
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس

مضيق هرمز: ماذا تقول المصادر التاريخية عن اسمه؟
مدخل
تدور منذ فترة أحاديث ومقالات وجدالات حول تسمية مضيق هرمز، ولا سيما في ظل ظروف الصراع الحالي في المنطقة، وقد تداخل هذا النقاش أحيانًا مع الخلاف القديم حول تسمية الخليج: أهو الخليج العربي أم الفارسي أم خليج البصرة؟ والحقيقة أن موضوعي هنا ليس الدخول في ذلك الخلاف؛ إذ إنني شخصيًا مقتنع بتسمية الخليج العربي، ولي في ذلك أسبابي، ولكنني أريد أن أحصر هذه الدراسة في مسألة أكثر تحديدًا: ما الأصل التاريخي لتسمية مضيق هرمز؟ ومتى ظهر هذا الاسم؟ وهل حمل هذا الممر المائي أسماء أخرى في العصور السابقة؟
وقد ظهرت في السنوات الأخيرة، وتجددت بقوة في الأشهر الماضية، دعوات إلى تغيير اسم المضيق. فمنهم من اقترح تسميته «مضيق عمر» نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من رأى أن الأولى تسميته «مضيق خالد بن الوليد»، وربط أصحاب هذا الرأي اقتراحهم بمعركة ذات السلاسل التي خاضها خالد بن الوليد رضي الله عنه ضد القوات الساسانية بقيادة هرمز سنة 12هـ/633م. بل ذهب بعضهم إلى القول إن «هرمز» الذي يحمل المضيق اسمه هو القائد الفارسي نفسه الذي قتله خالد في تلك المعركة.
وقد تناولت بعض المقالات المنشورة في عام 2026 هذا الطرح صراحة، وذهبت إحداها إلى الدعوة إلى «مضيق جبل خالد»، قياسًا على جبل طارق، فيما انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صيغة أكثر حدة تقول إن الاسم «الحقيقي» للمضيق هو مضيق خالد بن الوليد، وإن اسم هرمز يمثل تحريفًا أو تزويرًا للتاريخ.
غير أن البحث التاريخي لا يستطيع أن يبدأ من النتيجة التي نريد الوصول إليها، ولا أن يجعل من الموقف السياسي الراهن معيارًا للحكم على جغرافية تمتد أسماؤها عبر أكثر من ألفي سنة. لذلك عدت إلى ما أمكن الوصول إليه من المصادر القديمة، العربية وغير العربية، وإلى الدراسات الجغرافية والتاريخية الحديثة، كما راجعت عددًا من المصادر والمراجع في مكتبة اتحاد الإمارات في أبوظبي، محاولًا الإجابة عن سؤال واحد بعيدًا عن العاطفة والمواقف السياسية المعاصرة:
ماذا تقول المصادر التاريخية فعلًا عن اسم هذا المضيق؟
أولًا: معركة ذات السلاسل لا تفسر اسم هرمز
تبدأ المسألة من ضرورة تصحيح خطأ أصبح يتكرر في بعض الكتابات المعاصرة.
وقعت معركة ذات السلاسل أو كاظمة سنة 12هـ/633م، في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وليس في خلافة عمر بن الخطاب. وكان الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد، في مواجهة قوات ساسانية يقودها رجل يدعى هرمز. وتورد المصادر الإسلامية قصة مبارزة خالد وهرمز ومقتل الأخير، ثم هزيمة القوات الساسانية (الطبري، د.ت.; ابن الأثير، د.ت.). وقد تناولتُ هذه المعركة في كتابي فن الحرب عند العرب المنشور في بغداد عام 1999 وكذلك في كتاب المعنون فن العربي الإسلامي في العصر الراشدي المنشور في عمان عام 2023 ، عند دراسة حملة خالد الخاطفة في جنوب العراق، وما تميزت به من سرعة الحركة والمناورة والانتقال المتتابع بين الأهداف (خماس، 2018). لكن هذه المعركة، على أهميتها العسكرية والتاريخية، لا تقدم دليلًا على أصل تسمية مضيق هرمز. فالخلط نشأ، على ما يبدو، من تطابق اسم القائد الساساني هرمز Hormuz مع اسم جغرافي كان معروفًا في المنطقة بصيغ قريبة من Hormuz غير أن التشابه الاسمي لا يثبت علاقة سببية بين الرجل والمكان. والدليل الزمني هنا قاطع تقريبًا: اسم قريب جدًا من «هرمز» كان معروفًا عند مدخل الخليج قبل معركة ذات السلاسل بنحو تسعة قرون ونصف. ومن ثم لا يمكن منطقيًا أن يكون اسم المكان قد اشتق من اسم قائد قُتل سنة 633م، إذا كان الاسم الجغرافي نفسه موثقًا منذ القرن الرابع قبل الميلاد.
ثانيًا: نيارخوس وظهور Harmozia قبل الإسلام بنحو ألف سنة
يقودنا البحث إلى حملة الإسكندر المقدوني. ففي سنة 325 ق.م تقريبًا أبحر القائد البحري نيارخوس Nearchus بأسطول الإسكندر من مصب نهر السند غربًا، بمحاذاة سواحل مكران وكرمان، وصولًا إلى مدخل الخليج.
وقد حفظ المؤرخ اليوناني أريان Arrian في كتابه Indica تفاصيل هذه الرحلة، استنادًا إلى رواية نيارخوس. وعندما بلغ الأسطول نهرًا يسمى Anamis، الذي يطابقه كثير من الباحثين بنهر ميناب الحالي، يقول أريان إن المنطقة المحيطة به كانت تسمى: Harmozia – هرموزيا/هرمزيا. ويصفها بأنها أرض خصبة تتوافر فيها المنتجات المختلفة باستثناء الزيتون (Arrian, 1971, 33.2–3) وهذا النص بالغ الأهمية، لأنه يعود بنا إلى نحو 325 ق.م. كما يظهر عند الجغرافي سترابون Strabo اسم قريب آخر هو Harmozon لرأس ساحلي في كرمان مقابل الرأس العربي الذي عُرف في المصادر الكلاسيكية باسم Maceta، ويربطه الباحثون بمنطقة رأس مسندم ومدخل الخليج (Strabo, 1930, 16.3.2). وتذكر المصادر الكلاسيكية صيغًا أخرى متقاربة مثل Armysia و Armuzia عند بليني، كما يظهر الاسم عند بطليموس في جغرافية كرمان.
إذن نحن أمام عائلة من الأسماء الجغرافية المتقاربة: Harmozia، Harmozon، Armuzia، كانت مستخدمة عند مدخل الخليج منذ العصور السابقة للإسلام. لكن ينبغي هنا تسجيل ملاحظة منهجية مهمة: هذه المصادر لا تقول إن المضيق نفسه كان يسمى آنذاك (مضيق هرمز). Harmozia كانت منطقة أو مستوطنة، وHarmozon رأسًا ساحليًا. ولذلك فإن القول إن اسم «Strait of Hormuz» بصيغته الحالية يعود حرفيًا إلى سنة 325 ق.م سيكون مبالغة لا تسندها النصوص.
ما نستطيع إثباته هو شيء أدق: الجذر الجغرافي لاسم هرمز كان موجودًا في منطقة مدخل الخليج منذ القرن الرابع قبل الميلاد على الأقل.
ثالثًا: أين كانت هرمز القديمة؟
من أسباب الالتباس أن «هرمز» لم تكن دائمًا الجزيرة التي تحمل هذا الاسم اليوم. كانت هرمز القديمة مدينة على الساحل الشرقي للخليج، في منطقة قريبة من ميناب الحالية. وقد احتلت موقعًا تجاريًا مهمًا لأنها كانت نقطة اتصال بين طرق كرمان الداخلية والتجارة البحرية المتجهة نحو عُمان والهند والعراق.
وتشير المصادر الجغرافية الإسلامية إلى هرمز باعتبارها مدينة وميناء. ويصفها المقدسي في القرن العاشر الميلادي بأنها مركز تجاري، كما تظهر في مؤلفات الإصطخري وغيره من جغرافيي ذلك العصر. وهذا أمر مهم؛ لأن المصادر العربية الإسلامية المبكرة والمتوسطة تذكر هرمز المدينة دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تسمي الممر البحري كله «مضيق هرمز».

ثم طرأ تحول مهم في أواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر. فبسبب الاضطرابات والغارات التي تعرضت لها هرمز القديمة على البر، انتقل مركز الحكم والتجارة إلى جزيرة كانت تعرف باسم جرون أو زرون Jarun. وأنشئت فيها هرمز الجديدة، ثم غلب اسم هرمز تدريجيًا على الجزيرة نفسها. وقد شاهد ابن بطوطة هذا الوضع في القرن الرابع عشر فقال: «وهرمز مدينة على ساحل البحر… وتقابلها في البحر هرمز الجديدة». ثم يوضح أن هرمز الجديدة تقع في جزيرة وأن مدينتها تسمى جرون، ويصفها بأنها «مرسى الهند والسند» الذي تنقل منه البضائع إلى العراقين وفارس وخراسان (ابن بطوطة، د.ت.).
وهذه الشهادة تكشف أمامنا عملية انتقال الاسم بوضوح: هرمز المنطقة القديمة → هرمز المدينة الساحلية → مملكة هرمز → هرمز الجديدة في جزيرة جرون → جزيرة هرمز. ومن الطبيعي بعد ذلك، مع ازدياد أهمية الجزيرة وسيطرتها على الملاحة عند مدخل الخليج، أن ينتقل اسمها إلى الممر البحري المجاور.
رابعًا: «الدردور»… الاسم العربي الذي يستحق التوقف عنده
أثناء البحث ظهرت مسألة أكثر إثارة للاهتمام من الجدل حول (خالد) و(هرمز)، وهي كلمة (الدردور) . فالمصادر الجغرافية والملاحية العربية في العصور الوسطى تعرف موضعًا بحريًا بهذا الاسم في المنطقة الواقعة بين عُمان والساحل المقابل. ويصف أحد النصوص القديمة الطريق البحري بين (سيراف) و(مسقط) ، ثم يقول عن الجانب العُماني: «وفي غربي هذا البحر جبال عمان وفيها الموضع الذي يسمى الدردور، وهو مضيق بين جبلين، تسلكه السفن الصغار ولا تسلكه السفن الصينية». وهذه العبارة مهمة جدًا؛ لأنها تستخدم كلمة «مضيق» صراحة. ويظهر الدردور أيضًا عند الإدريسي في نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. فهو يصف بحر فارس وجزيرة ابن كاوان، ثم يذكر الدردور ويقول إنه موضع يدور فيه الماء كدوران الرحى، ويضيف: «وهو مضيق على مقربة من جبلي كسير وعوير تسلكه السفن الصغار». ويصف الجغرافيون كسيرًا وعويرًا بأنهما من أخطر المواضع البحرية في طريق الملاحة بين عُمان والبصرة وسيراف، وأن الربابنة كانوا يعرفون مواضعهما ويتجنبون أخطارهما. ويذكر المهلبي كذلك الدردور وكسيرًا وعويرًا، ويضعهما في البحر من جهة عُمان، كما يورد ياقوت الحموي تعريفًا قريبًا للدردور باعتباره موضعًا في سواحل بحر عُمان ومضيقًا بين جبلين تسلكه السفن الصغيرة. إذن الدردور ليس اختراعًا معاصرًا، بل مصطلح جغرافي وملاحي عربي قديم موثق. لكن هل نستطيع بناءً على ذلك القول إن الاسم التاريخي لمضيق هرمز كان «مضيق الدردور»؟
هنا يجب أن يتدخل التحفظ العلمي. فالإدريسي نفسه يتحدث عن ثلاثة درادير في بحار مختلفة، أحدها في هذه المنطقة، وآخر قرب جزيرة قمار، وثالث في أقصى الشرق. وهذا يدل على أن كلمة «دردور» كانت تحمل أيضًا معنى ملاحيًا عامًا يتعلق بدوران الماء والتيارات والدوامات البحرية. وفوق ذلك، فإن النصوص التي اطلعت عليها تصف الدردور بأنه موضع داخل المنطقة البحرية أو مضيق محلي بين جبلين، لكنها لا تقدم حتى الآن نصًا قاطعًا يقول إن كامل الممر الذي يفصل اليوم بين مسندم والساحل المقابل كان يسمى رسميًا «مضيق الدردور». ولذلك يكون الاستنتاج الأكثر أمانة: الدردور اسم عربي تاريخي ثابت لموضع ملاحي أو مضيق في منطقة مدخل الخليج، ولكنه ليس، وفق الأدلة المتاحة، اسمًا مثبتًا للممر كله بالمعنى الجغرافي الحديث لمضيق هرمز. وهذا التفريق ضروري، وإلا وقعنا في الخطأ نفسه الذي نحاول تصحيحه.
خامسًا: هل «هرمز» اسم القائد الذي قتله خالد بن الوليد؟
هذه ربما أهم نقطة في الجدل المعاصر. لقد كان قائد القوات الساسانية في ذات السلاسل يسمى هرمز، وهذا ثابت في المصادر الإسلامية. وقتله خالد بن الوليد في المعركة. لكن لا توجد رابطة تاريخية موثقة بين هذا الرجل وبين تسمية المضيق. بل إن الدليل المتاح ينفي هذه الفرضية زمنيًا؛ لأن Harmozia و Harmozon ظهرتا في المصادر الكلاسيكية قبل مولد هرمز قائد ذات السلاسل بقرون طويلة. ويبدو أن التشابه بين الاسمين أغرى بعض الكتاب المعاصرين بالربط بينهما، ثم تطورت الفكرة إلى رواية تقول: إذا كان خالد قد قتل هرمز، فمن الأولى أن يسمى المضيق باسم خالد. هذه حجة رمزية أو سياسية يمكن لصاحبها أن يتبناها إذا أراد اقتراح اسم جديد للمضيق، لكنها ليست حجة تاريخية لإثبات أن الاسم القديم كان «مضيق خالد». وهنا الفرق جوهري بين أمرين: اقتراح إعادة تسمية مكان في العصر الحاضر، والادعاء بأن هذا كان اسمه التاريخي الأصلي. الأول موقف سياسي أو ثقافي قابل للنقاش. أما الثاني فمسألة تاريخية تحتاج إلى وثيقة. ولم أعثر في المصادر التي راجعتها على مصدر جغرافي أو تاريخي قديم يسمي هذا الممر «مضيق خالد» أو «مضيق خالد بن الوليد».
سادسًا: وهل كان يسمى «مضيق عمر»؟
الأمر نفسه ينطبق على تسمية «مضيق عمر» أو «مضيق عمر بن الخطاب». لا شك في أن الفتوحات الإسلامية الكبرى التي أنهت الدولة الساسانية تمت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن معركة ذات السلاسل نفسها وقعت سنة 12هـ/633م في خلافة أبي بكر الصديق. ولم أجد في المصادر الجغرافية الإسلامية التي تمت مراجعتها ما يشير إلى أن الممر البحري حمل اسم عمر بن الخطاب في أي مرحلة تاريخية. وبالتالي فإن «مضيق عمر»، مثل «مضيق خالد»، اقتراح حديث وليس استعادة لاسم تاريخي موثق.
سابعًا: وماذا عن أحمد بن ماجد؟
ظهرت كذلك دعوات حديثة إلى إطلاق اسم أحمد بن ماجد على المضيق، تكريمًا لهذا الربان العربي الكبير وتراث الملاحة العربية في الخليج والمحيط الهندي. ولا شك في أن أحمد بن ماجد شخصية أكثر ارتباطًا بالبحر والملاحة من خالد بن الوليد أو هرمز قائد ذات السلاسل. فهو واحد من كبار علماء الملاحة في القرن الخامس عشر، وترك تراثًا غنيًا في الطرق البحرية والنجوم والرياح والموانئ. ومن الناحية الرمزية يمكن مناقشة تسمية ممر بحري باسمه. لكن ذلك، مرة أخرى، اقتراح لتسمية حديثة، وليس كشفًا لاسم تاريخي قديم للمضيق. والبحث التاريخي ينبغي ألا يخلط بين التكريم وبين إثبات الاسم.
ثامنًا: متى أصبح «هرمز» اسمًا للمضيق؟
يصعب تحديد سنة واحدة نستطيع القول إن الممر أصبح فيها رسميًا «مضيق هرمز». فالتحول كان تدريجيًا. عندما أصبحت هرمز الجديدة في جزيرة جرون مركزًا تجاريًا وسياسيًا ضخمًا يسيطر على مدخل الخليج، أصبحت الجزيرة نفسها علامة جغرافية يعرف بها مدخل الخليج. ثم جاءت المرحلة البرتغالية في القرن السادس عشر. وبعد استيلاء البرتغاليين على هرمز وتحصينها، أصبح اسم Ormuz حاضرًا بقوة في الخرائط والكتابات الأوروبية المتعلقة بمدخل الخليج. ومن هنا أخذ الاسم ينتقل تدريجيًا من المدينة والمملكة والجزيرة إلى الممر البحري الذي تتحكم فيه. وهذه ظاهرة معروفة في تاريخ أسماء الأماكن: فكثير من المضائق والبحار والممرات أخذت أسماءها من المدن أو الجزر أو الرؤوس الساحلية المجاورة لها. وبذلك لا نحتاج إلى افتراض وجود شخص اسمه هرمز سمي المضيق تكريمًا له.
تاسعًا: ماذا نستطيع أن نقول بثقة؟
بعد مقارنة المصادر القديمة والإسلامية والدراسات الحديثة، يمكن ترتيب تطور الاسم على النحو الآتي: نحو 325 ق.م: تظهر Harmozia في رواية رحلة نيارخوس باعتبارها منطقة عند نهر Anamis قرب مدخل الخليج.
قي العصر اليوناني والروماني: تظهر صيغ مثل Harmozon وArmysia وArmuzia مرتبطة بالمنطقة الساحلية عند مدخل الخليج.
وفي العصر الإسلامي المبكر والوسيط: تظهر هرمز مدينة وميناءً على ساحل كرمان، في الوقت الذي تستخدم فيه المصادر العربية أيضًا مصطلحات ملاحية محلية، ومن أهمها الدردور في المنطقة البحرية المقابلة لعُمان.
وفي أواخر القرن الثالث عشر ومطلع الرابع عشر: ينتقل مركز مملكة هرمز من الساحل إلى جزيرة جرون، فتنشأ هرمز الجديدة.
وفي القرن الرابع عشر: يشاهد ابن بطوطة هرمز القديمة وهرمز الجديدة ويصف جرون بأنها مركز تجاري دولي.
وفي القرنان الخامس عشر والسادس عشر: تتعاظم شهرة مملكة هرمز، ثم تدخل البرتغال المنطقة، ويشيع اسم Ormuz/Hormuz في الأدبيات والخرائط البحرية الأوروبية.
لاحقًا: يستقر الاسم الجغرافي للممر في الاستعمال الدولي بصيغة Strait of Hormuz – مضيق هرمز.
عاشرًا: التاريخ شيء والسياسة شيء آخر
ليس المقصود من هذه الدراسة الدفاع عن تسمية معينة لأسباب سياسية، كما أنها ليست جزءًا من الجدل حول تسمية الخليج نفسه. فالخلاف حول تسمية الخليج له تاريخ آخر ومصادر أخرى، وليس موضوع هذه المقالة. وإذا كان من حق أي كاتب عربي أن يقترح اليوم اسم خالد بن الوليد أو عمر بن الخطاب أو أحمد بن ماجد للمضيق، فإن من واجب الباحث أن يميز بين ما يتمناه أو يفضله وبين ما تقوله الوثيقة التاريخية. والوثيقة، حتى الآن، تقول شيئًا واضحًا: لم يكن هرمز الذي قتله خالد بن الوليد في معركة ذات السلاسل هو الذي أعطى المضيق اسمه. فالاسم الجغرافي الذي تنتمي إليه كلمة هرمز أقدم من ذلك الرجل ومن المعركة ومن الإسلام نفسه بقرون طويلة. وفي الوقت نفسه، لا تثبت المصادر القديمة أن الممر بكامله كان يسمى «مضيق هرمز» منذ عهد الإسكندر؛ بل تثبت وجود Harmozia وHarmozon في المنطقة. ثم انتقل الاسم عبر التاريخ من الأرض إلى المدينة، ومن المدينة إلى المملكة، ومن المملكة إلى الجزيرة، وأخيرًا إلى الممر البحري. كما أن المصادر العربية تقدم لنا «الدردور» بوصفه اسمًا ملاحيًا عربيًا قديمًا لمضيق أو موضع شديد الخطورة في هذه المنطقة، وهو اكتشاف مهم في تاريخ جغرافية الملاحة العربية، لكنه لا يسمح لنا، من دون دليل إضافي، بالقول إن «الدردور» كان الاسم الرسمي القديم لكامل مضيق هرمز الحالي.
الخلاصة
قد تبدو أسماء الأماكن مجرد كلمات على الخرائط، لكنها في أوقات الصراع تتحول إلى رموز للهوية والسيادة والذاكرة التاريخية. وهنا تحديدًا تزداد مسؤولية الباحث؛ لأن التاريخ يصبح أكثر عرضة لأن يُستدعى لتأييد مواقف الحاضر. ومن خلال ما أمكن مراجعته من المصادر، لا أجد أساسًا تاريخيًا للقول إن اسم المضيق كان «مضيق خالد بن الوليد» ثم استبدله الفرس باسم هرمز، كما لا أجد دليلًا على أنه كان يسمى «مضيق عمر». أما «هرمز»، فليس في أصله، وفق الأدلة المتاحة، اسم القائد الساساني الذي قتله خالد بن الوليد في ذات السلاسل. إنما ينتمي إلى اسم جغرافي بالغ القدم ظهر في المصادر اليونانية بصيغ Harmozia وHarmozon منذ القرن الرابع قبل الميلاد، ثم استمر وتحوّل عبر العصور حتى أصبح اسم المدينة والمملكة والجزيرة، ومن ثم المضيق. ويبقى الدردور شاهدًا مهمًا على معرفة الملاحين والجغرافيين العرب الدقيقة بهذا المدخل البحري، وعلى وجود مصطلحات عربية محلية لوصف أجزائه ومخاطره قبل استقرار المصطلح الحديث. ولذلك فإن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نستبدل رواية قومية برواية قومية أخرى، ولا أن نعيد رسم جغرافية الماضي وفق خصومات الحاضر. يمكن للأمم أن تقترح أسماء جديدة، لكن لا يجوز للباحث أن ينسب إلى التاريخ اسمًا لم يجده في مصادره. وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول اسم مضيق هرمز.
المراجع العربية
أبو الفداء، إسماعيل بن علي. (د.ت.). تقويم البلدان.
ابن الأثير، علي بن محمد. (د.ت.). الكامل في التاريخ. دار صادر.
ابن بطوطة، محمد بن عبد الله. (د.ت.).
تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة).
ابن خرداذبه، عبيد الله بن عبد الله. (د.ت.).
المسالك والممالك. الإدريسي، محمد بن محمد. (د.ت.).
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. الإصطخري، إبراهيم بن محمد. (د.ت.).
المسالك والممالك. الطبري، محمد بن جرير. (د.ت.).
تاريخ الرسل والملوك.
خماس، علاء الدين حسين مكي. (2018). فن الحرب العربي الإسلامي في العصر الراشدي. عمّان.
ياقوت الحموي، شهاب الدين. (د.ت.). معجم البلدان. دار صادر
مصادر معاصرة مرتبطة بالجدل
العرب، طلال عبد الكريم. (2026، 3 أبريل).
مضيق جبل خالد… لمَ لا؟ الجريدة. التميمي، عبد العزيز. (2026، 4 أبريل).
مضيق بن ماجد العربي. الراي. المصري اليوم. (2026، 25 مارس).
توفيق عكاشة يطالب بإطلاق اسم خالد بن الوليد على مضيق هرمز. جريدة المسار. (2026، 9 أبريل). مضيق خالد ابن الوليد.. وليس مضيق هرمز.
الأجنبية
. Arrian. (1971). Indica (P. A. Brunt, Trans.). Harvard University Press. Bosworth, C. E. (2004).
Hormuz I: Pre-Islamic period. Encyclopaedia Iranica.
Floor, W. (2004). Hormuz II: Islamic period. Encyclopaedia Iranica. Le Strange, G. (1905). The lands of the Eastern Caliphate: Mesopotamia, Persia, and Central Asia from the Moslem conquest to the time of Timur. Cambridge University Press. Strabo. (1930). The geography of Strabo (H. L. Jones, Trans., Vol. 7). Harvard University Press.

504 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع