المال السائب: قراءة سوسيولوجية في اللصوصية والأمثال العراقية

أ.د.طالب عويد الخزرجي

المال السائب: قراءة سوسيولوجية في اللصوصية والأمثال العراقية

ليست الأمثال الشعبية مجرد عبارات تتناقلها الألسن، بل هي سجلٌ حيّ لذاكرة المجتمع، تكشف منظومة قيمه وتحولاته، وتفضح أحياناً ما يعجز الناس عن التصريح به. نقول في دارجنا الشعبي: أبو المثل ما خلّه شي ما گاله، وهي عبارة تكاد تكون مفتاحاً لفهم العقل الجمعي العراقي. فالأمثال الشعبية ليست مجرد تعبيرات لغوية عابرة، وإنما هي سجل اجتماعي وثقافي اختزن تجارب الناس، وأحكامهم على السلوك، ومواقفهم من السلطة والعدل والفساد. وهي لا تبتكر الظواهر، بل تولد من تكرارها واستقرارها في الوعي الجمعي؛ لذلك فإن كثرة الأمثال العراقية المتعلقة بالسرقة والاحتيال والفساد لا تعني تمجيد هذه السلوكيات، وإنما تعكس شيوعها تاريخياً وحرص المجتمع على فضحها والسخرية منها وتقويمها. ومن هنا، تحتل الأمثال المتعلقة باللصوصية مكانة بارزة في الموروث الشعبي العراقي، بما تكشفه من قراءة عميقة للعلاقات الاجتماعية والسياسية. وبهذا المعنى، يغدو المثل الشعبي وثيقةً سوسيولوجية بامتياز، لا تقل أهمية عن الوثيقة التاريخية، لأنه لا يكتفي بتسجيل الحدث، بل يكشف كيف كان المجتمع يفكر، وكيف كان يحاكم سلوك أفراده وسلطاته، وما القيم التي كان يسعى إلى ترسيخها أو مقاومة ما يناقضها. ومن أبرز الشخصيات التي شغلت حيزاً واسعاً في الأمثال العراقية شخصية اللص، أو النشّال، أو الحرامي، التي ظلت في الوجدان الشعبي نموذجاً مرفوضاً أخلاقياً، سواء أكان من عامة الناس أم من أصحاب السلطة. ولذلك شاعت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، أمثال واوصاف تعكس نظرة المجتمع إلى السلطة عندما تنحرف عن وظيفتها، فظهر مصطلح -أبو فرهود- لوصف السياسي الذي يستغل منصبه للإثراء، و- أبو الواشر- لوصف الموظف الصغير الذي يبتز الناس مستنداً إلى سلطة محدودة، وصولاً إلى التوصيف الشعبي المكثف في المثل الشهير: - حاميها حراميها -. ولم تكن هذه الأمثال مجرد أوصاف ساخرة، بل أدت وظيفة الضبط الاجتماعي، فمارست دوراً أخلاقياً يردع الانحراف ويكشف تناقضاته، فجاءت أمثال مثل: حرامي لا تصير... من القاضي لا تخاف، و-المفلس بالقافلة أمين-، لتؤكد أن الأمانة قيمة اجتماعية تتجاوز الفقر والغنى. غير أن التحولات اللاحقة أفرزت واقعاً بدا فيه اللص أكثر جرأة، حتى جاء المثل الشعبي ليصور هذه الوقاحة: عند الحرامي ـ لحية القاضي مكنّاسة . ويبقى مثلنا القديم - المال السايب يكثر الحرامية - أكثر الأمثال قدرة على تجسيد واقعنا الراهن. فقد أصبح المال العام، في الوعي الفاسد، يُعامل وكأنه مال بلا صاحب، مع أنه في الحقيقة ملك لجميع المواطنين، ففُتح الباب واسعاً أمام استباحته بذريعة -استيفاء الحق- أو تعويض الحرمان، وكأن الاعتداء على المال العام تحول إلى حق شخصي لا إلى جريمة بحق المجتمع. ولم يعد النهب محكوماً بكمية أو نوع، بل أصبح رهناً بقدرة الفرد على استثمار النفوذ والعلاقات، حتى غدت التجاوزات على أملاك الدولة، وتهريب النفط، والسطو على الأموال العامة، والعبث بموازنات المؤسسات، شواهد متكررة على تطبيع الفساد وتحويله إلى ممارسة مألوفة. ولعل اللافت أن المجتمع العراقي لم يعد يكتفي باستدعاء أمثاله الموروثة لتوصيف الفساد، بل أخذ يُنتج، تحت ضغط التجربة اليومية، عبارات وشعارات شعبية جديدة تؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها التي أدتها الأمثال قديماً. ومن أكثرها تداولاً عبار- باسم الدين باگونا الحرامية-، التي أصبحت تعبيراً عن شعور شريحة واسعة من الناس بأن الخطاب الديني استُخدم، في بعض الحالات، غطاءً لممارسات الفساد وسوء استغلال السلطة. كما شاع تداول عبارات مثل (الكل حرامية) و(حيتان الفساد)، وهي وإن لم تكتسب بعد صفة المثل الشعبي المتوارث، فإنها تمثل ما يمكن تسميته -الأمثال الشعبية المعاصرة-، لأنها تختزل موقفاً جمعياً من واقع اجتماعي وسياسي معاش. وهذا يكشف عن تحول سوسيولوجي لافت، فالأمثال في الماضي كانت تتكون عبر عقود، وربما قرون، حتى تستقر في الذاكرة الشعبية، أما اليوم، وفي ظل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت العبارة الشعبية تولد من رحم الحدث نفسه، وتنتشر بسرعة مذهلة، لتؤدي الدور الذي كانت تؤديه الأمثال التقليدية في نقد الواقع وتقويمه وتوثيقه. والمفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يعتدون على المال العام لم يعودوا يرون في أنفسهم مجرمين، بل يقنعون أنفسهم بأنهم إنما (استوفوا حقهم بأيديهم)، وهي واحدة من أخطر صور التطبيع النفسي مع الفساد. وهكذا، تحول بعض المعدمين إلى أثرياء بين عشية وضحاها، فيما تضخمت ثروات أصحاب النفوذ حتى غدوا حيتاناً تبتلع المال العام، تحت مظلة ثقافة تبرر الفساد وتطبع معه. إن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة السياسية والأخلاقية التي أنتجتها. فحين يختل ميزان القيم في قمة الهرم الإداري والسياسي، لا يلبث الخلل أن يتسرب إلى بقية المجتمع، ليغدو الفساد سلوكاً قابلاً للتبرير، لا فعلاً مستهجناً. وهنا يستعيد المثل العراقي دلالته العميقة: - سمچه وخايس راسها -، إذ لا يقتصر دوره على الوصف، بل يقدم تفسيراً اجتماعياً لكيفية انتقال الفساد من القمة إلى القاعدة . وعندما يصبح -حاميها حراميها- وصفاً للواقع، ويغدو - باسم الدين باگونا الحرامية- لسان حال الناس، فإن المشكلة لم تعد في المال السائب وحده، بل في منظومة القيم التي سمحت بأن يُودَع الشحم عند البزون(البزون بالعراق = القطة)، كما يقول المثل الشعبي: ودّع البزون شحمه. وعندئذ لا يعود الفساد حادثةً عابرة، بل ثقافةً تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1122 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع