الذكرى السادسة والأربعين ليوم ٢٢ أيلول ١٩٨٠

بقلم اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
21 ايلول 2026

الذكرى السادسة والأربعين ليوم ٢٢ أيلول ١٩٨٠

١.في رحاب الذكرى السادسة والاربعون للحرب العراقية الايرانية 22 ايلول 1980- أب 1988.عندما تتكلم الأيام لتقول ان الحرب وظيفة طبيعية للسياسة في إدارة النزاعات، ووسيلة تلجأ إليها الدول عندما تعجز الوسائل الأخرى عن حماية مصالحها الوطنية. عليها أن تنهض بتطوير واستثمار جميع عناصر قوتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة،باعتبارها الذراع التي تنفذ بواسطتها الدولة قرارها السياسي الشامل.بأسلوبين أولهما ( الردع والتلويح باستخدام القوة ) وثانيهما ( الاستخدام المباشر لها ) من خلال الحرب.

٢.التاريخ وكل من خاض الحروب أو عاش ويلاتها، يتفق على حقيقة مؤلمة ان ( الحرب أقذر وأبشع أدوات السياسة ) فهي صانعة الأرامل والأيتام، ومنتجة للفقر والتخلف والتشرد، وقد تصل آثارها إلى خلق الكراهية للوطن ذاته.ومن هنا تتأكد مسؤولية السياسة في أن تتعامل مع قرار الحرب بأقصى درجات الحذر، حيث أعظم انتصار هو ذلك الذي لا تضطر فيه الشعوب إلى القتال أصلاً. وفي هذا المعنى يُنسب إلى المفكر الصيني ( صن تزو ) بالقول ( أن أفضل الانتصارات هي التي تمنع وقوع القتال، وأن غاية فن الحرب هي الوصول إلى السلام ).

٣.من يدفع ثمن الحرب : مع كل ما تقدم، يبرز سؤال أكثر قسوة هو ( من سيدفع ثمن الحرب إذا وقعت ) الجواب هي القوات المسلحة أولا ليس برغبة منها، وإنما أن قواعد الشرف العسكري تجعله الأكثر حساسية تجاه العار، والأشد التزاماً بقواعد المهنة التي تقوم على التضحية والدفاع عن الوطن والشعب. ولهذا عُرفت الجندية بأنها ( المهنة التي تُمارس بالدم ) ووُصفت في أحيان كثيرة بأنها ( مهنة التضحية والوحدانية ).ومع ذلك، فإن القوات المسلحة هي الخاسر الأكبر في الحرب، سواء أنتجت انتصاراً أم هزيمة؛ ففي كلتا الحالتين تكون للسياسة بصمتها الأساسية.

٤.تؤكد أحداث التاريخ أن كثيراً من القادة والآمرين الشجعان الوطنيين سحقتهم السياسة، مرة باتهامهم بالتخاذل، ومرة بالخيانة، فخسروا حياتهم وسمعتهم ومستقبل عوائلهم.والأغرب من ذلك أن السياسة قد تتوضأ بدماء الشهداء عند الانتصار، ثم تتمرجح فوق جثامينهم عند الهزيمة، بحثاً عن مبررات تحفظ استمرار القيادة، وتلقي مسؤولية الفشل على رجال خاضوا الحرب ونفذوا ما صدر إليهم من أوامر.

٥.التاريخ لا ينسى : الحقيقة قد تتأخر، لكنها تبقى حية ولا تموت، ويأتي يوم تتكلم فيه الأيام، فتقول إن أسباب الفشل كثيراً ما تبدأ من سياسة خاطئة أو متغطرسة لم توازن خطواتها، ولم تضع المصلحة الوطنية أولوية قبل الإقدام على أي قرار مصيري.

٦.يوم القوة الجوية : بعد مرور ستة وأربعين عاماً على ذلك الحدث، بما له وما عليه، يعود بنا الزمن إلى يوم 22 أيلول وإلى ما جرى بين ساعة ( س المعلومة والمحددة 1200 ) ويوم ( ي المجهول )..كان ذلك الفاصل الزمني يمثل دهراً طويلاً، تخللته مشاعر إنسانية مشروعة أخذت تتضاءل كلما تقدم الرجال خطوة باتجاه الطائرات.وبعد انفصالها عن الأرض، اندمجت الأرواح مع الحديد لإنجاز المهمة.

٧. الذي حدث : المكان جناح طيران القاصفات في قاعدة تموز الجويه بأسرابه الثلاثة ( 10,18,36 )..بعد أن رن الهاتف المحوري ( القايلو ) الساعة العاشرة صباحاً يوم 22 أيلول المتحدث من غرفة حركات القاعدة معلناً أنه يوم ( ي ) تزاحم الرجال على خزانات تجهيزات الطيران، ليوضب كل منهم ما يحتاجه للمهمة. وكان بعضهم قد أسرع إلى كتابة آية الكرسي لترافقه، فيما انشغل آخرون بكتابة وصاياهم وتوجيهاتهم إلى أهلهم.
وبينما نحن في هذا الحال، جاء صوت المرحوم الملازم الأول الطيار أحمد عيد صالح العيساوي منادياً ( اصطفوا رحمكم الله لأداء صلاة الخوف )..كانت لحظة تختصر الكثير من مشاعر ذلك اليوم ( خوف مشروع، وإيمان راسخ، ورجال يعرفون أن المهمة قد تكون طريقاً بلا عودة ).
٨.كانت طائرات جناح القاصفات أول من أقلعت وآخر من هبطت..كان ذلك اليوم، بحق، يوم القوة الجوية، وللقاصفات حصتها الكبيرة منه.فقد كُلّفت بأبعد الأهداف وأهمها وأشدها خطورة؛ أهداف يُفترض أنها محمية بمنظومات دفاعية تجعل اختراقها أمراً بالغ الصعوبة.عادت جميعها بعد تنفيذ المهمة باستثناء طائرة TU16 تحمل الرقم 517 والتي سقطت بين ( مدينة سومار وبرجورد الايرانيتين )قبل بلوغ هدفها، واستشهد طاقمها ( العقيد الطيار عادل عثمان ، الرائد الطيار أزهر عبد الكريم ، النقيب الملاح مهند عبد الرزاق ، الملازم الاول الملاح عباس كطران ، نائب ضابط أنور رزوقي ، نائب ضابط خالد عبد الرزاق ) كانوا أول كوكبة لشهداء القوة الجوية في ذلك اليوم.هكذا كانت الحرب بالنسبة إلى أولئك الرجال: لم تكن قراراً سياسياً، ولا بياناً يُقرأ، ولا خريطة تُرسم على طاولة؛ بل هي عبارة عن طائرة، ومهمة، وهدفاً، وسماءً مفتوحة، واحتمالاً حقيقياً بأن تكون تلك الرحلة هي الرحلة الأخيرة.وهكذا صدق التوقع.حيث حلقوا ولم يعيدوا.
٩.أقول مخاطباً الشهداء: تعددت الاسباب والموت واحد عندما يطوف بيننا مرتدياً أزار لكل أجل كتاب .يقول الكاتب احمد خالد توفيق حينما يرثي نفسه ( أنا لا اخاف الموت لكنني اخاف ان اموت قبل ان احيا ستكون مشاهد جنازتي جميلة ومؤثرة دون ان أراها بالرغم من انني سأحضرها بالتأكيد)..اما انتم ايها الشهداء الابطال قد ادركتوا وبكل قناعة ان الموت من اجل الوطن شرف وبالرغم من ان الأهل والاصدقاء لم يحضروا تشيع جثامينكم الغير موجودة اصلا لان الملائكة قد سبقتهم بحمل ارواحكم الزكيه لتدخلها الفردوس الاعلى اما نحن رفاق السلاح نقولها وبكل صدق انكم الاكرم منا جميعا.

١٠.الشهداء فوق الحسابات السياسية: أنصفوا شهداء العراق في كل مكان وزمان.استذكروهم كما كانوا؛ رجالاً جادوا بأنفسهم، وكانت أكفهم ملتصقة بأخمص البنادق، ومقود الطائرات وقلوبهم معلقة بالوطن وأهله.واعلموا أن الجيش لم يكن يوماً لحماية نظام أو قائد أو سياسة، وإنما وُجد لحماية الوطن والشعب.فالتاريخ العراقي شاهد على أن الحكام يذهبون، والأنظمة تتغير، والسياسات تتبدل، وتأتي أنظمة أخرى، لكن الوطن وجيشه هما الباقيان.
ولذلك فإن الوفاء للشهيد لا يكون برفع اسمه في المناسبات فقط، وإنما بقول الحقيقة عنه، وإنصافه، وعدم تحميله أخطاء السياسة، وعدم استخدام دمه ستاراً لإخفاء أسباب الفشل.
١١.أيها الشهداء…يا من تركتم لنا الأرض ومضيتم إلى السماء، يا من حملتم العراق في قلوبكم، وحملتم أرواحكم على أكفكم، ثم مضيتم دون أن تنتظروا شكراً أو تكريماً.لم تكن نهايتكم نهاية رجال،بل كانت بداية حكاية وطنٍ كُتب عليه أن يدافع عن وجوده، وأن يقف أبناؤه في أصعب المواقف، حين كانت الحدود ناراً، والسماء شاهدة، والأرض تنادي أبناءها.أنتم الذين غادرتم مواقعكم ولم تغادروا ذاكرتنا،غابت أجسادكم، وبقيت أسماؤكم في سجلات الشرف، وبقيت أصواتكم في ذاكرة رفاق السلاح، وبقي العراق الذي دافعتم عنه شاهداً على تضحياتكم.
١٢.أيها الشهداء الأكرم منا جميعاً…نحن الذين بقينا بعدكم نحمل ذاكرة الحرب، نحمل أسماءكم، ونتذكر وجوهكم، ونتذكر الطائرات التي لم تعد، والمواقع التي صمتت، والرفاق الذين خرجوا ولم يعودوا.لا يكون استذكاركم مجرد ذكرى عابرة،فدماؤكم ليست رقماً في تاريخ الحرب، وأرواحكم ليست أسماءً في قوائم الشهداء؛ إنما هي صفحات من تاريخ العراق، سُطّرت بالتضحية والشجاعة والإيمان بأن الوطن يستحق أن يُدافع عنه.سلامٌ عليكم يوم حملتم السلاح،وسلامٌ عليكم يوم ارتقيتم شهداء،وسلامٌ عليكم يوم بقيتم أحياءً في ذاكرة العراق. … أنتم لم تغيبوا؛ نحن الذين ما زلنا نعيش على ضفاف ذكراكم، ونقولها مرة أخرى: أنتم الأكرم منا جميعاً..رحم الله شهداء العراق جميعاً، في كل زمان ومكان وحفظ العراق وشعبه، وجعل تضحياتكم نوراً في طريق الأجيال القادمة.
١٣.في ذكرى ذلك اليوم، لا بد أن نستذكر رجاله الذين رحلوا إلى رب كريم.نستذكرهم لا لأنهم كانوا جزءاً من حدث عسكري فحسب، بل لأنهم كانوا بشراً لهم آباء وأمهات وزوجات وأبناء وأحلام، ثم حملوا حقائبهم وصعدوا إلى طائراتهم، وهم لا يعرفون إن كانت السماء ستعيدهم إلى الأرض أم ستحتفظ بهم إلى الأبد.

١٤.من مفارقات القدر :
أ. الطائرة رقم 517 كانت مهيئة للسفر الى الاتحاد السوفييتي مدينة اوديسا يوم الجمعة 19 / 9 / 1980 لأغراض التصليح العام بنفس الطاقم باستثناء نقيب طيار فريد عدنان الذي حول الى طائرة اخرى يوم الواجب وحل محله الرائد الطيار ازهر عبد الكريم الذي تم استدعاؤه من السرب ٣٦ وهو طيار فعال على طائرة TU22..إستشهد الجميع وكتبت الحياة الى الاخ ابو داليا اطال الله في عمره.
ب. الشهيد النقيب الملاح مهند عبد الرزاق بعد سنه التحق بقافلة الشهداء شقيقه النقيب الطيار معن عبد الرزاق طيار ميگ 23..فنعم العائلة التي حلقت بجناحين.
ج. الشهيد الملازم الاول الملاح عباس كطران ترك ابنه الوحيد أمير بعمر ثلاث شهور بعده رأى الدنيا ولم يشهد أبيه .
د. المقاتلون الجويون كل من ( ن ض انور رزوقي ، ن ض خالد عبد الرزاق ) كانوا أقدم رتبه واكبر عمراً بين زملائهم تم الاتفاق على استبدالهم بأخرين شباب ولكنهم رفضوا وبأصرار لتنفيذ الواجب .
ه. تنبأ فصدق : الملازم الاول الملاح سعد سعيد مثبت إسمه في الواجب وكان إقدم من الملازم الاول الملاح عباس كطران من غريب الصدف كان في ذلك اليوم الملازم الاول عياس مكلف بالقاء محاضرة على المنتسبين مضمونها الدفاع عن الوطن والتضحية من أجله..كانت حجته واصراره على الاشتراك بالواجب هل يجوز يطلب من الاخرين التضحيه ويبقى هو على الارض والطائرات في السماء باتجاه اهدافها ..ولشدة الحاحه وافق ملازم اول سعد على رغبته وقال قولته الشهيره ( ابو أمير ليش مستعجل اذا خلصت الحرب باربع سنوات أگص أيدي ..توقع فصدق ).
١٥.في ذكرى شهداء 22 أيلول 1980، نقف بخشوع أمام تلك الطائرة التي غيّرت وجهتها من أوديسا إلى قدرها الأخير، وحلّقت نحو الموت في عمق إيران، حاملةً رجالاً لم يكونوا يعلمون أن تلك الرحلة ستكون وداعهم الأخير.
رحلوا… وبقيت في السماء أصداء محركاتهم، وفي الأرض آثار خطاهم، وفي ذاكرة رفاقهم حكايات لا تموت. بعضهم ترك أباً ينتظر، وأماً تترقب عودته، وزوجةً تحلم بطرق الباب، وطفلاً لم يعرف أن أباه لن يعود.
سلامٌ على أرواحهم يوم غادروا، وسلامٌ عليهم يوم ارتقوا شهداء، وسلامٌ عليهم يوم بقيت أسماؤهم في ذاكرة العراق. لم يعودوا من تلك الرحلة، لكنهم عادوا إلى الوطن في ذاكرة أبنائه؛ شهداء لا تغيب طائراتهم عن سماء الوفاء…المجد والخلود لشهداء القوة الجوية وشهداء العراق جميعاً. والعمر الطويل لمن بقي يحمل ذاكرة أولئك الرجال.فالأيام لا تنسى، والتاريخ لا يموت، والحقيقة قد تصمت زمناً طويلاً، لكنها في النهاية تتكلم.
سلامٌ عليكم يوم حملتم السلاح،وسلامٌ عليكم يوم ارتقيتم شهداء،وسلامٌ عليكم يوم بقيتم أحياءً في ذاكرة العراق.
عاش العراق، وعاش الجيش سوراً للوطن.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

875 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع