العدل في قفص الاتهام

 نذير ال حويز

العدل في قفص الاتهام

كلما واجهتنا الحياة بما لا نريد، أسرعنا إلى اتهامها بالظلم، وكأنها ملزمة بأن تحقق لنا ما نشتهي. لكن هل نحاكم الحياة لما فعلت ، أم نحاكم خيبة توقعاتنا؟
مازلت أفكر إن كانت الحياة عادلة أم لا، لكنني اعلم أننا لا نستطيع إثبات ظلمها او عدلها، لأننا ننظر إليها من خلال ذواتنا. ولم تكن يوماً الذات مرآة صافية، بل هي اقرب من ان تكون زجاج ملوّن بالرغبات والمخاوف والآمال.ومن هنا فإن كل حكم نصدره على الحياة يمر أولًا عبر مصالحنا، قبل أن يصل إلى عقولنا إذا نحن ننطق بمصالحنا مغلفة بلباسها المنطقي
ولهذا لما لا يكون العدل حقيقة قائمة خارج وعينا، بينما لا نملك نحن سوى صور خيالية نفترضها واقعاً . فنحن لا نطلب العدل كما هو، بل كما يخدمنا. فقط عندما تبتسم لنا الأيام سميناها عادلة، وإذا أدارت لنا ظهرها نعتناها بالظالمة. وكأن العدل عندنا ليس مبدأً، بل شعور يتبدل بتبدل النتائج وفقاً للرغبات
عندها تنشأ المفارقة حين يجعل الإنسان من نفسه ميزانًا للحياة، مع أن حياته ليست إلا جزءًا صغيرًا من عالم أوسع والعالم جزاء من علماً لا يقاس لا بمكانه ولا بزمانه . فكيف لجزء محدود أن يحكم على الكل؟ وكيف لعين ان ترى كل الزوايا حاظرها وماضيها وبأبعادها الاربعة وتزعم أنها رأت الحقيقة بأكملها؟
كما اضن ان أكثر ما يخدعنا هو اعتقادنا بأن شعورنا بالإنصاف دليل على وجوده وحياديته ولكن شعورنا بالظلم يثبت عكس ذلك . فالمشاعر ليست دليلا ، بل تجارب. وما يؤلمنا ليس بالضرورة ظلمًا، كما أن ما يرضينا ليس بالضرورة عدلًا.
هنا يحضر السؤال الحقيقي هل الحياة عادلة؟ هل نحن قادرون على إدراك العدل بعيدًا عن ذواتنا؟ وهل يمكن لإنسان يرى العالم من نافذة غير نافذة مدعياً انه رائ العالم كله؟
لعل العدل ليس شيئًا نملكه ولا نستطيع توصيفه ، بل شيئًا نسعى إليه. وكلما تحرر الإنسان من مركزية ذاته، اقترب من فهمه، وإن لم يبلغه كاملًا.ران دمنا نجعل رغباتنا مقياسًا للكون، فسنظل نتأرجح بين اتهام الحياة بالظلم وتمجيدها بالعدل، دون أن نقترب من حقيقتها ولو خطوة واحدة
وربما لهذا السبب، ليست الحياة هي التي تحتاج إلى أن تبرئ نفسها أمامنا، بل نحن من يحتاج إلى أن نبرئ انفسنا أمامها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

847 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع