الثورة الفرنسية ١٧٨٩

 د. ضرغام الدباغ

 

العدد : 498
التاريخ : تموز / 2026

   الثورة الفرنسية ١٧٨٩

لابد من التنويه إلى أن مجموعة الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية التي كانت سائدة في فرنسا وأوربا بصفة عامة، ثم التيارات بل العواصف الفكرية التي كانت تدور بشدة في أوربا، وكانت فرنسا أحدى بؤرها الساخنة، وكانت مؤشرات الظروف ومحصلتها تقود إلى انفجار الثورة " والوضع الثوري هو مجمل العوامل الموضوعية التي تؤدي بإتحادها مع العامل الذاتي إلى الثورة، وفي عداد العوامل الموضوعية يجب أن نضع قبل كل شيء تأزم حاجات الجماهير المضطهدة تأزماً شديداً، فتبدأ وتتقدم بمطالبها الخاصة" .(103) أما العامل الذاتي فهو قدرة الجماهير على القيام بأعمال ثورية.

وقد بلغت التناقضات في المجتمع الفرنسي حداً لا يمكن معه وضع حلول سلمية للإصلاح في ظل السلطة الملكية الغارقة في الفساد وفي تهرأ العلاقات الائتلافية بين الملك والإقطاع والكنيسة، ونشاط ظاهر ملموس للعناصر البورجوازية الفتية، تساندها فئات ثورية من الشعب (كادحي المدن ـ الفلاحين الفقراء) وكان مجلس طبقات الأمة يضم نسب من النواب المتطلعين إلى التغير، مساوي لنواب الإقطاع والنبلاء والحاشية والعناصر الفاسدة، فأمكن بذلك نقل الصراع إلى داخل البرلمان. والانفجار الذي بدأ داخل البرلمان بسبب عقم وعجز السلطة عن التوفيق بين مصالحها وتطلعات ورغبات الشعب، سرعان ما أنتقل نار التناقض إلى الشارع الملتهب جوعاً وتعسفا، فكان الهجوم على سجن الباستيل 14 / تموز ـ يوليه / 1789، علامة البدء بالتغير.

وقد أكدت الثورة الفرنسية / 1789 على الشعارات التي كانت محور المفكرين المتنورين التي تؤكد على حرية الإنسان وعلى المساواة والحقوق المتساوية للمواطنين. وللثورة الفرنسية الفضل في إشاعة مصطلح (مواطن) والتصدي للمظالم وقهر الإنسان، أن الدولة تستمد وجودها من الحقوق الطبيعية، وأن الشعب مصدر السلطات وتأكيد الثورة على الملكية الخاصة.(104)

وقد مرت الثورة بثلاث مراحل أساسية دارت فيها الصراعات بين الثورة وخصومها في الخارج والداخل، في الخارج مع الرجعيات الأوربية التي رأت في الثورة النذير الذي يتنبأ بكنهة المرحلة المقبلة، وفي الداخل مع العناصر الرجعية من أنصار الملكية والإقطاع والنظام القديم التي استشرفت ملامح المرحلة التي ستخسر فيها الكثير من أمتيازاتها الاجتماعية/ الطبقية، والسياسية/ الثقافية، هذه القوى لمعسكر مقابل معسكر الثورة وقواها التي تهدف إلى الارتقاء بالثورة إلى أهداف أكثر سمو ورفعة، والمؤلفة من القوى البورجوازية الجديدة الناشئة ومفكريها ومثقفيها، متحالفة مع أجنة الفئات العاملة في المدن والكادحين، والفلاحين الفقراء وكادحي الأرياف من جهة أخرى :

* المرحلة الأولى :
السلطة بيد البورجوازية الكبيرة: 14 / تموز ـ يوليو /1789 إلى 10/ آب ـ أغسطس / 1792.
الحكم بيد الجمعية التأسيسية، التي أقدمت على بعض الإجراءات والتشريعات، قلصت من نفوذ الإقطاع والقضاء الديني(الأكريلوس)، وأصدرت في 26/ آب ـ أغسطس / 1789 " إعلان حقوق الإنسان والمواطنين"، ولكن التحولات التي كانت تقلص نفوذ الإقطاع كانت تكرس نفوذ البورجوازية. وقد أفرزت الثورة ثلاث نوادي ثورية مثلت دور الأحزاب السياسية:

ـ نادي(حزب) اليعاقبة : وقد أتخذ من اسم دير القديس يعقوب، وكان الدور القيادي فيه لأنصار الملكية الدستورية (ميرابو ـ بارناف ـ لافاييت) وقد حدث لاحقاً انشقاق في هذا النادي أفرز حزباً جديداً وهو :
ـ نادي(حزب)الفوياف : وهو حزب أنشق عن اليعاقبة، وكان الاتجاه السائد فيه هو الاتجاه البورجوازي الديمقراطي برئاسة مكسيميليان روبسبير.
ـ نادي(حزب) الكوردولييو : وهو اسم قد أخذ من دير الفرنسيسكان الكودوليير ومن زعمائه: دانتون وبيار غاسبا شوميت، وجان بول مارا. وكان مارا أكثر زعماء الحزب راديكالية(جذرية) وديمقراطية.

ويلاحظ أن معظم أسماء الأحزاب اتخذت من أسماء كنائس وأديرة واتجاهات كنسية، وهذه بالطبع ليست مصادفة. فالبورجوازية لم تكن بعد في وارد تأسيس أحزاب طبقية، وعلى هذا الأساس فإن أسماء الأحزاب الإسلامية الأولى التي تدل على معنى سياسي أكثر عمقاً مع أنها لم تكن بعيدة عن الإحساس الديني مثل: جماعة العدل والتوحيد/المعتزلة، أو المرجئة، مع العلم أن الفارق بين الأحداث لا يقل عن ثمانية إلى عشرة قرون ..!
ومن أبرز ما تم في هذه المرحلة، هو في الواقع كان يعد خيالاً أو جنوناً، فقد تمت مصادرة ألأملاك الكنيسة، كما أخضعت الكنيسة للدولة، ولكن هذه الإجراءات وغيرها الحاسمة ضد الملك، دفعت الأنظمة الملكية الأوربية للتحالف ضد الثورة.

* المرحلة الثانية :
السلطة بيد البورجوازية التجارية الصناعية، من 10/ آب ـ أغسطس/1792 وحتى 2/ حزيران ـ يونيو / 1799(اقل من سنة).
الحكم بيد المجلس التنفيذي المؤقت الذي شكله المجلس التشريعي الذي هيمن عليه الجيرونديون، وهم ممثلي البورجوازية الصناعية، وكانوا يمثلون الأغلبية ضمن جزب اليعاقبة(إذن هم تيار أو تكتل داخل اليعاقبة). وكان اليعاقبة يجلسون إلى يسار المجلس والفويان إلى اليمين، ومن هنا بدأت تسمية الأحزاب باليسار واليمين.
وفي هذه المرحلة أتخذ القرار بإلغاء الملكية وأعلنت الجمهورية: 21/ أيلول ـ سبتمبر / 1792 ولكن يلاحظ عمق معنى عدم اتخاذ الدولة الفرنسية هذا اليوم عيداً قومياً لفرنسا، وهو اليوم الذي أصبحت فيه فرنسا جمهورية، بل اعتبرت 14/ تموز ـ يوليو / 1789، يوم سقوط الباستيل، واستمرت الملكية ثلاث سنوات ونيف بعد ذلك التاريخ.

* المرحلة الثالثة :
السلطة بيد الديكتاتورية الديمقراطية الثورية من 2/ حزيران ـ يونيو / 1793 وحتى 27/ تموز ـ يوليو /1794(سنة واحدة وشهر).
كانت الصراعات تدور بين عناصر وكتل الثورة، وأحياناً ضمن الكتلة الواحدة، فكما افرز حزب اليعاقبة في وقت مبكر حزب الفويان، وأفرز تيار الجيرونديين ضمن حزب اليعاقبة فصار اسمهم اليعاقبة الجيرونديين، أفرزت أيضا اليعاقبة الجبليين الذين قاموا بانتفاضة صفوا فيها نفوذ الجيرونديين.
وقد اشتدت المنافسات بين اليعاقبة الجيرونديين الذين أصبحوا يمثلون تياراً يمينياً، فيما أصبح الجبليين يمثلون اليسار في حزب اليعاقبة، وسموا بالجبليين لأن الأغلبية كانت من مناطق السهول. وقد تحالف اليعاقبة الجبليين مع فئات يسارية مثل (المسعورين) وسموا بهذا السم لأنهم كانوا يطالبون بإلحاح مصالح الفقراء والكادحين، كما كانوا يريدون القضاء على النظام البورجوازي. وقالوا أن الحرية هي مصطلح لا معنى له عندما يكون بوسع طبقة أن تميت طبقة أخرى من الجوع. وقد استلم تحالف اليعاقبة الجبليين والمسعورون السلطة، وقادوا المرحلة الثالثة والأخيرة من الثورة.
وفي هذه المرحلة نشط التحالف الدولي المعادي للثورة الفرنسية من قبل الحكومات وجيوش النمسا ـ بروسيا ـ إنكلترا، وفي هذه المرحلة أيضا اتخذت قرارات هامة من قبل الحكومات مثل: إصدار دستور جديد. وكان الدستور الأوفر ديمقراطية من بين دساتير أوربا، اقر فيه حقوق الإنسان، وأن الخير العام هو غاية الجميع، كما أعلن عن حرية الفكر والكتاب، والاجتماع والإيمان وممارسة الشعائر الدينية وحق تقديم العرائض والحق في العمل والتعليم، وبحق الشعب بالثورة وإلغاء حقوق الإقطاع وأحرقت الوثائق الإقطاعية.

ولكن الانشقاق المتعدد ضمن اليعاقبة كان يضيع الفرصة على بلورة موقف الثورة وقطف ثمارها. وقد انتهت المرحلة الثالثة بسقوط اليعاقبة وزعيمهم روبسبير في 27/ تموز ـ يوليو / 1794، ونهاية الثورة البورجوازية الفرنسية الكبرى.(105)

وبصرف النظر عن مفردات الأحداث في الثورة الفرنسية، لا يسعنا سوى الإقرار أن المراحل الثلاث التي استغرقت خمس سنوات تقدم فيها الفكر ونظريات الحكم أكثر مما تقدم خلال قرون، برغم أن الثورة قد أخفقت في تحقيق هدف مهم، وهو بقائها..! إلا أنها ساهمت مساهمة كبيرة في تطوير الفكر ورفع الحد الأدنى من المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتقيد الأنظمة الملكية بالدساتير، وسيادة القانون، والحرية والمساواة، وإنهاء نفوذ الكنيسة وتقليص سيطرة الإقطاع والنبلاء، وشيء آخر مهم، هو اتساع إشعاع الحرية وآفاقها.
عزز هذه المنجزات التي قطعتها الثورة الفرنسية، ودخول أوربا مباشرة في عصر الثورة الصناعية التي أفرزت معطيات جديدة على الصعيد الاقتصادي/السياسي، أفضت بدورها إلى تحولات في غاية الأهمية، كان لا بد أن يكون لها انعكاساتها على الصعيد الفكري، ومن تلك تصاعد وتنامي التيارات الراديكالية، وبروز تيارات اشتراكية على اثر بروز وتعاظم مكانة الطبقة العاملة في البلدان الصناعية الرئيسية، وصولاً إلى ظهور أفكار الاشتراكية العلمية على يد الألمانيين كارل ماركس، وفردريك أنجلز اللذان سيلعبان دوراً تاريخياً مهماً في تاريخ الفكر الفلسفي / الاقتصادي/ السياسي، تتحول فيه الأفكار الاشتراكية من مجرد شعارات وأفكار إنسانية نبيلة المقصد والأهداف، إلى قواعد وقوانين علمية دقيقة، وصياغة فكر سيكون له آثاره العالمية في القرن المقبل.
ولكن أفكار الثورة الفرنسية استمرت تشع وتضفي تفاعلاتها على الأحداث نكهة الثورة، وشرعية الانتفاضة المسلحة للجماهير، وسيشهد القرنيين القادمين، ثورات وانتفاضات مسلحة في عموم أوربا، بل وحتى في أميركا، وستشمل تأثيرات الثورة الفرنسية كافة أرجاء العالم وسوف تستمر حتى عصرنا هذا.
لا شك أن روسو هو أنضج علما السياسة في عصر النهضة (أوربا) ، وبتقديرنا يقف في الصف الأول من العلماء الذين حولوا السياسة إلى علم في أوربا. وفيما يلي بعض من أقوال جان جاك روسو :
" الشعب لا يفسد ولكنه كثيراً ما يخدع ". العقد الاجتماعي ص 58
• " أرجو من القارئ النبيه أن لا يتعجل بأتهامي بالتناقض هنا، فلم يكن بمقدوري أن أتجنب ذلك في المصطلحات لفقر اللغة ، ولكن ترقبوا قليلاً ". العقد الاجتماعي ص 70
• " كل إنسان له الحق بالمجازفة بحياته من أجل الحفاظ عليها " العقد الاجتماعي ص75
• " ن أفكاري جميعها منسقة ولكن ليس في وسعي عرضها جميعاً في آن واحد " العقد الاجتماعي ص76
• " إني لا أعرف أن أكون واضحاً لمن لا يريد أن يكون منتيهاً " العقد الاجتماعي ص105
• " قال أحد ملوك إيطاليا : إنني أفضل الحرية مع الخطر على السلم مع العبودية " العقد الاجتماعي ص 120
• " كل قانون لا يوافق عليه الشعب يكون باطلاً ". العقد الاجتماعي ص 155
• " وإني لأبسط رأي بصراحة لا أرتجي منه على الناس سلطاناً، بل ليزنوها ويقيموها، ثم ليحكموا لي أو علي ..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

103. مجموعة مؤلفين: عرض اقتصادي تاريخي، ص36
104.الطعان، د. عبد الرضا: تاريخ الفكر السياسي الحديث، ص476
105. مجموعة مؤلفين: عرض اقتصادي تاريخي، ص36

هذا المبحث مستل من مؤلفنا الاستهلال والاستكمال/ الجزء الثاني

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1298 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع