
نزار السامرائي
استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي
ربما تجد جميع الأطراف المتنازعة والدول التي تبحث لنفسها عن موقع في عالم الكبار، بإبداء رغبة ملحة بلعب دور الوسيط وخرج بعضها من تحت ركام النسيان وبعضها من عالم الإهمال المتعمد، وكذلك الدول الصامتة إزاء مسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شاركت إسرائيل فيها ببداية اندلاعها بشكل فعال، أنها تسعى لتحقيق الهدف المستحيل من الحرب، أي ألا يخرج أي طرف من أطرافها منتصرا، لأن فكرة ألا يخرج منتصر في حرب ما، هي فكرة الدول الكبرى عندما تندلع حروب إقليمية بين دول صغيرة لا تجد الدول الأكبر منها، سواء كانت إقليمية أو دولا كبرى، ففي مثل تلك النتيجة قد تبرز قوة فتخرج على قواعد اللعبة الدولية وتعيد ترتيب الأوضاع الإقليمية بما يحقق لها نفوذا أكبر مما تسمح به دوائر صنع القرار الدولي.
على العموم تبقى فكرة الخروج من أي نزاع مسلح بلا غالب ولا مغلوب، فكرة محصورة في الدول الصغيرة، لأن النتائج المترتبة على أي انتصار حاسم لأحد أطرافها سيعيد خلط أوراق اللعبة الدولية وقد يخلق توازنات جديدة أو أزمات أكبر من سابقاتها، ربما هي الأكثر إثارة للقلق في تاريخ الحروب الحديثة، بحيث يصعب معها كثيرا على بقية دول المنطقة تكييف أوضاعها السياسية وتحالفاتها الإقليمية والدولية مع إفرازات النزاعات الأخيرة ولحقبة قد تكون طويلة الأمد.
ولنطرح سؤالاً صغيراً، ماذا يحصل للمنطقة، لو أن حققت إيران نصرا مؤكدا أو مفترضاً، هل تشهد المنطقة تعاظما في أزماتها الراهنة؟ أنها ستميل إلى استقرار أكثر بسبب خروج أحد أطراف النزاع من المنازلة حتى ولو بصفة مؤقتة؟
إن إيران بما تمتلكه من أدوات الخداع وتزييف الحقائق، وبحكم ما تمتلكه من أدوات غير إيرانية، قادرة على إقناع قطاعات واسعة من البسطاء المؤمنين بدورها المركزي في المنطقة سياسيا وعقائديا، إذ سيتم التسويق لوجهات النظر الإيرانية مهما كانت درجة مصداقيتها هابطة، عبر ماكنة الدعاية الضخمة التي تمتلكها إيران وأدواتها الإقليمية، ستبقى إيران تروج لفكرة أنها حققت انتصارا لامعا حتى لو وقفت جيوش أعدائها فوق جبال البرز بل على قمة أشنو، وخاصة لدى طرح فكرة عدم سقوط النظام، لأن هذا الهدف مؤشر عليه كأهم شواهد انتصار إيران في الحرب.
لقد تباينت أهداف الحرب تبعا لكل مرحلة منها، وذلك نتيجة لعدم ادراك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطبيعة التفكير الإيراني الموغل في القدم، الذي يستمرئ لعبة مراكز تعدد مراكز القوى داخل المؤسسة الحاكمة في طهران، ثم إن عدم امتلاك الرئيس الأمريكي تصورا عاقلا لخريطة طريق لإنهاء الحرب، وتخبطه في خيارات متصادمة بين التهديد بالحد الأعلى من التدمير الذي سيلحق بإيران في حال تعنتت في الاستجابة لشروطه، وبين الركوع على أبوابها على نحو لم يحصل لسمعة الولايات المتحدة طيلة تاريخها الممتد لمئتين وخمسين عاما، وعدم استقرار الخطاب السياسي الأمريكي على توجه واحد يعكس قدرتها العسكرية التي طالما تبجح بها ترمب أكثر من أي رئيس أمريكي آخر، وهو ما عزز من ثقة النظام الإيراني بنفسه وبقدرته على امتصاص معظم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها في الحرب، لا سيما وأن النظام الحاكم بنى تجربته بممارسة أقسى درجات القمع في تعامله مع انتفاضات الشعب الإيراني، وإرغامه على التعايش مع الواقع المعاشي المتردي، وانعدام الخدمات منذ 1979، ولأنه كان يتعامل بمنتهى القسوة والوحشية مع كل من يعترض على البطالة وتفشي الفقر وانعدام الخدمات وارتفاع نسبة التضخم.
هل فكر الرئيس الأمريكي أو أحد مساعديه، بالصورة الراهنة للمشهد العام للنزاع الحالي بعد مواجهات لا تختلف كثيرا عن أفلام الأكشن الأمريكية، والذي يجسد فيه البطل أعلى درجات التسامح والفروسية مع ألد خصومه، هذا المشهد الممل الذي استمر عرضه أكثر من سنة بين الولايات المتحدة وإيران، وكان الرئيس ترمب يقول إن إيران في أضعف حالاتها العسكرية، مقابل أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية منذ أن عرف الإنسان تشكيل الجيوش الوطنية لحماية البلدان وسيادتها واستقلالها، كيف سيكون شكل النزاع لو أن إيران كانت أكثر قوة مما حصل لها بعد التدمير الذي تحدث عنه ترمب؟ وماذا لو أنها استطاعت خداع المجتمع الدولي وامتلكت السلاح النووي في غفلة منه، وهي بلا شك قادرة على تأدية أكثر ألاعيب الخداع والتضليل كفاءة، فإذا كانت إيران قد فقدت ثلاثة خطوط من زعاماتها السياسية والعسكرية وهي تحافظ على هذا المستوى من العناد والمناورة، فكيف ستكون إذا عززت قدراتها العسكرية بسلاح نوعي في زمن لا تخضع فيه سوق السلاح الدولية، لأية رقابة أو قدرة على التحكم بصفحاتها أو صفقاتها؟ فطالما هناك رؤية ثنائية أو ثلاثية للمشهد، وطالما هناك أكثر من إغراء مالي أو استراتيجي يتعلق بواقع المنطقة الأكثر استقطابا للتنافس الدولي، فهناك دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية التي ستجد في نفسها رغبة في إيجاد موطئ قدم استراتيجي فيها، وكسب جولة صغيرة في معركة طويلة الأمد بين مراكز الاستقطاب القائمة حاليا أو في طريقها للتشكل، ثم أن برامج إيران في مجال تطوير أسلحتها الخاصة واحتمال حصولها على السلاح النووي، هذا كله سيعزز من قدراتها العسكرية في مواجهة أي تحرك عسكري مضاد، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
الحديث يتواصل هذه الأيام بسذاجة مفرطة عن الموقع المنيع للجغرافية الإيرانية، بحيث يوحي للمتلقي بأن إيران عصية على أي هزيمة عسكرية ومن أية قوة خارجية، ويُصورها كقلعة منيعة لا يمكن اختراق أسوارها، صحيح أن إيران نجحت في توزيع معامل برنامجها النووي، في مواقع ذاتية التحصين، ولكن مواصلة الحديث عن هذا الملف يراد منه زرق إبرة معنويات إضافية للإيرانيين وتصوير بلدهم بأنه بعيد عن أي اختراق خارجي، وتعطيها تطمينا بأنها تواجه العالم اليوم بسلاح أمضى من السلاح النووي، والذي لو كانت امتلكته حقا، لما تأخرت دقيقة واحدة في استخدامه بوجه أي تهديد خارجي أو حتى داخلي يهدف إلى اسقاط النظام فلن يتردد لحظة في قمع أي تحرك مهما بلغ الثمن، وزرع اليأس والإحباط في نفس كل من يفكر بالتصدي للمشروع الإيراني التوسعي.
لو أن الرئيس الأمريكي ينتقل من الضرب المتكرر لأهداف ثبت بالتجربة عدم قدرتها على إلحاق القدر الكافي من الألم بالوضع الإيراني سياسيا واقتصاديا، إلى اختيار أهداف نوعية قادرة على فرض حالة من الشلل الاقتصادي في البلاد وفي حركة المجتمع اليومية، كضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط ومنصات التصدير الإيرانية للغاز أو للنفط، وضرب الطرق والجسور، لما استطاعت إيران الصمود ساعة واحدة وبذلك تسقط تلك الدينوصورات التي عجز ترمب عن التعاطي معها بما تستحق من أساليب.
إيران هذه التي تزعم الدوائر الغربية وخاصة مراكز الدراسات الأمريكية بهدف تثبيط العزائم، ويشار إليها بالقول إن إيران بسبب اتساع رقعتها الجغرافية، وبسبب تضاريسها المعقدة غير قابلة للهزيمة، ولكن إيران هذه نفسها بجغرافيتها وتضاريسها وفارق السكان الذي يميل لصالحها بثلاثة أضعاف، هُزمت شر هزيمة في الحرب العراقية الإيرانية التي تواصلت بلا انقطاع لمدة ثمانية أعوام، مع وجود الخميني الذي يحمل لوحده حاصل جمع عناد الإيرانيين، ومع ذلك أرغمه العراقيون على تجرع كأس السم عندما اختار الأهداف المفصلية التي يجب أن تضرب، عندما كان العراق لا يمتلك واحدا بالألف مما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري هائل، الفارق الوحيد هو امتلاك الإرادة السياسية لإحراز النصر مع وجود رؤية واضحة للوصول إلى هذا الهدف.
لا أعتقد بوجود دولة واحدة في العالم على استعداد لقبول فكرة خروج إيران منتصرة من الحرب مع الولايات المتحدة، بل لا تريد أية دولة أن تسمع من إيران المزاعم التي تعودت على إطلاقها مع كل مواجهة تخوضها مع أي طرف آخر، عن انتصار بأي قدر من المقادير، لأن إيران إن خرجت منتصرة فعلا فإنها بما تمتلكه من أذرع كاملة الولاء لأطروحة ولاية الفقيه، والمندفعة وراءها بحماسة تفوق حماسة معظم الإيرانيين وراء تلك الأطروحة، وستفرض هيمنة سياسية واقتصادية وتحكم بقبضة من حديد، حركة المجتمع استنادا إلى قناعات عقائدية، عليها وعلى معظم دول المنطقة وتُحَول تلك الدول إلى أقمار صغيرة تدور في فلكها بل حيثما استطاعت الوصول، وتسيطر على مواردها الاقتصادية تحت ذرائع الولاية الدينية التي تجعل من أي بلد خارج الحدود الإيرانية مجرد منجم واجبه رفد الخزينة الإيرانية بكل مداخيله كي تغتني حتى لو عاشت الأقاليم الأخرى تحت حادلة الانسحاق الإنساني، وحينذاك ستكون الدولة الإيرانية الجديدة أكبر كتلة اقتصادية وقوة عسكرية إقليمية، وذلك بتأسيس مليشيات مرتبطة فنيا وسياسيا بالحرس الثوري الإيراني، ولن تختلف أوضاع المجتمعات الجديدة عما حصل في العراق ولبنان واليمن وسوريا قبل اسقاط الشعب السوري لنظام بشار.

1635 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع