
بقلم اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
8 أيلول 2026
الطائرة التي هبطت بالانقلابيين في مطار القاهرة
١.في تاريخ العراق السياسي والعسكري، كثيراً ما تتقاطع الأحداث الكبرى مع تفاصيل صغيرة لم تكن في حساب صانعيها. ولعل قصة الطائرة العراقية TU-16 التي غادرت قاعدة تموز الجوية في الحبانية باتجاه القاهرة في أيلول 1965 واحدة من أكثر القصص إثارة؛ بدأت بواجب عسكري معلن لن يعرف حقيقته الا من خططوا له.وانتهت بحمل مجموعة من الضباط الذين شاركوا في محاولة انقلابية إلى خارج العراق.
٢.اللواء الطيار الركن عارف عبد الرزاق الكبيسي من الشخصيات العسكرية البارزة في مرحلة حكم الأخوين الرئيس عبد السلام محمد عارف والرئيس عبد الرحمن محمد عارف، خلال الفترة 1963–1968. تدرج في مناصب عسكرية وسياسية مهمة، إبتداءً من آمر سرب، ثم قائد القوة الجوية، وتولى حقيبتي رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع.
وتشير سيرته إلى أنه شارك في حرب فلسطين عام 1948 وقصف أهداف إسرائيلية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى أدوار أكثر تأثيراً في المؤسسة العسكرية والحياة السياسية العراقية. كما ارتبط اسمه بعدة محاولات انقلابية، كان من أبرزها الأنقلاب الذي جرى الإعداد له في أيلول 1965.عندما كان الرئيس عبد السلام محمد عارف في زيارة رسمية إلى المغرب عام 1965، كان الفريق الطيار الركن عارف عبد الرزاق في حينه يشغل منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، خطط لتنفيذ انقلاب عسكري يوم 15 أيلول 1965 إلا أن المحاولة لم تحقق أهدافها، فقد فشلت لأسباب لم تكن واضحة ومعلنة في حينها، الأمر الذي دفع عارف عبد الرزاق إلى مغادرة العراق متوجهاً إلى مصر في 16 أيلول 1965 المفارقة أن قصة الانقلاب لم تنتهِ بمغادرة رئيس الوزراء بل بدأت فصول أخرى أكثر غرابة داخل المؤسسة الجوية العراقية.
٣.اللواء الطيار الركن ممتاز عبد العالي السعدون يروي في شهادته، أن علاقته مع الفريق الطيار الركن عارف عبد الرزاق تعود إلى ما قبل ثورة تموز 1958، عندما كان عارف عبد الرزاق آمراً للسرب السادس المجهز بطائرات هوكر هنتر البريطانية. ويقول السعدون إنه تعلم منه الكثير، خصوصاً في القدرة المهنية ونمط التفكير في القيادة واتخاذ القرار.
٤.عام 1964، أصبح الرائد الطيار الركن ممتاز السعدون آمراً للسرب السادس، في الوقت الذي شغل فيه اللواء الطيار الركن عارف عبد الرزاق منصب قائد القوة الجوية. يستمر السعدون في تسلسل الاحداث .. في النصف الاول من أيلول 1965، سافر بإيفاد رسمي آمر جناح طيران قاعدة تموز المقدم الطيار الركن نعمة الدليمي إلى بريطانيا ..وبحكم القدم العسكري شغلت أنا المنصب وكالة ..كما يؤكد أنه لم يعلم شيئا عن التحرك الانقلابي الذي يخطط له الفريق الركن عارف عبد الرزاق. الذي شغل منصب رئيس الوزراء في 6 أيلول ١٩٦٥ الأمر الغامض كما يرويه ممتاز السعدون عندما تلقيت اتصالاً هاتفياً من العميد المهندس منير حسين حلمي، قائد القوة الجوية وكالة، يأمرني الحضور إلى مكتب رئيس الوزراء .خلال اللقاء تلقيت أمراً من رئيس الوزراء يبدو، في ظاهره، عسكرياً اعتيادياً كما ورد بنص الحديث ( تهيئة 25 إلى 30 طائرة من أنواع مختلفة، من دون تسليح، لتقوم باستعراض جوي فوق بغداد، على أن يحدد توقيت التنفيذ لاحقاً )..بعد عودتي الى القاعدة الجوية شرعت باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الأمر.قبل التنفيذ، تلقيت اتصال آخر قلب المشهد.من خلاله أبلغني العميد سعيد صليبي، قائد موقع بغداد، بإلغاء الواجب، طالباً مني الاتصال بالعقيد الركن هادي خماس، مدير الاستخبارات العسكرية.
١. يسترسل السعدون بسرد الاحداث قائلا هنا بدأت الصورة تتضح تدريجياً؛ فالأمر الذي صدر من أعلى مستوى سياسي وعسكري أُلغي من جهة عسكرية أخرى، في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة من التوتر السياسي والأمني.
٢. قرار الرحيل: 16 أيلول غادر عارف عبد الرزاق العراق متوجهاً إلى مصر.أثارت مغادرته قلقي راودتني بعض الشكوك سأكون ضمن المتهمين ألذي تطالهم إجراءات الاعتقال والتحقيق، بالرغم من انني لا علم لي بخطة الانقلاب.وفي ظل هذا القلق، اتخذت قراراً بالغ الجرأة والخطورة يتمثل ( مغادرة العراق إلى مصر بطائرة عسكرية نوع TU16 قاذفة بعيدة المدى من السرب العاشر في الحبانيه ، قادرة على الوصول إلى مصر ).عرض الأمر على معاون آمر السرب العاشر، النقيب الطيار فاروق أحمد الطائي، من الدورة السادسة، فوافق على التنفيذ ، رغم أن القرار كان يحمل مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى مستقبله العسكري. تحدد يوم السبت 18 أيلول موعداً للتنفيذ.
٧.رحلة لم تكن كما تبدو : جهزت الطائرة على أساس أن المهمة هي فحص مدى الطيران بأقصى كمية وقود ( ٣٤ طن ) وهنا برزت المفارقة.فالواجب المعلن كان اختبار مدى الطائرة، أما الهدف الحقيقي كان إلتوجه الى مصر.
١. طاقم الطائرة ( الطيار الاول النقيب الطيار فاروق أحمد الطائي، فيما كان الرائد الطيار ممتاز السعدون الطيار الثاني، رغم أنه كان طيار هوكر هنتر ولم يكن مدرباً على طائرة الباجر TU-16؛ ولذلك بقيت مسؤولية القيادة على عاتق النقيب فاروق.الملاح الاول الملازم الملاح عبود السامرائي، الملاح الثاني الملازم الملاح عادل كامل، إضافة إلى المقاتل الجوي أنور رزوقي وآخر لم يذكر اسمه ) والأهم أن معظم أفراد الطاقم لم يكونوا على بحقيقة المهمة، وكان اعتقادهم أنهم ينفذون واجباً يتعلق بفحص مدى الطائرة.
٩.اللحظة التي تغيرت فيها المهمة:عند وقوف الطائرة في بداية المدرج استعداداً للإقلاع، وصلت سيارة من نوع واز تقل مجموعة من الضباط.فُتحت لهم البوابة، وصعدوا إلى الطائرة، واضطر بعضهم إلى الوقوف داخل المقصورة طوال الرحلة.كان من بينهم الملازم الأول الطيار عامر عبد الله، طيار ميغ ٢١ من الدورة العاشرة، ونقيب التموين والنقل زهير القطان، وآخرون. تحولت الرحلة، عملياً، من مهمة عسكرية معلنة إلى رحلة تحمل في داخلها مجموعة من المشاركين في التحرك الانقلابي.لم يكن أفراد الطاقم جميعاً يعلمون الحقيقة. وبالنسبة لبعضهم، لم تكن الطائرة سوى طائرة عسكرية تنفذ مهمة فنية.أما بالنسبة للآخرين، فقد كانت وسيلة للخروج من العراق.
١٠.مفارقة القاهرة: هبطت الطائرة في مطار القاهرة، وطلب بعض الضباط الذين كانوا على متنها اللجوء السياسي.أما الآخرون فعادوا إلى العراق، وبعد التحقيق معهم أُحيلوا إلى التقاعد.
١١.القصة لم تنتهِ عند هذا الحد أيضاً: لاحقاً أصدر الرئيس عبد الرحمن محمد عارف عفواً عنهم، وألغى قرار إحالتهم، للتقاعد وأعيدوا إلى الخدمة العسكرية. وهكذا فإن محاولة الانقلاب التي بدأت في بغداد انتهى أحد فصولها في القاهرة، ثم عاد بعض أبطالها إلى المؤسسة العسكرية العراقية مرة أخرى.
١٢.المصادفة التي صنعت الشائعة: الأكثر إثارة في هذه القصة أن وصول الطائرة العراقية إلى القاهرة تزامن، من دون تخطيط مسبق، مع وصول طائرة الرئيس عبد السلام محمد عارف إلى مصر بعد انتهاء زيارته إلى المغرب.كانت المصادفة كافية لإطلاق رواية خطيرة ( هل كانت الطائرة قد أُرسلت لإسقاط طائرة الرئيس ) ..اللواء الطيار الركن ممتاز السعدون ينفي تلك الشائعه بشكل واضح، ويؤكد أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، وأن تزامن الوصول كان مجرد مصادفة.ومع ذلك، فإن السلطات المصرية، وحرصاً على سلامة الرئيس عبد السلام محمد عارف قررت نقله بطائرة مصرية إلى بغداد.وهكذا تحولت المصادفة إلى شائعة سياسية، وكادت الرحلة التي كانت أصلاً محاطة بالسرية أن تدخل التاريخ برواية لم تكن جزءاً من حقيقتها.
١٣.الطائرة التي أنقذت الانقلابيين: قد تكون المفارقة الأكبر في القصة لأن الطائرة لم تكن في أصل مهمتها جزءاً من الانقلاب، لكنها أصبحت في النهاية وسيلة نقل لعدد من المشاركين فيه إلى خارج العراق.ولهذا يمكن النظر إلى رحلة TU-16 على أنها واحدة من أغرب الرحلات في تاريخ القوة الجوية العراقية ( طائرة أقلعت بواجب معلن هو اختبار مدى الطيران، بينما كانت تحمل في واقع الأمر ضباطاً اتخذوا قرار المغادرة، والذين طلب بعضهم اللجوء السياسي ..لقد أصبحت الطائرة، من دون أن تكون طرفاً في القرار السياسي، جزءاً من أحداثه.
١٤.مصائب قوم عند قوم فوائد : ولأن التاريخ العسكري لا يخلو من المفارقات، فقد كانت هناك حكاية أخرى بعد ذلك.عندما أُرسل طاقم جوي إلى مصر لإعادة الطائرة إلى العراق، استفاد أفراد الطاقم من الرحلة بشراء إطارات لعجلاتهم وجلبها معهم على متن الطائرة.وانتشرت يومها، على سبيل المزاح، العبارة الشعبية:مصائب قوم عند قوم فوائد.فبينما كانت أزمة سياسية وعسكرية قد دفعت طائرة عراقية إلى القاهرة، وجد آخرون في الرحلة فرصة لقضاء حاجة شخصية صغيرة.
١٥. الخلاصة: قصة طائرة TU-16 في أيلول 1965 ليست مجرد رحلة جوية أو محاولة انقلاب فاشلة؛ إنها صورة مكثفة لمرحلة كان فيها الجيش والقوة الجوية في قلب التحولات السياسية العراقية.وفي هذه القصة تتداخل الطائرة والسياسة والانقلاب والمخابرات والمصادفة في مشهد واحد.
فالطائرة التي أقلعت من الحبانية تحت عنوان «فحص مدى الطيران»، وصلت إلى القاهرة وهي تحمل سراً سياسياً أكبر بكثير من المهمة المعلنة. ولذلك يبقى السؤال الأهم ليس: إلى أين ذهبت الطائرة..
بل:كيف تحولت مهمة جوية فنية إلى وسيلة لإنقاذ مجموعة من الانقلابيين، ثم عادت الطائرة نفسها إلى العراق لتصبح شاهداً صامتاً على واحدة من أكثر صفحات التاريخ العسكري العراقي إثارة.

514 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع