
سعد عبد المجيد ابراهيم
مراقب الصف المشاكس نموذجاً لإدارة الأزمات
في ذاكرتي المدرسية، وتحديداً في المرحلة الابتدائية، كانت الصفوف تمثل مجتمعاً مصغراً بكل تناقضاته؛ تتباين فيه أعمار التلاميذ، وربما كنت أنا أصغرهم سناً، كما تتباين خلفياتهم الاجتماعية والثقافية. فبيننا المؤدب الحافظ لدروسه، والذكي سريع الفهم، والمهمل غير المبالي، والمشاكس المثير للمشاكل.
وكان المعلمون، في بداية كل عام دراسي، يواجهون تحدياً متكرراً: كيف يضبطون هؤلاء المشاكسين، وقد كانت المدرسة تعرفهم مسبقاً بحكم معرفتها بأطفال المنطقة؟ وكان الحل الذي يلجأ إليه بعض المعلمين لاحتوائهم هو اختيار أشدّهم مشاكسة وتكليفه بمهمة «مراقب الصف»!
ما إن يُكلّف هذا الطفل المشاكس بالمهمة ويشعر ببريق السلطة، حتى يبدو وكأن سحراً قد حدث؛ فيرتدي قناع الجدية، وتنقلب سلوكياته رأساً على عقب، فيتحول من مصدر لقلق المعلم إلى حارس صارم للنظام، ويصبح أشد صرامة على من يخالف التعليمات. فقد منحته مهمته الجديدة سلطة يستمد منها هيبته ويفرض بها إرادته، فيجد في الموقع فرصة لإثبات ذاته أمام زملائه. وبيده، بصورة غير مباشرة، سلطة المعلم؛ فيسجل أسماء من يتحداه من التلاميذ لينالوا عقابهم لاحقاً.
وهكذا يتمكن هذا المشاكس من احتواء المشاكسين الأقل شراسة، وضبط بقية التلاميذ من أمثالي؛ إذ لا يرغبون في كسب عداء المراقب، فضلاً عن خشيتهم من عقاب المعلم، وتحسباً لما قد ينالهم من عقاب الأهل إذا علموا بسوء تصرفاتهم. وبذلك يستطيع المعلم أداء مهمته بقدر أكبر من الهدوء، من دون أن ينشغل باستمرار بمشاغبات الصف.
وربما يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا لا يُعهد بهذه المهمة إلى أحد التلاميذ المجتهدين والأذكياء؟ والجواب أن المعلم، رغم سلطته، قد يعجز أحياناً عن احتواء المشاكسين وضبط سلوكهم، فيلجأ إلى تسليط بعضهم على بعض. فكيف بالتلميذ المجتهد، والذي يكون مسالماً بالعادة، فقد يصبح اختياره لهذه المهمة سبباً لتعريضه للتنمر والسخرية، وربما للاعتداء بعد انتهاء الدوام المدرسي، فيجد نفسه عالقاً بين مسؤولية لا يملك أدواتها ومضايقات قد لا يستطيع دفعها عن نفسه.
مرت السنون وكبرنا، لنكتشف أن هذه «الدراما المدرسية» لم تكن سوى صورة مبكرة لأساليب يمكن أن نراها في إدارة المشهد العام داخل بعض مؤسساتنا ودولنا. فكما كان التلميذ المجتهد يجد نفسه غريباً عن عالم المشاغبين، قد يجد المثقف وصاحب الخبرة والكفاءة نفسه خارج معادلة صنع القرار، لا لافتقاره إلى المؤهلات، وإنما لأن قواعد اللعبة السياسية قد لا تتيح له المكان الذي يستحقه.
وفي أروقة القرار، قد تُسند أحياناً أدوار قيادية ومناصب حساسة إلى شخصيات كانت، في مراحل سابقة، من مثيري المشاكل أو مصدراً للأزمات، من دون أن تكون خبرتها أو كفاءتها هي العامل الحاسم في اختيارها. وقد يكون الدافع إرضاءها، أو استيعابها، أو كسب ولاءات الجهات التي تقف خلفها؛ تطبيقاً للمثل الشعبي العراقي: «چفيان شر ملّا عليوي».
وهنا تكمن المفارقة: أن يُستنسخ نموذج «مراقب الصف المشاغب» لتحويل مشاغبي الأمس إلى حماة للنظام اليوم، بهدف إدارة شغب «الشركاء». وتتحول الوظيفة العامة، في مثل هذه الحالات، من تكليف لخدمة الناس إلى وسيلة لتوزيع النفوذ والمصالح وامتصاص الغضب. وقد يجد من لم يكن مؤهلاً لإدارة نفسه أنه أصبح مسؤولاً عن إدارة شؤون الآخرين.
واللافت أن بعض من يصلون إلى مواقع السلطة بهذه الطريقة قد يصبحون أكثر تمسكاً بمواقعهم وأشد دفاعاً عنها، لأن بقاءهم فيها يرتبط بتوازنات وتحالفات تتجاوز الاستحقاق المهني. وهنا تصبح السلطة وسيلة لحماية الموقع وتعزيز النفوذ، بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع.
لكن الفرق بين الأمس واليوم شاسع؛ فإذا كان المعلم يستطيع السيطرة على صف من التلاميذ بحيلة بسيطة، فإن إدارة مؤسسات الدولة بالمنطق نفسه قد تترك آثاراً بعيدة المدى. فالدول والمؤسسات تحتاج إلى قيادات يتم اختيارها وفق معايير واضحة، تجمع بين الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
ولعل الأدهى أن نجد صوراً من هذا النمط في السياسة الدولية أيضاً فهو لا يقتصر على محيطنا الإقليمي، نجده في دول كبرى تمتلك من القوة والثروة ما يجعل قرارات قادتها تتجاوز حدودها الوطنية، فتؤثر في السلم والحرب ومصائر شعوب بأكملها. وعندما تصبح شخصية الفرد ومزاجه وتحالفاته عوامل مؤثرة في القرار العام، فإن كلفة الخطأ لا تعد محصورة داخل مؤسسة أو بلد، إنما تمتد لتشمل العالم بأسره.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين نوعين من المناصب والمواقع الإدارية والفنية. فهناك مواقع سياسية متقدمة قد يكون من الممكن أن تُسند إلى أشخاص تتوافر فيهم الرغبة والاستعداد للعمل العام، ولهم القدرة على التعلم واكتساب الخبرة بالممارسة، وإن كان التعلم من الأخطاء في إدارة الدولة قد يكون مكلفاً. أما المواقع الفنية والإدارية المتقدمة، التي تتصل مباشرة بإدارة شؤون الدولة ورسم مساراتها، فلا بد أن تُسند إلى أصحاب الخبرة والمعرفة والكفاءة، ممن يمتلكون المؤهلات العلمية والمهنية اللازمة، والقدرة على اتخاذ القرارات الرشيدة وقيادة سفينة الدولة إلى بر الأمان.
إن التغيير الحقيقي لا يأتي بمهادنة المشاغبين أو منحهم مواقع القيادة خوفاً أو تزلفاً، لأن السلطة التي تقوم على الصفقات الضيقة لا تبني مؤسسة راسخة ولا دولة مستقرة. وإذا استمر اختيار القيادات بمنطق الخوف أو المحاصصة أو إرضاء أصحاب النفوذ، فقد نظل ندور في حلقة مفرغة: نمنح السلطة لمن كان جزءاً من المشكلة، ثم ننتظر منه، بعجب، أن يقدم لنا حلولاً لأزمات البلد بقدرة قادر.

905 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع