
نزار جاف
"٣٠ أيلول"... الموعد الذي تخشاه أميركا وتنتظره النجباء!
يبدو أن العراق دخل أخيرا مرحلة جديدة من تطور مفهوم السيادة: لم تعد الحكومة وحدها هي التي تحدد مواعيد الانسحاب، بل أصبحت الفصائل المسلحة تراقب التقويم، وتضع خطا أحمر تحت التاريخ، ثم تستعد لإطلاق "المعركة الحاسمة"!
أكرم الكعبي، الأمين العام لحركة النجباء، أعلن أنه يراقب يوم 30 أيلول بـ"جهوزية كاملة وحماس واستعداد كبير". أي أن الرجل لا ينتظر انسحاب القوات الأميركية فقط، بل يبدو أنه ينتظر أيضا أن يخطئ جندي أميركي واحد في قراءة التقويم، فيجد نفسه وقد أصبح مشروع "جثة هامدة"!
يا لها من سيادة عراقية عجيبة!
الحكومة العراقية تحدد موعدا للانسحاب، والفصيل المسلح يراقب الموعد، ثم يعلن ماذا سيفعل إذا لم ينفذ الأميركيون ما يريد. وبين الحكومة والفصيل، يقف المواطن العراقي متفرجا، محاولا أن يفهم: من الذي يقرر فعلا؟
والأجمل أن الكعبي يتحدث عن «المعركة الحاسمة» وكأن العراق يستعد لمعركة تحرير تاريخية، لا لمجرد تنفيذ اتفاق وانتهاء مهمة عسكرية.
لقد أصبح لدينا إذن قاموس جديد للمقاومة:
إذا انسحب الأميركيون، فهذه ثمرة المقاومة.
وإذا لم ينسحبوا، فهذه أيضا ثمرة المقاومة.
وإذا بقي جندي واحد، فهناك "معركة حاسمة".
وإذا لم يبق أحد، فربما علينا أن نبحث عن جندي افتراضي كي تستمر الحكاية!
أما التهديد بأن الجندي الأميركي "لن يعود سالما"، فيحتاج إلى وقفة. لأن السؤال البسيط الذي لا يبدو أن أحدا طرحه هو: من أعطى حركة النجباء تفويضا بإعلان الحرب على أرض العراق؟
هل هو البرلمان؟
هل هي الحكومة؟
هل هو الجيش العراقي؟
أم أن هناك مادة جديدة في الدستور اسمها: "الأمين العام للفصيل يقرر"؟
المضحك المبكي أن الحكومة نفسها تريد حصر السلاح بيد الدولة، وائتلاف إدارة الدولة حذر من أي نشاط مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية بعد 30 أيلول، وذكر بأن قانون مكافحة الإرهاب سيكون حاضرا.
أي أن المشهد قد يصبح أكثر غرابة من أي وقت مضى: فصيل مسلح يقول إنه يستعد لمواجهة القوات الأجنبية، بينما الدولة التي يفترض أن تمثل السيادة تقول إن العمل المسلح خارج مؤسساتها قد يكون إرهابا.
وهنا تتجلى العبقرية السياسية للمشهد العراقي: الجميع يتحدث باسم الدولة، إلا الدولة نفسها!
ثم يأتي الحديث عن ترامب، وعن عجزه عن تحقيق النصر في إيران، وعن بحثه عن انتصارات إعلامية. حسنا، لنفترض أن ترامب يحب الانتصارات الإعلامية. لكن هل يحتاج العراق إلى فصيل مسلح كي يخوض حربا إعلامية مضادة؟ أم أن بيانات "المعركة الحاسمة" أصبحت بحد ذاتها نوعا من الانتصارات الإعلامية؟
والسؤال الأكثر إحراجا للفصائل هو التالي:
إذا خرج آخر جندي أميركي من العراق، وانتهى السبب المعلن لوجود السلاح، فما الذي سيبقى؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن السلاح الذي قيل إنه وجد لمقاومة الاحتلال، لم يعد يبدو مستعدا لمغادرة المشهد مع مغادرة الاحتلال. وكأن الاحتلال كان ضيفا، أما السلاح فصاحب البيت!
والمواطن العراقي، الذي عاش سنوات طويلة تحت ظلال الحروب والاغتيالات والصواريخ، ربما لا يريد "معركة حاسمة" جديدة. ربما يريد شيئا أكثر بساطة وأقل بطولة: دولة تحميه، وقانونا يطبق على الجميع، وسلاحا لا يحتاج كل صباح إلى بيان يشرح لماذا ما زال موجودا.
أما "30 أيلول" فقد يكون بالفعل يوما حاسما، ولكن ليس بالطريقة التي يتصورها الكعبي.
إنه موعد ينبغي أن يطرح فيه السؤال الذي تهربت منه السياسة العراقية طويلا:
بعد خروج القوات الأجنبية، هل تستطيع الفصائل أن تخرج هي أيضا من منطق الحرب؟
فإذا كان الجواب نعم، فلتضع السلاح في عهدة الدولة.
وإذا كان الجواب لا، فالمشكلة لم تعد في الأميركي الذي يغادر العراق، بل في السلاح الذي لا يريد أن يغادر السياسة.
وعندها لن تكون المعركة الحاسمة مع الأميركيين.
ستكون المعركة الحقيقية: هل يصبح العراق دولة فعلا، أم يبقى بلدا تتعدد فيه الدول، وتتعدد الجيوش، وتتعدد "المواعيد الحاسمة"... بينما يبقى المواطن وحده يدفع ثمن كل الانتصارات؟

988 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع