الإنسان لكل خليقة الله، وعن التواضع والتوبة، والصلاة الظاهرة والباطنة، وعن الدهشة والصمت، وعن المحن في طريق الله، وعن الحياة الجماعية والعزلة، وعن الإغراءات ومقاومتها.
بُنيت عظاته النسكية على أساس التوليف الآبائي، أي الربط بين الأحكام الواردة فيها وآراء وتجارب آباء الكنيسة القديسين ذوي المرجعية، وتحتوي صفحات عظات القديس إسحاق السرياني النسكية على أكثر من خمسين مرجعاً لآراء ما يزيد عن عشرين من آباء الكنيسة ذوي المرجعية.
بمقارنة أقوال القديس إسحاق بأقوال آباء الكنيسة، يُمكن الاستنتاج أنه لم يفهم جوهر أقوالهم فحسب، بل كان يستشهد بها دائماً بشكلٍ مناسب لدعم كلامه في مسائل الحياة الروحية. علاوة على ذلك، في كثير من الأحيان، تبدو الصور في مواعظ القديس إسحاق النسكية أكثر وضوحاً وعمقاً وسهولة في الفهم من الفكر النسكي الآبائي. وليس من قبيل الصدفة أن يُقال إن القديس إسحق لم يكن يُعلّم بلغة البشر، بل بلغة الملائكة، وأنه "يرتفع كنسر فوق جميع الآباء القديسين الآخرين". لقد نجح القديس إسحق نجاحاً باهراً في "الجمع بين التوجهات التأملية والعملية للزهد".
تتلخص المواضيع الرئيسية للاهوت الزهدي، الذي شرحه القديس إسحق في "عظاته النسكية"، فيما يلي: محبة الله وتعليم الصليب، والتأمل والتوبة القلبية، والعزلة والصمت، ورحمة الله والقلب الرحيم، والتواضع والدموع، والصلاة وأسمى صورها، إلى جانب الإيمان والمعرفة والفهم. وتتمثل المحاور الأساسية لرؤية هذا القديس للعالم وتعاليمه في أنه يجسد التناقض بين "الرفض القاطع للعالم الساقط والمحبة اللامتناهية والرحمة والشفقة على كل الخليقة المتألمة.
لدى دراسة الاقتباسات الكتابية في أعمال دوستويفسكي، يدرك الباحث أنها تحتوي على العديد من الاقتباسات المباشرة أو غير المباشرة من آباء الكنيسة الشرقية، وخاصة من كتاب القديس إسحق "عظات نسكية". وقد نهل الكتاب الروس الآخرون قبل دوستويفسكي أيضاً من النصوص الآبائية. (على سبيل المثال القصيدة الشعرية لصلاة القديس أفرام السرياني"الآباء تائهو القفار والنساء الطاهرات"عند بوشكين، وتأثيركتاب" سلّم الفضائل" ليوحنا السلمي على أعمال غوغول). ولكن دوستويفسكي يذهب إلى أبعد من هؤلاء الكتاب.وقد تبنى فكرة قريبة جداً منه لدى إسحق – االجنة على الأرض– التي كان لها تأثير عميق للغاية في نفسه. ومن هنا تأتي أهميته في نشر فكر القديس إسحق في روسيا والغرب من خلال رواياته.
في مقالته "دوستويفسكي ونقاط التحول اللاهوتية في القرن العشرين" ، يلفت الباحث الروسي فلاديسلاف باتشينين النظر إلى تأثير روايات الكاتب الروسي في أعمال اللاهوتيين الغربيين مثل السويسري كارل بارت والسويسري إدوارد تورنيوسن والألماني ديتريش بونهوفر. ومن الجدير بالذكر أن موضوعات دوستويفسكي، التي طورها هؤلاء اللاهوتيون، هي نفس الموضوعات التي استخلصها الكاتب الروسي من كتاب القديس اسحق. وهناك تاريخ واحد جدير بالملاحظة وهو 28 كانون 1/ديسمبر عام 1865 حين اقتنى دوستويفسكي كتاب" عظات نسكية".
وقد لوحظ في إحدى صفحات دفتر الملاحظات حيث المسودة الثالثة لـرواية "الجريمة والعقاب" أن فكرة الرواية تتجلى فيما يلي: "النظرة الأرثوذكسية ، ما هي الأرثوذكسية. لا توجد سعادة في الراحة، السعادة تشتريها بالمعاناة. هذا هو قانون كوكبنا.وفي النص النهائي للأخوة كارامازوف ، اقتبس دوستويفسكي من اسحق السرياني عدة مرات، :"لم يصعد أحد إلى الجنة وهو يعيش بلامبالاة . ...لا تبتعد عن الأحزان ، لأنك بها تدخل في معرفة الحق. ولا تخافوا من التجارب، لأنكم بواسطتها تكتسبون المستحَق ». "... القلب ، حتى يذل نفسه ، لا يمكن أن يتوقف عن التحليق؛ التواضع يجمعها ... بفرح ومفاجأة صادقة تنضح باستمرار حركات الامتنان ”... لكن هذا الوعي المباشر، الذي تشعر به عملية الحياة، هو فرحة عظيمة يمكنك أن تدفعها مقابل سنوات من المعاناة. المرء لم يولد ليكون سعيدا. فالإنسان يستحق السعادة ويعاني دائماً. لا يوجد ظلم هنا، لأن المعرفة الحيوية والوعي يتم اكتسابهما من خلال التجربة". إن كلمات دوستويفسكي عن السعادة، التي يتم شراؤها بسعر باهظ وبالتالي أغلى بكثير، كتبها رجل نجا بالفعل من عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ في عام 1849ثم قضى أربع سنوات في النفي والأشغال الشاقة بسيبيريا، وعانى من نوبات صرع متكررة ، فضلاً عن الشعور بالوحدة اليائسة بعد وفاة زوجته الأولى وبعد بضعة أشهر حيث فارق الحياة شقيقه ميخائيل عام 1864.

من المؤكد أن تأثير القديس إسحق حاضر في أعمال دوستويفسكي بداً من "الجريمة والعقاب". ففي هذه الرواية يلتقي مارميلادوف وراسكولينكوف في حانة يوم عيد الغطاس. وهنا أدخل الكاتب واحدة من أكثر الأفكار أهمية لإسحق من خلال مونولوج مرميلادوف حيث قال لدى حديثه عن ابنته المومس صونيا:"أنا اعلم أن الله سيغفر لها...وسيغفر للأخيار والاشرار، سيغفر للحكماء والبسطاء على السواء حتى إذا فرغ من الجميع، خاطبنا نحن أيضاً فقال:" تعالوا ، تعالوا أنتم أيضاً، أيها السكّيرون، تعالوا أيها الضعفاء، تعالوا أيها الفاسقون"... وسوف يفتح لنا ذراعيه وسوف نرتمي بين ذراعيه ...وسوف نبكي ... وسوف ندرك عندئذ كل شيء... وسوف تفهم كاترينا إيفانوفنا هي نفسها, فليأتي ملكوتك أيها الرب".
ومن المهم أيضاً التذكير بالاهتمام، الذي أولاه اللاهوتي السويسري تورنيوسين لمونولوج مارميلادوف، وتفسيره لهذا المقطع، الذي ترك بصمات عميقة على العالم اللاهوتي السويسري الآخر كارل بارث. ويُعد حديث مارميلادوف أحد أكثر النصوص جرأة روحياً التي كتبها دوستويفسكي،إذ ينطقه شخص انحدر إلى قاع المجتمع ولم يعد يتمتع باحترام وثقة الآخرين. في القراءة الأولى ، يمكن اعتبارها الوهم الأخير لرجل يائس يخلق صورة الله وفقاً لاحتياجاته الخاصة. ومع ذلك، فإن كلماته تؤكدها الاقتباسات الكتابية التي قدمتها هذه الشخصية. إنهم ينقلون فكرة لاهوتية واضحة، كان يمكن لدوستويفسكي، في ذلك الوقت، أن يفهمها ويدركها .
الفكرة المركزية التي استوحاها دوستويفسكي من إسحق هي "الجنة على الأرض". إنها الجنة، التي تحدثت عنها شخصيات مثل زوسيما وكيريلوف و "الزائر الغامض" ، لا تقع في المكان ولا في الزمان. هذا هو البعد الداخلي، الذي يتحقق من خلال التطهير التدريجي أو ، كما يؤكد شيوخ وآباء الكنيسة، عبر المعاناة الشديدة المفاجئة الناجمة عن موت الذات السابقة وتعلقها ورغباتها. وبهذا الصدد نجد أن أقوال ماركيل، الشاب المصاب بمرض عضال، شقيق زوسيما الأكبر، تلعب أيضاً دوراً مهماً في رواية(الأخوة كارامازوف). وقد أكد على فكرة الأب أسحق فقال:" كل منا يحمل في نفسه جنة مدفونة. وهذه الجنة قائمة في نفسي وإن تكن مخفية. حسبي أن أريد حتى أن أجعلها تنبجس منذ الغد فأحتفظ بها طوال حياتي".
ومن هذه الأقوال: "الحياة جنة وكلنا في الجنة ولكن لا نريد ان نعرفها. بيد أنه إذا أردنا ان نعرفها غداً سيكون الفردوس في العالم كله ... يا أعزائي لماذا نتشاجر ونتفاخر كل واحد البعض للآخر، وننزل الإهانات لبعضنا البعض ... فلنحب ونعانق بعضنا بعضاً ونبارك حياتنا.... و كل واحد منا مسؤول عن كل شيء أمام الجميع. فالحياة جنة نحن نعيش فيها جميعاً لكننا لا نريد أن نعترف بذلك. فلو ارتضينا أن نسلم بها لأصبحت الحياة منذ اليوم جنة".
رأى دوستويفسكي، شأنه شأن، الاب إسحق، أن المعاناة ليست عقاباً عبثياً، بل هي طريقٍ للتطهير والتجديد الروحي. وقد ارتبط موضوع حب الإنسان الساقط بتعاليم محبة الله والإنسان اللامحدودة والغفورة للخاطئ، وشكل أساس حبكة العديد من أعمال دوستويفسكي. وقد جاءت انعكاسات أفكار إسحاق السرياني في "الجريمة والعقاب"عبر الفكرة الفائلة بأنه من خلال المعاناة العميقة والتوبة، يمكن للإنسان أن يُبعث إلى حياة جديدة. (راسكولنيكوف من خلال صونيا). ونجد في رواية "الأبله" أن الأمير ميشكين وروغوزين يجسدان الصراع الروحي، حيث يتحد الحب مع الرحمة. أما في"الإخوة كارامازوف" فنرى موعظة زوسيما القائلة بأن "الجميع مذنبون من أجل الجميع" تُردد صدى تعاليم الحب والمسؤولية الشاملة.
من المثير للملاحظة نبرة الصبي ماركيل"الغريبة والحازمة"، عندما يعلن فجأة عن حقائقه غير العادية، ويظهر ارتجافه، مع الحب والشعور والفرح . أنه اكتشف رؤية جديدة تماماً للعالم والحياة. وهو يقول مخاطباً والدته"إنني لا أبكي من الحزن. وبعد كل شيء، أنا نفسي أريد أن أكون مذنباً أمامهم، لكن لا يمكنني شرح ذلك لك، لأنني لا أعرف كيف أحبهم. اسمحوا لي أن أكون مذنباً أمام الجميع (تزقزق الطيور خارج النوافذ) ، ولكن من أجل ذلك سوف يغفر لي الجميع، هذه هي الجنة. ألستُ الآن في الجنة؟ ". إن الكاتب الروسي يشعر بنفس الشعور الذي يشعر به إسحق، في وصفه لتجربة "الملكوت" في ذاته.
هذا الحب العظيم، الذي لا حدود له في أعمق معاني الكلمة، يأتي للمرء من فهم الإلهي في نفسه. لقد كرّس القديس إسحق أكثر خطاباته حيوية، بحيث كان قادراً على احتضان جميع الكائنات الحية دون استثناء ، كما في جسد واحد، بما في ذلك أكثر الأشياء غير السارة.
وهذا هو الحب، الذي يسمح لنا بالتماهي مع كل شيء وكل شخص، يسبب التوبة ويقرره القديس.يقول إسحق "رعشة النفس أمام أبواب الجنة". يختبر ماركيل نفس الشيء عندما يشعر بالذنب، وليس ذلك فحسب، ولكنه يضع الأساس لطريق يؤدي إلى الحب والامتنان اللامحدود.ويقول إنه "يبكي من الفرح وليس من الألم" وأنه "يستغفر حتى الطيور" لأنه يحب كل الكائنات الحية حباً كبيراً لدرجة أنه لا يعرف كيف يعبر عنها. وبدءاً من هذه الخطبة ، فإن تجربة المعاناة - التي يرفضها إيفان، تماماً مثلما يرفض المفتش الأعظم تعاليم المسيح - تأخذ معنى مختلفاً .فكلّ من دوستويفسكي والقديس اسحق يران أن هناك طريقتين يمكن من خلالهما إزالة الغشاوة من العين: طريق رحيل الراهب عن العالم، وكذلك الصدمة التي تسببها المعاناة الشديدة، والتي تذل الإنسان وتجعله يعود إلى الله. هذه هي حالة ماركيل في أيامه الأخيرة. وفي نفس الاتجاه ، تتدفق تجارب الشخصيات الرئيسية عند دوستويفسكي.ويهدف أبطال رواياته الأخيرة، حتى أكثرهم يأساً وذنباً، للوصول إلى هذه الحالة من الفرح والرضا الداخلي. ويكشف المرشد الروحي العجوز زوسيما خلال حديثه حول شقيقه ماركيل، عن إرادته الروحية، المستوحاة في كل عبارة تقريباً من كتاب القديس اسحق"عظات نسكية".
سأقتصر على اقتباس بعض المقاطع المختصرة من أقوال زوسيما، والتي يمكن التعرف على مصادرها بسهولة من قبل أولئك الذين هم على دراية بنص القديس إسحق: "تذكر بشكل خاص أنك لا تستطيع أن تكون قاضياً لأي شخص.لأنه لا يمكن أن يكون هناك قاضٍ لمجرم على الأرض حتى يعرف هذا القاضي نفسه أنه مجرم مثل الذي يقف أمامه ... بغض النظر عن مدى جنونه ، لكن هذا صحيح. لأنه إذا كنت أنا نفسي صالحاً، فربما لن يكون هناك مجرم يقف أمامي". "أيها الإخوة ، لا تخافوا من خطيئة الناس ، أحبوا الإنسان حتى في خطيته ، لأن مظهر الحب الإلهي هو ذروة الحب على الأرض. ما هو الجحيم؟إليكم ما أقوله لنفسي: إنه العذاب من أن يصبح المرء عاجزاً عن أن يحب... هذا العذاب ليس خارجياً، بل داخلياً. وحتى لو كان من الممكن إزالته، فأعتقد أنهم سيصبحون أكثر تعاسة بمرارة لأنهم سيثيرون فيهم شعلة أقوى من التعطش للحب المتبادل والنشاط والامتنان، والذي لم يعد ممكناً".
ويستطرد زوسيما حول الجحيم ونار جهنم: "أيها الآباء والمعلمون، أعتقد أن هناك جحيماً. إنه معاناة العجز عن الحب". وهذا يتقاطع مع أقوال القديس إسحق، الذي أشار تحديداً إلى أن عذاب الجحيم هو عذاب الحب، عذاب من أذنبوا في حق الحب. ويُعدّ خطاب الأب زوسيما هذا خطاباً صوفياً.
وبالاتفاق مع القديس إسحق ("لا تتخلَّ عن الأحزان، لأنك بواسطتها تدخل في معرفة الحق، ولا تخاف من التجارب، لأنك تكتسب عن طريقها أشياءً حسنة؛ لا يمكن للقلب، حتى يتواضع، أن يتوقف عن التحليق"). يؤكد دوستويفسكي نفسه في رواياته أنه من أجل فهم كلمات زوسيما بعمق، من الضروري تجربة المعاناة التي تجثو على ركبنا، وتحرم أولئك الذين يختبرونها من الأوهام التي تكمن في صميم وجود معظم الناس.
ويتابع زوسيما حديثه قائلاً:"... الجنة محبة الله ... كن في سلام مع نفسك، فتكون السماء والأرض في سلام معك. جاهد للدخول إلى خليتك الداخلية، وسترى الخلية السماوية، لأن كلاهما متماثل، وعندما تدخل واحدة ، ترى كليهما. سلم هذه المملكة بداخلك ، مخفية في روحك. انغمس في نفسك بعيداً عن الخطيئة، وهناك ستجد الصعود الذي يمكنك أن تصعد فيه ”.
كما يقول زوسيما:" أحبوا بعضكم بعضاً أيها الآباء... لسنا أقدس من أهل الدنيا لأننا أتينا إلى هنا وانعزلنا بين هذه الجدران. بل على العكس، كل من يأتي إلى هنا، بمجرد مجيئه، يدرك في قرارة نفسه أنه أسوأ من جميع أهل الدنيا، ومن كل شيء على وجه الأرض... وكلما طالت مدة إقامة الراهب بين هذه الجدران، ازداد إدراكه لهذا الأمر. وإلا، لما كان هناك سبب لمجيئه إلى هنا. عندما يدرك أنه ليس فقط أسوأ من أهل الدنيا، بل إنه مذنب أمام جميع الناس عن كل شيء، عن جميع خطايا البشرية، سواء أكانت عالمية أم فردية، حينها فقط سيتحقق هدف وحدتنا. اعلموا يا أحبائي أن كل واحد منا مذنب بلا شك عن كل شيء على وجه الأرض، ليس فقط عن ذنب العالم ككل، بل عن كل إنسان على وجه الأرض. هذا الوعي هو تاج الطريق الرهباني، بل هو تاج كل إنسان على وجه الأرض. فليسر كل واحد منكم قريباً من قلبه، وليعترف كل واحد منكم لنفسه بلا كلل. ... لا تقبلوا الرشوة... لا تحبوا الفضة والذهب، ولا تتمسكوا بهما... آمنوا وارفعوا الراية عالياً. ارفعوها عالياً".
وهناك نقاط موضوعية مشتركة في تفسير الكتاب المقدس من قبل الكاتب والأب إسحق. وهذه الصدف يمكن تفسيرها على النحو التالي: بعد أن اختار إسحق السرياني الحياة في الحرية، بعيداً عن مراكز الثقافة والقوة، صار بوسعه أن يكرس كل يوم من حياته لدراسة الكتاب المقدس. وإن التفسير المقدم في كتابه مصحوب بعدد كبير من الاقتباسات ويوضح المعرفة المكتسبة من خلال العمل الحياتي.كان إسحق قادراً على فهم عن الإمكانات العظيمة للحب الموجود في الكتاب المقدس والتعبير عنها- مما يجعل مختارات من أعماله جذابة - بالإضافة إلى الكتاب المقدس. وينطبق هذا أيضاً على خطاب زوسيما (الذي كتب بعد أكثر من ألف عام)، وعلى الكتب الحديثة جداً للاهوتيين الغربيين المشهورين مثل بارث، وتورنيزين ، وبونهوفر. إن الثراء والعمق الروحي اللذين وجدهما هؤلاء اللاهوتيون هما، نقطة التحول في كتابات دوستويفسكي. ويرجع ذلك بدون شك إلى موهبته الكتابية وتجارب الحياة الصعبة. وسواء قرأتَ الأب إسحق أو دوستويفسكي، فإنك في النهاية تتلقى الرسالة نفسها، والنعمة نفسها، والعزاء نفسه.
ولذلك يُعدّ دوستويفسكي شارحاً حياً ومُجرباً للأب إسحق. وما يُسمى أحياناً بـ"الدوستويفسكية"، أي جميع أعماله الإبداعية مجتمعة، يؤكد ويشهد على قناعة الأب إسحق المُجربة: "لا تُمنح الهبات العظيمة دون تجارب عظيمة"، وأيضاً: "الفرح بالله أقوى من هذه الحياة".
وهكذا فإن دوستويفسكي استقى الكثير من مجلد "عظات نسكية" لدى كتابة رواياته الرئيسية، بدءاً من "الجريمة والعقاب" ووصولاً إلى "الإخوة كارامازوف". ويستند التصوير الفني للمعاناة النفسية (كما عند راسكولنيكوف والأمير ميشكين) إلى فكرة إسحق السرياني القائلة بأن حياة العقل والتحول يتحققان من خلال " القلب الرحيم". وتتجلى أوجه التشابه الرئيسية في أعمال الكاتب الروسي في فكرة الأب إسحق ، التي انعكست بشكل خاص عند دوستويفسكيفي رواية "الإخوة كارامازوف. ونلمس ذلك في تعاليم العجوز زوسيما وأقوال أليوشا " الإخوة كارامازوف" (مسودات)حول انسجام العالم: "لم يصعد أحد إلى السماء وهو يعيش بلامبالاة ". هنا نلقى أفكاراً حول الحاجة إلى الجهاد الروحي، والتطهير من خلال المعاناة. كما نجد في رواية "الأبله": "النشوة بحب الله، والشفقة على الساقطين، وكذلك صورة الأمير ميشكين كرمز للحب الغفور".
وفي "الجريمة والعقاب" نرى الطريق إلى الله يمر عبر الصليب والتواضع، لا العقل. وذلك إلى جانب بصيرة راسكولنيكوف في العمل الشاق من خلال تعاليم الإنجيل. وهكذا فإن مساهمة دوستويفسكي في نشر فكر القديس إسحق السرياني في روسيا والغرب عظيمة.
وفي "الإخوة كارامازوف"، يقتل سميردياكوف والده، ويسرق أمواله، ويشاهد بهدوء محاكمة البريء دمتري بتهمة ارتكاب هذه الجريمة. وبالطبع لم يكم لديه أي نية للذهاب إلى الشرطة والاعتراف بجريمته حتى يُطلق سراح ديمتري كارامازوف. وبالمناسبة، كانت على طاولة سميردياكوف نسخة غير مقروءة من كتاب القديس إسحاق السرياني. وقد أشارت تاتيانا كاساتكينا، الباحثة المتميزة في أعمال دوستويفسكي، إلى ذلك. ولم يكن لدى سميردياكوف أي اهتمام بالقراءة على الإطلاق منذ طفولته، ولم يقرأ كتاب القديس إسحق، ومع ذلك، فقد وضع هذا الكتاب تحديداً على النقود، كما لو كان يغطي ذنبه بهذا الأمل، الذي يتحدث عنهالقديس إسحاق. ومن الواضح أن دوستويفسكي كان يعلم أن إسحق السرياني كان رسولاً لمغفرة الله. وله مكانة مرموقة في التراث السرياني. وقد أُثير جدل واسع بهذا الخصوص، لا سيما بسبب تركيز القديس إسحق على موضوع المغفرة الإلهية.
تُعد دراسة تأثير إسحاق السرياني على أعمال دوستويفسكي موضوعاً للعديد من الأبحاث الأدبية واللاهوتية. ويُشير الباحثون إلى أن مفهوم التغلب على المعاناة والطريق إلى الحقيقة من خلال الأحزان، كما وصفه القديس، أصبح أساساً للتحول الداخلي لشخصيات الكاتب (وخاصة ديمتري وأليوشا).
في مجلده "عظات نسكية"، يتحدث القديس إسحق عن عظمة محبة الله التي لا تُوصف، وعن ضرورة محبة الإنسان لكل خليقة الله، وعن التواضع والتوبة، والصلاة الظاهرة والباطنة، وعن الدهشة والصمت، وعن المحن في طريق الله، وعن الحياة الجماعية والعزلة، وعن الإغراءات ومقاومتها. وفي وصفه للمسار الروحي للمسيحي، يُبرز القديس إسحاق موضوعين رئيسيين يُشكلان جوهر تعاليمه: التبجيل العميق ليسوع المسيح، والإدراك القلبي لله باعتباره السر الحيّ.
تتوافق كلمات الأب زوسيما هذه تماماً مع تعاليم القديس إسحق. فقد استطاع القديس إسحق أن ينقل من خلال قلبه التجربة الروحية للعديد من القديسين، آباء الكنيسة، ليكملها ويثريها بتجربة حياتهم الزاهدة وحكمتهم الإلهية. وكان لإرثه الروحي تأثير كبير على جوانب مختلفة من الثقافة والعلوم في الأجيال اللاحقة، سواء بين آباء الكنيسة أو بين عامة الناس، بمن فيهم علماء لاهوت وفلاسفة وكتاب ومؤرخون مرموقون.
اختار القديس إسحاق السرياني حياة الحرية بعيدا عن مراكز الثقافة وتسنى له تكريس كل يوم من حياته لدراسة الكتاب المقدس. ويُصاحب التفسير المُقدم في كتابه عدد كبير من الاقتباسات، مما يُظهر المعرفة التي اكتسبها من خلال حياة حافلة بالعمل.
تكشف سيمونيتا سالفستروني (المتخصصة الإيطالية الشهيرة في الدراسات الروسية والأستاذة بجامعة كالياري) في كتابها الأساسي "المصادر الكتابية والآبائية لروايات دوستويفسكي" الإشارات الصريحة والضمنية التي تُشكّل الإطار الفلسفي لأعمال الكاتب العظيمة. ومن أهم نتائج وأفكار هذه الدراسة الأدبية: الفكرة الرئيسية للمؤلفة: الاقتباسات الكتابية الصريحة والضمنية في أعمال دوستويفسكي ليست مجرد زينة نصية، بل هي جوهر روحي عميق يُساعدنا على فهم المعنى الميتافيزيقي لأفعال الشخصيات الرئيسية. معنى الحياة من خلال منظور الكتاب المقدس: تُبيّن سالفستروني أن الكاتب حاول إيصال أهمية التأمل في الأسئلة الجوهرية للوجود، التي باتت تُهمَل في العالم الحديث، لكنها تبقى مفتاح الجمال والحقيقة الروحية. التراث الآبائي: يركز هذا البحث، بالإضافة إلى نصوص العهدين القديم والعهد الجديد، وأعمال آباء الكنيسة (مثل إسحاق السرياني)، الذين أثرت لاهوتهم بشكل كبير على الأخلاق. ويتناول روايات "الأبله"، و"الإخوة كارامازوف"، و"الجريمة والعقاب".
وتؤكد الباحثة أن اللجوء إلى النصوص المقدسة في هذه الروايات يساعد الأبطال على تجاوز الأزمات الوجودية والفوضى والتفكك. ويقدم كتابها تحليلًا مفصلًا للاقتباسات والإشارات الصريحة والضمنية وخاصة عند القديس اسحق.
كان إسحق السرياني بالنسبة لدوستويفسكي الإجابة الروحية على سوداوية العالم؛ حيث لا يمكن هزيمة الألم والشر إلا بالمحبة المتواضعة، التي تتسع للجميع جون استثناء.
نجد تأثير القديس إسحق على فيودور دوستويفسكي جلياً في فهمه العميق للمعاناة، ومفهوم الحب غير المشروط، وفكرة الذنب والمسؤولية الشاملة. شكلت أعمال هذا الناسك السرياني، الذي عاش في القرن السابع الميلادي، الركيزة الروحية لأعمال الكاتب اللاحقة، ولا سيما رواية "الإخوة كارامازوف". وقد كان لأفكار القديس إسحق التأثير التالي على أعمال دوستويفسكي وآرائه: 1- فكرة الحب والرحمة الشاملة: فقد أكد دوستويفسكي، متأثراً بالقديس إسحق السرياني، أن الحب يجب أن يكون فعالًا وشاملًا، لا يستثني حتى الخطاة والمجرمين. وعلّم الناسك أن القلب المفعم بالحب يحتضن كل الخليقة، وهو ما شكل أساس عظات الأب زوسيما.
كتب القديس إسحق السرياني أنه لا ينبغي كراهية الخطاة، بل يجب التعاطف معهم. ويتردد الصدى هذه الفكرة بوضوح في فلسفة دوستويفسكي القائلة بأن "كلنا مذنبون تجاه كل شخص وكل شيء"، و"كل واحد منا مذنب تجاه كل شخص وتجاه جميع الناس". و بالنسبة للكاتب، الذي عانى من الأشغال الشاقة، لم تصبح المعاناة مجرد عقاب، بل طريقاً للولادة الروحية الجديدة وتطهير الكبرياء.
وعلّم إسحق السرياني أن الإنسان، من خلال المعاناة والحزن، يدرك ضعفه ويتقرب إلى الله. ومن هنا ينبثق موضوع التحول الروحي: في أعمال دوستويفسكي (على سبيل المثال، في روايتي الجريمة والعقاب (راسكولنيكوف) و"الأخوة كارامازوف" (ميتيا).
بالنسبة للمرشد العجوز زوسيما، تُعدّ أعمال إسحاق السرياني المصدر الرئيسي، الذي يستمد منه مفهومه عن "عيش الحياة" والفرح. تتخلل أفكار انتصار الحب على عذاب الجحيم وضرورة المغفرة الشاملة جميع تعاليم زوسيما. وعلى النقيض من الزهد الكئيب في العصور الوسطى، يدعو العجوز زوسيما إلى حب كل نبتة، وكل حيوان، وكل إنسان، داعياً إلى "الابتهاج".
تتجلى أوجه التشابه الروحية بين دوستويفسكي وإسحق في مفهوم المعاناة: فعلى غرار الزاهد السرياني، يرى دوستويفسكي بأن الإيمان الحقيقي مستحيل دون توبة صادقة، وتحمل مسؤولية جميع الناس، والمرور بمحنة روحية داخلية. ووفقاً لأفكار إسحق، فإن محبة الله أقوى من خطايا البشر.
يقوم مفهوم دوستويفسكي عن الغفران الشامل على هذه الفكرة نفسها - القدرة على تمييز صورة الله حتى في أكثر النفوس ضلالاً (راسكولنيكوف، عائلة مارميلادوف، ديمتري كارامازوف). وثمة الكثير حول كيفية انسجام أفكار الزاهد السرياني مع الأدب الروسي الكلاسيكي. وتأكيداً لذلك، يمكننا الاستشهاد بكلماته: "من الأفضل تجنب الأهواء من تذكرها...".
تُعدّ الصلة الروحية بين الأب إسحاق السرياني فيودور دوستويفسكي من أعمق الظواهر في تاريخ الفكر والأدب المسيحي. وقد اكتشف دوستويفسكي أعمال القديس من خلال المرشدين الروحيين الروس، واستوعبها بعمق. ويصف اللاهوتي الروسي المطران هيلاريون (ألفييف) هذه الصلة قائلاً: "الأب إسحق هو دوستويفسكي الذي بلغ القداسة. دوستويفسكي هو الأب إسحق في خضمّ الصراع الروحي". ومن أبرز نقاط التقاء هاتين الفكرتين: "سوط الحب" (الجنة والجحيم): لعلّ هذا هو أقوى تلاقٍ بين وجهات نظرهما. فقد علّم كلٌّ من إسحق السرياني ودوستويفسكي (من خلال شخصية المرشد الروحي زوسيما في رواية الإخوة كارامازوف) أن الجحيم ليس مراجل مادية أو غياب الله، بل هو معاناة العجز عن الحب وإدراك المرء أنه قد أذنب في حقّ الحبّ الأزلي. تتحول تجربة محبة الله إلى "عذاب" لمن لم تُطهر قلوبهم. اتفق المفكران على أن المعاناة على الأرض ليست عبثية، بل هي شرط ضروري للبصيرة الروحية والتواصل مع الحقيقة المطلقة، وأن السعادة تُنال عبر التغلب على الخطيئة. ولا يمكن تصور الحب دون احترام عميق للفرد. وإن أبطال روايات دوستويفسكي، بتغلبهم على أشكال الكبرياء والانحطاط، يصلون في النهاية إلى نفس القبول الإنجيلي لكل جار. وهكذا فقد انعكست أفكار إسحق السرياني تحديداً في رواية "الإخوة كارامازوف"؛ ومعالجة موضوعي الجحيم والمغفرة في أعمال كلا الكاتبين.
يعتقد المطران هيلاريون (ألفييف) أن أعمال دوستويفسكي ولاهوت إسحق السرياني مترابطان ترابطاً وثيقاً. ففي رأيه، دوستويفسكي هو " الأب إسحق في خضم الصراع الروحي". ويركز كلا المفكرين على مسألة محبة الله غير المحدودة وغير المشروطة ورحمته بالبشرية الساقطة. ومن أوجه التشابه الرئيسية، التي أوردها المطران هيلاريون: فكرة المحبة الإلهية (أغابي)حيث يشير في أعماله المخصصة للناسك السرياني ودوستويفسكي أن الأخير يؤكد في رواياته على أن الله محبة. وقد أصبح تعليم إسحق السرياني، الذي يؤكد بأن الجحيم ليس مكاناً للعذاب خلقه الله، بل هو حالة النفوس غير التائبة العاجزة عن قبول هذه المحبة، أساساً للعديد من أفكار دوستويفسكي الفلسفية (على سبيل المثال، في رواية الإخوة كارامازوف). إنه إحساس عميق بالخطيئة والرحمة. فلا يكتفي دوستويفسكي بوصف الرذائل، بل يُظهر الإنسان وهو يكافحها. ويرى هيلاريون أن هذا تأثير مباشر لإرث إسحق السرياني، وان كلا المؤلفين يدعوان إلى نبذ الأحكام المسبقة تماماً، معتبرين الرحمة أسمى الفضائل. وقد خصص المطران دراسة أساسية للقديس إسحق السرياني فدرس نصوصه بعمق، مشيراً إلى أن تعاليم إسحق الزهدية ليست موجهة فقط إلى النساك، بل أيضاً إلى عامة الناس، لمساعدتهم في التغلب على المعاناة الداخلية، وهو ما يتردد صداه بقوة لدى أبطال دوستويفسكي.
إن علاقة الكاتب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي باللاهوتي الناسك إسحق السرياني يُعد أحد أبرز الأدلة التجريبية والتاريخية على تفاعل الحضارات و تخطي الإبداع الإنساني لحدود الزمان والمكان. وهذا التلاثي الفكري ليس مجرد تأثر عابر، بل هو جسر ممتد بين لاهوت المشرق السرياني والروحانية الأرثوذكسية الروسية، وصياغتها في قالب أدبي وفلسفي عالمي. من خلال هذا التأثير، نرى كيف يعمل الفكر الإنساني عابراً للحدود. ونحن نرى أن فكراً نشأ في بيئة مشرقية سريانية (العراق/فارس) قد تجاوز الجغرافيا ووجد مستقره وملاذه في عمق الأدب الروسي الكلاسيكي بسانت بطرسبرغ وموسكو. ولم تكن الفجوة الزمنية (1200 عام) عائقاً؛ لأن المعضلة الوجودية للإنسان كالألم، والذنب، والخلاص، والمحبة تظل ثابتة. ومن اللافت أن دوستويفسكي استخدم لاهوت القرن السابع كترياق لأزمات الإنسان في القرن التاسع عشر (المادية، وصعود الإلحاد، والنزعة الفردية، والهلنستية). لقد أثبت هذا التفاعل أن الأفكار الروحية الشرقية قادرة على الانتقال من اللاهوت النُسكي إلى الأدب العالمي بفضل دوستويفسكي. وتحولت أفكار إسحق السرياني من جدران الصوامع وأديرة المشرق إلى وعي القراء في شتى أنحاء المعمورة بلغات متعددة.
وحيث أن الثقافات لا تلغي بعضها بعضاً ، فإن تجربة دوستويفسكي مع إسحق السرياني هي نموذج مثالي يغذي شرقُ العالم غربَه، ويحيي الماضي الحاضرَ، ليتولد من هذا الامتزاج أدبٌ إنساني خالد يخاطب البشرية جمعاء.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

664 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع