السيدة زبيدة ساقية الحجيج

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

السيدة زبيدة ساقية الحجيج

من الأميرات العباسيات الشهيرات السيدة زُبيدة (أم جعفر) بنت جعفر بن أبو جعفر المنصور العباسية الهاشمية القرشية (766-831م) (149-216هـ).


والسيدة زُبيدة والدها الأمير جعفر الأكبر بن الخليفة أبي جعفر المنصور، أكبر أبناء أبي جعفر المنصور. وقد توفى جعفر الأكبر في خلافة أبيه، وهذا سبب عدم خلافته وخلافة أخاه المهدي بداله.

وُليَّ جعفر الأكبر على ولاية الموصل سنة 145ه الموافق لسنة 763م، وقد ولدت له زُبيدة في الموصل، وقد توفي في سنة 150ه الموافق لسنة 767م وعمر زُبيدة سنة واحدة.

وحول عائدية الضريح ذو القبة المخروطية المقرنصة الكائن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد للست زبيدة يذكر المؤرخ أ.د. أحمد قاسم الجمعة: "أن الثوابت التاريخية تؤكد أن السيدة زبيدة دُفنت في مقابر قريش الكائنة في منطقة الكاظمية الحالية في بغداد. أما الدلائل الأثرية فتؤكد ان القبة المخروطية المقرنصة لم تظهر قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، أي بعد وفاة الست زبيدة بأكثر من قرنين من الزمن، وإنما الضريح يعود للست زمرد خاتون زوجة الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله وأمّ الخليفة الناصر لدين الله المتوفاة سنة 599هـ/ 1202م؛ والتي تشير المصادر التاريخية أنها بنت لها ضريحاً قبل وفاتها بعشر سنوات".

ويضيف أ.د. أحمد قاسم الجمعة قائلا: "ولابد بهذه المناسبة ان نشير إلى أن الست زبيدة هي ابنة جعفر بن الخليفة المنصور قد ولدت بقصر والدها المسمى لدى المؤرخين (قصر حرب) التي لا زالت بقاياه في الزركوطية في منطقة البو سيف على الضفة اليمنى لنهر دجلة جنوب مدينة الموصل".

يقال أن اسم زُبيدة هو (أمة العزيز)، وكان جدها الخليفة أبو جعفر المنصور يحبها كثيرا، وقد لقّبها (زُبيدة) لبضاضتها ونضارتها وبياض بشرتهاـ أما كنيتها فهي (أم جعفر).

والسيدة زُبيدة هي ابنة عم الخليفة هارون الرشيد وابنة خالته في الوقت نفسه، فأمها هي (سلسل) شقيقة الخيزران بنت عطاء.

لقد كانت السيدة زُبيدة امرأة بارعة الجمال رزينة العقل فصيحة اللسان تُنظم الشّعر وتُنشده بإتقان، وكانت أخلاقها سامية عالية، فهام بها ابن عمها هارون الرشيد حبًا وتزوجها في عهد والده الخليفة أبو عبد الله المهدي سنة 165 هـ وقد رُزق منها بولده الخليفة محمد الأمين.

وكان للسيدة زُبيدة نفوذٌ كبيرٌ، وكان هارون الرشيد يستشيرها في كثير من أمور الدولة، وكانت هي السيّدة الثانية في القصر بعد الخيزران والدة الرشيد. وقد عاشت السيدة زُبيدة في قصرها الواقع على شاطئ دجلة الغربي في بغداد، والذي يُسمى "قصر زُبيدة"، ويلقب "دار القرار" وتحيطه الحدائق والبساتين، ولم يكن له شبيه في تلك الحضارة.
يشير الكاتب والمفكر اللبناني (جرجي زيدان) في كتابه "العباسة أخت الرشيد"، إلى أن "زُبيدة" احتفظت بـ 100 جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة ورد عشر من القرآن، ويقمن على تلاوته طيلة اليوم، حتى كان يسمع في قصرها كدوي النحل من القراءة.

لقد كانت "زُبيدة" صاحبة اتجاه جديد في الملابس في العصر العباسي آنذاك، وهي أول من اصطنع القباب من الفضة والأبنوس والصندل، وكانت تفضل الحرير الطبيعي والألوان الزاهية كالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق. وتتخذ الخفاف المرصعة بالجواهر، وكانت النساء في بغداد حريصات على نسخ تصاميم ملابسها البراقة.

وعلى الرغم من أن الرائي قد يجد فيما تنفقه بذخا كبيرا وإسرافا، فإنها لُقبت على الصعيد الآخر بـ"صاحبة اليد البيضاء"، فكانت تنفق الكثير من الأموال على أعمال الخير وإعانة الفقراء.

لقد عُرف عن السيدة زُبيدة اهتمامها الكبير بالآداب والعلوم، فبذلت الكثير حتى حشدت في بغداد مئات الأدباء والشعراء والعلماء ووفرت لهم كل وسائل الإنتاج والبحث. وكان ممن اشتهر منهم في مجال الشعر العباس بن الأحنف، أبو نواس، مسلم بن الوليد، أبو العتاهية، الحسين بن الضحاك، والراوية خلف الأحمر، وشيخ أدب النثر الجاحظ، وعلماء اللغة الخليل بن أحمد وسيبويه والأخفش الأكبر وأبو عمرو بن العلاء.

ومن علماء الدين الذين رعتهم السيدة زُبيدة الإمام أبو حنيفة والإمام الأوزاعي والإمام مالك بن أنس، إضافة إلى الكثيرين من الأطباء والمجددين في شتى فروع العلم. وقد بذلت في سبيل ذلك الأموال الطائلة، حتى يمكن القول أنها فتحت أبواب خزائنها لتحويل بغداد إلى قبلة ومستقر للعلماء من الزوايا الأربع للدولة. ومن الأطباء الذين كانت تشملهم برعايتها الطبيب جبريل الذي منحته راتباً شهرياً قدره خمسين ألف درهم!!

من الأحداث ذات المغزى التي تدل على حسن تصرف السيدة زُبيدة أن الرشيد وأم جعفر اختلفا وهما يتداعبان في الفالوذج واللوزينج (من أصناف الحلوى)، أيهما أطيب؟ فحضر أبو يوسف القاضي، فسأله الرشيد عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، لا يُقضى على غائب، فأمر بإحضار الصنفين، فأكل القاضي حتى اكتفى، فقال له الرشيد: اُحكم، قال: قد أصطلح الخصمان يا أمير المؤمنين، فضحك الرشيد، وأمر له بألف دينار، فبلغ ذلك السيدة زُبيدة، فأمرت له بألف دينار إلا ديناراً، وذلك كي تبقي مكرمة زوجها، وهو الخليفة، فوق مكرمتها.

ساقية الحجيج:
يذكر المؤرخون أن السيدة زُبيدة شاهدت في إحدى رحلات الحج مدى معاناة حجاج بيت الله في الحصول على مياه للشرب، حيث كان الوعاء الواحد يُباع بدينار. فأمرت زُبيدة المهندسين بدراسة عاجلة لجر المياه إلى مكة المكرمة. فأشاروا عليها بأن الأمر صعب للغاية، حيث يحتاج لحفر أقنية بين السفوح وتحت الصخور لمسافة لا تقل عن عشرة أميال. وقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة.

لقد أمرت السيدة زُبيدة بتنفيذ المشروع على الفور ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً. فأحضر خازن المال أكفأ المهندسين ووصلوا إلى منابع الماء في الجبال، ثم أوصلوه بعين حنين بمكة. وروي أنها في تلك الحجة بلغت نفقتها في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف (مليون) درهم. وكانت تنفق في اليوم الواحد آلاف الدنانير قائلة: ثواب الله بغير حساب.

وبحسب مقال للكاتبة سنية أيمن (Saina Aiman) على "ذي ديلي ستار" (The daily star)، فقد فطنت السيدة زُبيدة إلى أنه لا يجب الاعتماد على البئر فقط، فكلفت مهندسيها بمهمة إيجاد طرق لجلب المياه إلى مكة.

لقد كانت الوديان القريبة من المدينة تحتوي على بعض الآبار، وقد تم العثور على مصدر المياه الوحيد المناسب لمثل هذه المبادرة على بعد حوالي 35 كم، في وادي حنين بين مكة والطائف، ويقال أن السيدة زُبيدة اشترت الوادي بأكمله، وكلفت فريقها من المهندسين المعماريين ببناء قنوات لجلب هذه المياه، ومن بئر أخرى مجاورة إلى مكة. وبالفعل، تم بناء الآبار على طول القناة للسماح للناس بالوصول المياه وتم استخدام جميع القنوات الأخرى وأي مصادر مياه متاحة موجودة في مكان قريب لتعزيز إمدادات المياه في القناة، وقد كلفها ذلك المشروع ما يقرب من 1.7 مليون دينار، تحملت "زُبيدة" كامل هذه التكلفة من خزائنها الخاصة.

وهكذا أسالت السيدة زُبيدة الماء عشرة أميال من الجبال ومن تحت الصخور، ومهدت الطريق للماء في كل مخفض وسهل وجبل. وقد عُرفت العين وحتى الآن باسم (عين زُبيدة). وهكذا روت السيدة زُبيدة الحجيج وأُطلق على مشروعها "عين زُبيدة"، كما أطلق الناس عليها "ساقية الحجيج".

درب زُبيدة:
على الرغم من إنجازها الكبير في سقاية الحجيج، فهناك إنجازات أخرى لها، استخدمت فيه السيدة زُبيدة ثروتها ونفوذها وذكاءها فبنت المساجد والأبنية في بغداد.

لقد كان طريق الحجاج من العراق إلى مكة قاحلا وموحشا، فعهدت السيدة زُبيدة إلى مهندسيها ومعماريها بتمهيد الطريق من الكوفة إلى مكة، وأقامت على امتداده الآبار والمنازل للارتواء والراحة، وتحمّلت نفقاته كاملة، وقد أُطلق على ذلك الطريق "درب زُبيدة".

ابن مات وآخر لم تلده:
لم تمنع السيدة زُبيدة رجاحة عقلها وسلامة بصيرتها من أن تستحوذ على مشاعر الأمومة. لقد حرصت السيدة زُبيدة منذ ولادة ابنها محمّد الأمين على أن تكون الخلافة لولدها بعد أبيه. وقد نازعها في تلك الرّغبة الرّشيد بجعل الخلافة من بعده لابنه عبد الله المأمون لأنه أجدر بها، ثم استقرّ رأيُه على عقد الخلافة لولده محمّد الأمين، ومن بعده لأخيه عبد الله المأمون. ويبدو أنّ الرّشيد في هذا كان مُنقاداً وراء تأثير زوجته زُبيدة بصورة خاصّة، وتأثير أخوال ابنه محمّد بصورةٍ عامّة، وبالأخصّ خاله عيسى بن جعفر.

لقد كان محمّداً الأمين سادس الخلفاء العباسيين، وتولى الخلافة بين عامي 193 إلى 198 للهجرة (809 - 813) ميلادية، ودامت فترة حكمه خمس سنوات تقريبًا، وأهم ما ميّز عهده هو النزاع الذي قام بينه وبين أخيه المأمون. وكان النزاع بين الأمين والمأمون على مرحلتين: المرحلة الأولى كانت دبلوماسية سلمية انتهت سنة 195 هجرية، والمرحلة الثانية كانت مرحلة حرب انتهت بمقتل الأمين سنة 198 هجرية.

ولما قُتل الخليفة الأمين، دخل على السيدة زُبيدة أحد خُدمها، فقال: ما يجلسك وقد قُتل أمير المؤمنين محمد؟، فقالت: ويلك وما أصنع؟، فقال: تخرجين فتطلبين بثأره، فقالت: اخسأ لا أم لك، ما للنساء وطلب الثأر ومنازلة الأبطال.

لقد قالت السيدة زُبيدة للخليفة المأمون بعد توليه الخلافة: "أهنئك بخلافة قد هنأتُ نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنتُ قد فقدتُ ابناً خليفةً، لقد عُوِضت ابنا خليفة لم ألدهُ، وما خسر من اعتاض مِثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجراً على ما أخذ، وإمتاعاً بما عوض". فأخذ المأمون بعد ذلك يزيد في تكريمه لزُبيدة وأسرتها.

ذكر السيدة زُبيدة (الخطيب البغدادي) في (تاريخ بغداد) وأثنى عليها وقال: كانت معروفة بالخير والفضل على أهل العلم، والبر بالفقراء والمساكين، ولها آثار كثيرة في طريق مكة من مصانع حفرتها وبرك أحدثتها وكذلك بمكة والمدينة. كما تحدث (ابن جيد) عن المرافق التي شيدتها السيدة زُبيدة حتى أصلحت الطريق من بغداد إلى مكة، بما أقامته من منافع تخدم الحجيج والمسافرين وتوفر لهم الماء والطعام والسكن، حتى أحيت هذا الطريق المُوحش، ولولا ذلك لكانت هذه الطريق من أوحش المسالك على الإطلاق. وما يزال جزء من الطريق بين الكوفة ومكة المكرمة، وهو الذي تولت إصلاحه، يعرف حتى اليوم باسم "درب زُبيدة".

المصدر:
كتاب "نساء موصليات"، إعداد وتأليف أ.د. باسل يونس ذنون الخياط، الشاملة، 2025.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1616 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع