قصة (جوهرة التاج) - الجزء الاول

بقلم احمد فخري

قصة (جوهرة التاج) - الجزء الاول

قصتنا هذا اليوم تبدأ من جزيرة صغيرة في اليونان تدعى (نيكو)

دفع الشيخ المسن نيكوس قاربه الصغير فوق رمال الشاطئ حتى وصل به الجرف فقفز بداخله قبل ان يهرب منه الى الأعماق. جلس ممسكاً بمجدافيه الطويلتين وراح يتصارع معهما كي تأخذه لعرض البحر آملاً بالحصول على صيد الأسماك ذات الحجم المتوسط لانها تمثل الحجم المرغوب لدى سكان الجزر المجاورة.

كانت السحب تتشابك وتزداد كثافتها لتنذر بيوم ممطرٍ عصيب، الا ان اصراره في الحصول على الرزق كان اقوى لانه لم يحظى بصيد يسد رمقه منذ امد بعيد. ظل يتصارع مع الامواج لاقصى الدرجات حتى اوصلته مجاديفه الى موقعٍ لا بأس به كان يعرفه جيداً على ان الاسماك تتواجد فيه اغلب الاحيان. وضع المجاديف جانباً وامسك بالجهاز الكشاف اليدوي الذي اشتراه قبل فترة قصيرة من صديقه ثيادور. لم يكن الجهاز جديداً لكنه لا يزال يعمل كما يجب.

كبس نيكوس على زر التشغيل وصار يسلط واجهته الى سطح الماء فلم يسمع الصفير المعتاد الذي كان ينتظره منه والذي ينبئه بوجود اسراب السمك. ظل صاحبنا يغير اتجاه هوائي الكاشف يمين شمال آملاً بحلول الفرج، لكن الفرج لم يأتيه بذلك اليوم التعيس. لذا قرر تغيير موقع القارب الى بقعة ثانية غيرها عسى ان يحظى منها برزق ولو يسد رمقه ويطعمه لذلك اليوم. وفور وصوله تلك البقعة الجديدة تفاجأ بسماع صفير الجهاز بشكل متقطعٍ اولاً ثم تغير الصفير الى عويل متواصل وكأن الجهاز اصيب بالجنون ليبشر بسرب كبير جداً من الاسماك تحت قاربه مباشرةً. وبينما كان صاحبنا يهيئ الشبكة ليرميها الى قلب البحر. بدأ يشعر بقطرات المطر المتفرقة هنا وهناك تلامس وجهه ويديه. سرعان ما تحولت تلك القطرات الى سيل مطر شديدة ثم لمعت السماء ببرق مخيف ورعد مدوي بعث الرعب بقلب العجوز المسكين وجعله يرتعد من شدة الخوف والبرد. هنا صارت السماء تتجهم شيئاً فشيئاً واصبحت الرياح تزأر وتعصف بجنون فتلبدت الغيوم لتدخل ببعضها البعض. كان لزاماً عليه ان يتخذ قراراً فورياً وحازماً لا يتحمل التأجيل لانه اصبح بين نارين لا ثالث لهما: فمن ناحية، كان الرزق الوفير ينتظره تحت القارب مباشرة ويبشر بحصاد لم يعهده من قبل، ومن ناحية ثانية اصبح يدري يقيناً بحالة الطقس حين تُزمجر السماء بذلك الرعد الذي يصم الآذان لتقوم السماء بصب جم غضبها على هيئة امطار غزيرة مما ينذر بخطر الموت. هنا صار يحاول اتخاذ القرار الارجح. ايبقى بعض الوقت كي يجني الخير الوفير كله ام يهرب وينجوا بنفسه من خطر مميت؟ لم يدم تردده طويلاً حتى توصل الى حل وسط. وهو ان يمسك الفرس من ملجمه. رمى شبكته الكبيرة ونشرها على مساحة واسعة لتنزل الى قاع البحر حتى يمسك باكبر عدد ممكنٍ من الاسماك. لكن بهذه الاثناء صارت السماء تنزل الامطار كأنها انهاراً ليصبح مجال الرؤيى صعباً للغاية. وبعد معاناة دامت اكثر من ساعة شعر من خبرته الطويلة أن الشبكة قد امتلأت بالكامل وقد آن الاوان كي يخرجها من الماء ويعود ادراجه قبل ان يصبح الفريسة بدل ان يكون هو الصياد. سحب حبال الشبكة اليه وراح ينظر من الماء الشفاف فيرى كماً هائلاً من الاسماك ذو الحجم المتوسط اصبح في قلب الشبكة. كان يعلم تماماً ان ذلك الحجم هو الذي يرغبه سكان الجزيرة المجاورة (اريكوسا). سحب الحبال اليه بقوة ليرفع الشبكة الى سطح القارب. كان الرجل على يقين بانه حصل على رزق وفير لم يعهده من قبل. وعندما فرغ من ادخال آخر طرفٍ من الشبكة الى القارب. لم ينتظر اكثر ليتفحص صيده لان المطر سوف لن يمهله ولا ثانية واحدة اكثر. بدأ يجدّف بعنف كبير رجوعاً للجزيرة. واثناء ذلك صارت المياه تتجمع بقاع قاربه فصار يفرغها بين الحين والآخر بواسطة سطل بلاستيكي صغير خصصه لذلك الغرض. كان نيكوس يعلم يقيناً ان المزيد من الرزق كان ينتظر جنيه تحت القارب. لكنه يعلم كذلك بان المطر سوف لن يمنحه الفرصة الكافية وقد يكون ذلك سبباً في موته. لذا دفع بالمجاذيف الى اقصى طاقاتها حتى ترجعه الى بر الامان في كنف جزيرته الصغيرة. بقي العجوز يجذف بقوة وبسرعة هائلة ويفرغ المياه من القارب بين الفينة والاخرى حتى بانت له الجزيرة من بعيد. ظل يلتفت للوراء كل مرة بلهفة كبيرة وهو يجفف وجهه بمنديله الذي ابتل على آخره. كان التوتر يزداد بداخله يرمو للوصول باسرع وقت ممكن حتى شعر وكأن شخصاً ما كان يسحب الجزيرة عمداً ليبعدها عنه. كان يواصلُ جهده بعزيمةٍ لا تفتر كي يعود بصيده الثمين الى بر الامان.

واخيراً وبعد جهد جهيد ادرك الساحل فقفز الى اليابسة وراح يسحب القارب بكل طاقته لكن القارب الآن ازداد وزناً بعد ان امسك بالصيد الكبير اضافة الى بقايا الماء التي ما زالت في قاع القارب. واخيراً عندما نجح في سحب قاربه الى اليابسة بالكامل، اخرج الشبكة الممتلئة بالاسماك منه وترك الماء المتجمع بقاع القارب ليفرغه بوقت لاحق كما كان يفعل دائماً. سحل الشبكة ورائه على الرمال متجهاً بها الى كوخه الصغير المتواضع. ولما دخل الكوخ ترك الشبكة على الارض بقلبه وامسك بالاخشاب التي كدسها بانتظام بالقرب من الموقد ليشعل فيها النيران كي تمنحه الدفئ الذي كان يتوق اليه. خلع ثيابه المبتلة جميعها وراح يجفف جسده الهرم ثم ارتدى ملابس اخرى غيرها ليجلس فيأخذ لنفسه قسطاً من الراحة. عاد وانتصب ثانية ليضع المغلاة فوق النار حتى يعمل لنفسه كأساً كبيراً من القهوة لتبعث الدفئ بداخله. نظر الى الشبكة وهي تتحرك بفعل الاسماك التي كانت تقفز وتتخبط من الداخل معلنة سخطها على الخروج من الماء. لكن شيئاً صغيراً داكناً كان واضحاً امام عينيه مدفوناً بين الاسماك. كان ذلك الشيئ الصغير جامداً لا يتحرك. هنا تذكر ان الحكومة اليونانية ارسلت فريقاً من خبرائها قبل عامين تحذر من وجود بعض الالغام التي لم تنفجر بالمنطقة منذ ان اشتعلت الحرب. كان يرجح ان تكون هذه هي نفس تلك المتفجرات التي حذروا منها. لذلك قرر ان يتعامل معها باقصى درجات الحذر لكي يبعد الاسماك عنها. فتح الشبكة ببطئ شديد وصار يزيل الاسماك ويضعها بحاوية معدنية كبيرة اعدها خصيصاً لذلك الغرض ثم راح يسكب الملح والثلج فوقها كي تبقى طازجة حتى يبيعها بالغد في جزيرة اريكوسا. وعندما وصلت يده لذلك الشيء الداكن البني الصغير تبين له انه لم يكن لغماً او قنبلة بتاتاً كما كان يعتقد. بل كان مجرد صندوق خشبي لا يزيد حجمه عن كف اليد.

وضع الصندوق فوق راحة يده وصار يقلبه تارة ويهزه تارة اخرى ثم بدأ يحاول فتحه. لكن الصندوق ابى ان ينفتح بكل اصرار وتحدي. التقط سلكاً صغيراً كان بالقرب من الموقد وادخله بفتحة القفل لكن دون جدوى، لقد فشلت جميع محاولاته بفتح الصندوق. هنا عجز عن تلك المهمة فوضعه جانباً واتكأ على الفراش كي يرتاح قليلاً بعد عناء يوم طويل شاق اصابه بالهلع وكاد يدفع ثمنه من حياته. لكنه تذكر القارب الذي يرتزق منه كل يوم لانه مازال واقفاً تحت المطر لتتجمع فيه المياه بالقرب من الساحل. فذلك القاربه يمثل مصدر رزقه الوحيد، وسوف يحتاج اليه مجدداً في يوم آخر بلا شك. لذلك ضغط على نفسه وانتفض واقفاً ليرتدي معطفه المطري الاصفر ويعود الى القارب كي يقلبه رأس على عقب وإلا فانه سوف لن يصلح غداً للابحار مما سيضطره لشراء قارب جديد. ظل يمشي فوق الرمال المبتلة حتى وصل القارب الواقف شامخاً وحده على الجرف. رآه ممتلئاً بمياه المطر. امسك بأحد اطرافه ورفعه للاعلى بصعوبة فانسكب الماء منه على الرمال بالناحية الثانية ليُفرِغَ ما بداخله. بعدها تصارع معه بعناء أكبر حتى تمكن من قلبه رأس على عقب لكي يحميه من المزيد من مياه المطر. أتم المهمة المستحيلة بصعوبة كبيرة ثم عاد الى الكوخ مسرعاً كي ينعم بدفئ فراشه الوثير وينام نوماً عميقاً حتى فجر اليوم التالي قبل بزوغ الضوء حين استيقظ مبكراً على أصوات النوارس وهي تحوم فوق الكوخ فعلم انها صارت تشم رائحة الاسماك التي بداخل الكوخ. ابتسم وقال لها، {اليوم سوف لن تحظوا باي من هذه الاسماك لانني سابيعها بجزيرة اريكوسا. سامحوني يا احبابي}. نهظ من فراشه الدافئ وبدأ يعد لنفسه القهوة التي لاحظ انها ناهزت على النفاذ. لذلك سجل ملاحظة في ذهنه على ان يشتري المزيد منها بعد ان يبيع الاسماك، إن تمكن من بيع جلها. ترشف من القدح الكبير ثم نظر الى الصندوق الخشبي الصغير من جديد وقال، {يا ترى ماذا بداخلكَ يا صندوق العجائب؟ هل ساجد فيك مفتاح قبطان زائل؟ او ربما ستكون فارغاً فاصاب بخيبة امل جديدة}. ففي الماضي كانت هناك تقليد لدى جميع البحارة بان قباطنة السفن يضعون مفاتيح ابواب كبيناتهم بداخل صناديق صغيرة مقفلة فقط لغرض الذكرى عندما يتقاعدون. لكنه رمى الصندوق جانباً وراح يجهز حوض الاسماك كي يأخذه الى القارب من جديد ليبيعها في اريكوسا. وقبل ان يغادر الكوخ امسك بالصندوق الخشبي الصغير ووضعه بجيبه كي يعرضه على صديقه ثيادور. ربما سيساعده في فتح القفل المحكم. لكنه قرر ان لا يولي الصندوق اكثر مما يستحق من اهتمام خوفاً من الاصابة بالاحباط فيما بعد. لذا قرر نسيان الامر الآن. خرج الى خارج الكوخ فوجد ان المطر قد انقطع والسماء اصبحت صافية. سحب حوض السمك الذي صار وزنه ثقيلاً جداً بعد إضافة الملح والثلج اليه. راح يجر الحوض ورائه بحبل متين وقصير حتى بلغ به القارب. عدّل القارب الى وضعه الطبيعي ودفعه حتى اوصله الى حافة الجرف. تصارع كثيراً مع الحوض المعدني حتى تمكن بعد جهد جهيد من وضعه بداخل القارب ثم أبحر به متجهاً الى جزيرة اريكوسا. كان الوقت مبكراً للغاية وضوء الفجر لم يبزغ بعد. ظل يجذف باتجاه اريكوسا القريبة من الجزيرة الرئيسية (كورفو) حتى بات ساعده يئن عليه من شدة الالم. واخيراً لما وصل ساحل اريكوسا بوقت بزوغ الفجر رأى جمعاً غفيراً من سكان الجزيرة يترقبون وصوله وكأنهم كانوا بصدد استقبال ملك او رئيس دولة. ركضوا نحوه وصاروا يساعدونه في انزال الحوض من القارب كي يشتروا منه الاسماك فسألهم،"ما الذي يجري اليوم يا اخوان؟ لماذا انتم متلهفون لشراء صيدي بهذا الشغف؟". فاجابه احدهم بان جميع صيادي الجزيرة لم يرزقوا باي صيد البارحة وعادوا بخفي حنين. سكان الجزيرة كلها تتطلع لشراء ما جلب معه من اسماك. فهو الصياد الوحيد الذي جاء بوافر منها. هنا سأله رجل ثاني، "هل ستبيعنا اسماكك بثمن باهظ اليوم يا اخي نيكو؟". التفت اليه نيكوس وابتسم بوجهه ثم نظر الى الاسماك وقال، "لا، انا لست مثل اولئك الطماعين الاشرار الذين يستغلون فاقة اخوانهم. كلا يا اعزائي انا سابيع الكيلو بـ 5 يوروات فقط كما كنت ابيعه في السابق". فرح الناس كثيراً وصاروا يشترون منه اسماكه الواحد تلو الآخر حتى نفذت كلها فاعطى آخر سمكة لصديقه المقرب ثيادور وقال،

نيكوس : خذ هذه السمكة الى بيتك واطعم بها عائلتك يا ثيو.

ثيادور : اوزنها لي حتى اعطيك ثمنها.

نيكوس : وهل هذا ما عهدته بي يا صديقي؟ ايعقل ان ابيعك السمك كما ابيعه للاغراب؟

ثيادور : لم لا؟ فانت تعبت بصيده وتعبت اكثر بجلبه الينا. من العدل أن أدفع لك ثمن السمكة حتى وإن كنا اصدقاء.

نيكوس : لا يا صديقي. ضع مالك في جيبك فانا لن اتقاضى منك ولا حتى دراخما واحدة.

ثيادور : يا ســــــــــلام. لقد اصبحنا اليوم نستعمل اليورو اللعين وانت مازلت تسميها دراخما؟

نيكوس : اقسم لك يا صديقي العزيز انني لم اطق يوماً تلك العملة الجديدة. ولولا الالواح الشمسية التي انوي شرائها لأنصبها بجزيرتي لما بعت سمكة واحدة ولوضعت كل ما اصطاده في بطني.

ثيادور : ما هذا الهراء الذي تقوله يا نيكو؟ انت بحاجة لشراء الكثير من السلع غير الالواح الشمسية.

نيكوس : على العموم. ضع هذه السمكة في كيسك وكفاك ثرثرة. هيا دعنا نذهب الى الحانة فانا اشعر بعطش قاتل.

ثيادور : تشعر بالعطش ام انك اشتقت الى الاوزو؟ ولكن كيف ستدفع ثمنه لو لم يكن بجيبك المال؟

نيكوس : كنت انت الذي ستدفع عني، اليس كذلك يا صديقي؟

ثيادور : اجل، اجل، طبعاً. تعال ودعنا ندردش قليلاً هناك فانا لم ارك منذ امد بعيد.

نيكوس : يبدو انك بدأت تعاني من الخرف يا صديقي، الم نلتقي قبل اسبوع؟

ثيادور : وهل الاسبوع وقت قصير برأيك؟ الا تذكر كيف كنا نعمل سوية كل يوم بمصنع واحد لتعليب الاسماك هنا بجزيرة اريكوسا؟

نيكوس : اجل كانت ايام جميلة حقاً بالرغم من طمع صاحب المصنع اللئيم. فقد كان يتمنى ان نعمل لديه بالمجان كي يجني ارباحاً اكثر من على اكتافنا. اتذكر كيف وقفت انا امامه وهددته عندما اراد تأجيل دفع الرواتب؟

ثيادور : اجل قمت بتهديده فخاف منك ودفع مرتباتنا. لكن ابن الزانية قام بطردك من العمل بعدها فذهبت وسكنت وحدك بتلك الجزيرة اللعينة. اجل بالحق، الم تجد لها اسماً يليق بها بعد؟

نيكوس : ساسميها جزيرة (نيكو).

ثيادور : هاهاهاها. كل تلك السنين لم تغير من روح دعابتك الجميلة يا نيكو.

نيكوس : اجل حقاً، يجب ان تُذَكّرَني يا صديقي، فقد نفذت القهوة من بيتي وعلي ان اشتري المزيد منها قبل المغادرة من اريكوسا.

ثيادور : سأذَكّرُكَ بها لا تقلق.

حضر النادل فاوصاه بجلب قنينة (اوزو) مع كأسين وبعض من الـ (ميزا). فسألهم عن نوع الميزا التي يرغبون بها فقال نيكوس، "اجلب لنا الـ (جاجيكي) وبعض من شرائح الـ (هالومي) المشوي والكثير من (الايليس). فسمع صديقه يقول،

ثيادور : اجعلها قنينتي اوزو يا رجل.

نيكوس : لا يا ثيو، اريد ان اعود الى بيتي ورأسي متزن. فالثمالة لا تسمح لي بالتجذيف بصورة سليمة، لانني قد اضل طريقي فتجدني غداً في اثينا.

ضحك الصديقين كثيراً ثم سأله،

ثيادور : الم يصبح لديك المال الكافي لشراء الالواح الشمسية التي تنوي شرائها؟

نيكوس : تقريباً. سانتظر حتى يحل فصل الشتاء عندما يقل عدد السواح بجزيرة كورفو فتهبط الاسعار هناك لاتمكن من شراء الالواح وانصبها بجزيرتي.

بدأ الصديقان يشربان الاوزو ويأكلان الميزا حتى افرغا الصحون والقنينة بالكامل. هنا طلب نيكوس الفاتورة ودفعها ثم وقف وقال لصاحبه.

نيكوس : دعني اودعك الآن يا صديقي لاعود الى بيتي.

ثيادور : لا تتأخر علي كثيراً هذه المرة فانا صرت اشتاق اليك كثيراً.

نيكوس : وانا كذلك يا ثيو، لكن ما العمل؟ فكبار السن مثلنا ليس امامه الكثير من فرص العمل تمكنهم الاسترزاق منها. لذلك ساظل اصطاد السمك وامري الى الله.

هنا شعر ثيادور ان عليه تذكير صاحبه بالقهوة حين قال،

ثيادور : لا تنسى شراء القهوة قبل المغادرة.

نيكوس : شكراً لك يا صديقي. يبدو ان الاوزو انساني القهوة.

ثيادور : أهو الاوزو الذي انساك القهوة ام الزهايمر يا عجوز؟

ضحك الاثنان وهمّا بالخروج من باب الحانة لكنه وقف بوسط الحانة وامسك بذراع صديقه لانه تذكر شيئاً آخر فنظر الى صاحبه وقال،

نيكوس : اسمع يا ثيو. اريد ان استشيرك بشيئ غريب. فالبارحة عندما كنت اصطاد السمك. اخرجت الشبكة من الماء فخرج لي شيئاً عجيباً بداخل الشبكة مدفوناً مع الاسماك.

ثيادور : ماذا وجدت. حورية جميلة عارية الجسد مثلاً؟ هاهاها

نيكوس : لا يا ثيو انا احدثك بجد. لقد عثرت على هذا.

دس يده بجيبه واخرج الصندوق الصغير ليعرضه على صاحبه ثم قال،

نيكوس : كان هذا الصندوق بوسط الشبكة.

ثيادور : وماذا بداخله؟

نيكوس : بصراحة، لا اعلم. حاولت هزه فلم يصدر اي صوت ثم حاولت فتحه لكنه ابى ان ينفتح. هل لديك فكرة كيف يمكنني فتحه؟

ثيادور : انا لا اقوى على ذلك لكنني اعرف من يستطيع فتحه. انه صاحبنا كوستا صانع المفاتيح. فهو لديه دكان بوسط الجزيرة. انت تذكر كوستا اليس كذلك؟

نيكوس : طبعاً اتذكر كوستا بالتاكيد، فقد كان يُصلِح الآلات بداخل المصنع عندما كنا نعمل لدى ذلك الشيلوك البخيل.

ثيادور : انه هو بعينه. فبعد ان كبر كوستا في السن وتوقف عن العمل في المصنع، فتح لنفسه متجراً صغيراً لتصليح الاجهزة الكهربائية لكن القليل من سكان الجزيرة كانت لديهم اجهزة كهربائية لذلك فشل مشروعه فقرر وقتها تغيير مهنته الى قص المفاتيح وبيع الاقفال وتركيبها في البيوت. فاللصوص ازداد عددهم مؤخراً.

نيكوس : دعنا نذهب اليه الآن إذاً فالفضول صار يمزقني ارباً لانني اتوق لمعرفة ما بداخل هذا الصندوق اللعين.

ثيادور : هيا تعال معي.

خرج الاثنان متوجهين الى وسط القرية ووقفا امام متجر زميلهم كوستا قال،

ثيادور : هذا هو متجره. دعنا ندخل اليه ونرى إن كان سيتعرف عليك بعد ان ربيت لحيتك البيضاء واصبحت تشبه بابا نوئيل.

كان كوستا جالساً يعالج قفلاً صدئ محاولاً اصلاحه فدخل عليه الصديقان من باب المتجر. رفع كوستا رأسه ونظر اليهما ثم رمى القفل على الطاولة وأرتسمت على وجهه ابتسامة عريضة حين قال،

كوستا : اهلاً وسهلاً. أخيراً، هل جئت لتبيعني ساعتك يا ثيو؟

ثيادور : قلت لك آخر مرة، الساعة هي للمرحوم والدي ولن افرط بها مهما حصل. لكنني جئتك اليوم بشيء افضل من الساعة.

اشار بيده الى نيكوس. فوقف كوستا وتفحص نيكوس من الاعلى الى الاسفل ثم ابتسم وقال،

كوستا : السنين لم تغير فيك شيئاً يا نيكو.

صاح نيكوس باعلى صوته وركض اليه ليعانقه فصار الجو يعج بالذكريات والحنين الى الماضي. كل واحد منهم صار يستحضر قصص الماضي وكيف وقع البعض من زملائهم باخطاء كبيرة مضحكة كادت تعرضهم للطرد. لكن اغلبهم الآن صار تحت التراب ولم يبقى منهم الا القليل. وبعد ان هدأت عاصفة الذكريات اخرج نيكوس الصندوق من جيبه وقال لصاحبه،

نيكوس : جئتك اليوم بهذا الصندوق يا كوستا، اريدك ان تفتحه لي إن امكن.

اعطى الصندوق لكوستا فامسك به وصار يقلبه محاولاً التعرف على منشأه ثم نظر بوجه صاحبه قائلاً،

كوستا : بامكاني ان افتحه لك ولكن اخبرني من اين حصلت عليه؟ يجب ان تخبرني الحقيقة. فالصناديق التي من هذا النوع نادرة جداً لانها باهضة الثمن وغالباً ما تكون مصنوعة في المانيا او النمسا.

نيكوس : الامر ليس فيه سرٌ يا كوستا. لقد وجدت هذا الصندوق بداخل شبكتي البارحة وانا اصطاد السمك. حاولت فتحه لاعرف محتواه لكنني فشلت فشلاً ذريعاً لذلك اخبرني ثيو بانك الوحيد الذي تستطيع فتحه.

ثيادور : إذا وجدنا فيه ذهباً فانا متأكد من ان نيكو سيمنحك نسبة مما ستجده بداخل الصندوق.

كوستا : انا اقترح ان نتقاسم محتواه نحن الثلاثة بالتساوي.

ثيادور : انا لا اريد منه شيئاً لانني لم اقدم اي مجهود. تقاسما انتما فيما بينكما.

نيكوس : بل قدمت الكثير الكثير. يكفي انك شريك ذكرياتنا وصديقنا بالخير والشر.

كوستا : إذاً تعالوا نحتظن بعضنا البعض على هذا الاتفاق ودعوني احاول فتح الصندوق.

نيكوس : انا موافق.

ثيادور : وانا موافق ايضاً.

امسك كوستا بالصندوق من جديد ووضع العدسة المكبرة امام عينيه وصار يبحث عن بعض الادوات الى جانبه ثم امسك بابرة طويلة معكوفٌ رأسها فادخلها بقلب فتحة المفتاح وصار يديرها يمين شمال محاولاً التغلب على القفل فسمع صاحبه يسأل،

ثيادور: هل سيستغر منك الكثير من الوقت؟

كوستا : اسكت انت يا ثيو ودعني اركز.

نيكوس : اجل اسكت انت يا ثيو ودع العبقري يعمل.

جلس الصديقان على كراسي الانتظار لاكثر من ربع ساعة وهم يتطلعون لما سيحدث حتى سمعوا كوستا يصيح باعلى صوته قائلاً،

كوستا : لقد انفتح، لقد انفتح، يا الهي ما هذا؟

ركض نيكوس وثيادور اليه ونظرا الى داخل الصندوق ليروا ماسة كبيرة جداً. ادار كوستا الصندوق اليهما وقال،

كوستا : انظروا يا رجال، لقد خبأوا بداخل الصندوق هذه الماسة العملاقة.

سأل نيكوس قائلاً،

نيكوس : اهذه حقاً ماسة يا كوستا؟ انا لا اصدق.

ثيادور : يا ترى، هل هي ماسة حقيقية ام انها مقلدة؟

كوستا : لو كانت تقليد لما وضعوها بداخل علبة ثمينة واقفلوا عليها باحكام. ولكن مع هذا، فانا لست متأكداً 100%.

نيكوس : يا ترى كيف نستطيع التأكد مليون بالمئة؟

كوستا : يبدو انها اصبحت بقلب البحر قبل فترة وجيزة لان خشبها كان سيتآكل بمرور السنين وكذلك معدن المفتاح لم ينله الصدأ. اسمعا مني جيداً، كان والد زوجتي رحمه الله صائغاً ويصوغ المجوهرات وكان لديه مساعد ذكي جداً يدعى دميتري. وبعد ان مات والد زوجتي اصبح دميتري هو الصائغ الوحيد بجزيرة اريكوسا بعد ان تعلم الصنعة من عمي. بقي يعمل بمحله لسنين طويلة لكنه الآن يعيش ايامه الآخيرة لانه على فراش الموت.

ثيادور : يا الهي، ربما نستطيع ان نلحق به قبل ان يموت لنعرض عليه الماسة ونسأله عنها؟

كوستا : صدقاً، انا اشك بذلك لانهم يقولون بانه ينام كثيراً ولا يستيقض إلّا للحظات قليلة حتى يرجع فينام من جديد بسبب العقاقير التي يحقنوه بها.

ثيادور : لماذا لا نعرض عليه الماسة الآن ونأخذ رأيه؟

كوستا : حسناً لكنني لا اضمن لكما انه قادر على مساعدتنا، فهو بحالة مزرية هذه الايام ويفقد الوعي كثيراً. دعونا نزوره الآن فزوجته الجديدة تلازم سريره منذ فترة طويلة.

اغلق كوستا الصندوق ووضعه بجيبه ثم خرج الرجال الثلاثة من المتجر بعد ان اقفل كوستا باب متجره. مشوا في القرية حتى وصلوا بيت الصائغ دميتري. طرق كوستا الباب ففتحت لهم سيدة خمسينية تدعى ماريا ترتدي ملابس ريفية تقليدية قالت،

ماريا : تفضلوا، من انتم؟

كوستا : الا تذكرينني يا ماريا؟ انا كوستا صديق زوجك وهؤلاء اصدقائه القداما. اردنا زيارة دميتري والاطمئنان على صحته.

ماريا : دميتري يمر بسكرات الموت الاخيرة الآن وهو في غيبوبة طويلة منذ يومين. لقد فقد النطق ولم يعد يأكل الطعام. انني بالكاد أسقيه الماء عندما يفتح عينيه.

شعر الرجال الثلاثة بالخجل لانهم جاؤوا يستغلونه بآخر لحظات حياته. لكن كوستا قال بأدب،

كوستا : ارجوك يا ماريا، دعينا نراه ولو لبضع دقائق.

ماريا : حسناً ولكن لا تطيلوا الزيارة ارجوكم. فقط، القوا التحية واخرجوا.

كوستا : نعدك بذلك. خمس او عشر دقائق لا غير.

أدخلت ماريا الزوار الثلاثة واقتادتهم الى غرفة زوجها. فتحت الباب ودخلوا ليروا الصائغ دمتري نائماً بسريره. جلس اثنان منهم على كرسيين واحضرت ماريا للثالث كرسياً اضافياً كي يجلس عليه فشاهدوه وهو نائم. همس نيكوس لاصحابه قائلاً،

نيكوس : سوف لن نستفيد من شيء لانه نائم.

ثيادور : دعونا ننتظر قليلاً ربما سيفتح عينيه ونستطيع ان نكلمه.

بقي الاصدقاء الثلاثة جالسين على الكراسي حول سرير الرجل لاكثر من ربع ساعة حتى دخلت عليهم ماريا بثلاثة فناجين من القهوة لتقدمها لهم. وفور ان اخذ آخر رجل فنجانه سمعوا دميتري يتكلم ويقول،

دميتري : اهلاً كوستا، كيف حالك؟ لم ارك منذ امد بعيد.

هنا فرحت ماريا فرحاً شديداً وصاحت،

ماريا : يا الهي. لقد شفى دميتري، لقد شفي دميتري. كم انا سعيدة.

لكن نيكوس همس باذن ثيادور وقال،

نيكوس : هذه صحوة الموت يا ثيو. سوف لن تدوم طويلاً.

ثيادور : إذاً دع كوستا يسأله قبل ان يرحل. هيا بسرعة.

وضع كوستا يده بجيبه واخرج العلبة ليعرضها على دميتري حين قال،

كوستا : نحن نعلم انك لست بخير يا دمتري لكننا بحاجة ماسّة لخبرتك. هل سبق وان رأيت مثل هذه الماسة من قبل؟ وكذلك اريد ان اعرف هل هي حقيقية ام انها مزورة؟

امسك دمتري بالصندوق وفتحه ببطئ شديد ليخرج الماسة ثم نظر الى زوجته واشار باصبعه على عينه اليمنى. لم يفهم الحاضرون ما كان يريده، لكن زوجته فهمت فاعطته العدسة المكبرة ليضعها فوق عينه وصار يقلب الماسة من كل الجوانب. بقي يلفها ويقلبها كثيراً ثم نظر الى زواره وقال،

دميتري : هذه الماسة هي جزء من ماسة كولينان. لقد اكتُشفت في جنوب أفريقيا سنة 1905. كان وزنها 3106 قيراط وهي بحالتها الخام، قبل تقطيعها وصقلها. لقد اكتُشِفَت هذه الماسة بالقرب من مدينة بريتوريا، على يد توماس كولينان وسُمّيت باسمه، لانه كان صاحب المنجم ومديره.

كوستا : أين توجد ماسة كولينان الآن؟

دميتري : الماسة الأصلية لم تعد موجودة. فقد قُطّعت في أمستردام سنة 1908 إلى تسع قطع رئيسية، إضافة إلى عدد كبير من القطع الصغيرة. وبالتالي، لم تعد الماسة الأصلية موجودة ككتلة واحدة. أكبر قطعتين منها موجودتان اليوم ضمن جواهر التاج البريطاني في برج لندن.

دميتري : وهذه الماسة اي واحدة منهم يا ترى؟

دميتري : انها القطعة الثانية التي تدعى (نجمة أفريقيا الثانية) فهي تزن 317 قيراط وتُسمّى كولينان الثانية، وهي مُثبّتة في مقدمة التاج الإمبراطوري البريطاني.

نيكوس : لا بد أن السلطات البريطانية على علم باختفائها.

ثيادور : إلا إذا... إلا إذا تمكن اللص الذي سرقها من استبدالها بجوهرة مقلدة كي لا يجعلهم يشعرون باختفائها. ولكن قل لي يا دمتري، كم يبلغ ثمن هذه الجوهرة اليوم يا ترى؟

دميتري : ليس من السهل وضع ثمن معين على تلك الجوهرة فقد يصل سعرها الى البليون يورو او ربما اكثر.

ثيادور : هل قلت بليون يورو؟ يا الهي، لقد اصبحنا اغنياء.

وقف كوستا وقال،

كوستا : نحن نشكرك يا دمتري على هذه المعلومات القيمة. دميتري... دميتري... هل تسمعني يا دميتري؟

هنا سقط الصندوق من يد دمتري على الارض وتدحرجت الماسة تحت سريره. بدأت زوجهته تصرخ وتطلق العويل فعلم الجميع انه فارق الحياة. التقط كوستا الماسة من تحت السرير ووضعها بداخل الصندوق ثم خرج الرجال الثلاثة من بيت دمتري وسط الكم الهائل من نساء القرية اللواتي صرن يتهافتن على بيت المتوفي. مشى الرجال الثلاثة في شوارع الجزيرة وهم في حيرة من امرهم. هنا اقترح كوستا ان يذهبوا الى خمارة القرية الوحيد كي يشربوا الاوزو على روح المتوفي ويتحدثون هناك. فوافقوا وجلسوا على طاولة مستديرة ليبدأ نيكوس بالحديث.

نيكوس : إذا كان الامر كذلك فهذا يعني ان من سرق تلك الجوهرة جاء بها من بريطانيا وينوي بيعها هنا في اليونان لكن الجوهرة سقطت من يده في البحر عن طريق الخطأ عندما كان على متن القارب.

ثيادور : لا تكن ساذجاً يا نيكو. فالشخص لن تسقط من يده جوهرة ثمينة بهذه السهولة. انا اعتقد انه رأى دورية شرطة من بعيد فرماها في البحر عمداً كي يستردها بوقت لاحق. كذلك عليك ان تعلم امراً مهماً جداً وهو: ليس هناك شخص واحد يستطيع سرقة جوهرة كبيرة مثل هذه الماسة بمفرده. الجهة التي سرقتها يجب ان تكون عصابة كبيرة او مافيا منظمة لديها موارد وفيرة.

كوستا : إذاً هم سرقوها ونحن امتلكناها وسنصبح اغنياء من جراء ذلك.

نيكوس : إذا كانت من سرقتها عصابة المافيا، فهم لن يتخلوا عنها بهذه السهولة. لذلك سوف يأتون يوماً ما ليستردوها.

كوستا : وكيف سيعرفون انها وقعت بين ايدينا؟

نيكوس : رجال العصابات لديهم اناس محترفون وهم على الغالب مسلحون تسليحاً كبيراً وبامكانهم استئجار محققين اخصائيين يساعدونهم في العثور على ضالتهم.

ثيادور : لكنهم لن يعثروا عليها لانها الآن اصبحت بحوزتنا.

نيكوس : اشرار من هذا النوع بامكانهم ان يستدلوا علينا بسهولة.

ثيادور : إذا اغلقنا افواهنا تماماً ولم نخبر احداً عنها. فلن يعرفوا انها بحوزتنا. اليس كذلك؟

كوستا : لكن ماريا زوجة الصائغ قد تكون سمعتنا ونحن نتحدث الى زوجها. فهذا يعني انهم سيقومون بقتلنا بدون شك.

ثيادور : لا اعتقد ذلك، لقد كانت تحضر لنا القهوة وقت فتح الصندوق. وهي امرأة امية لا تفهم من الدنيا شيئاً.

نيكوس : دعونا نفكر قليلاً بالامر ولا نستبق الاحداث. فالعصابة لن تأتي غداً وتبحث عن الجوهرة. علينا ان نتريث قليلاً ونرى كيف سنتصرف فيما بعد.

ثيادور : انا اتفق معك. دعونا ننتظر بضع شهور او حتى سنة كاملة قبل ان نفكر كيف سنستفيد من الجوهرة.

كوستا : وانا كذلك اتفق معكما بالرأي. ولكن مع من ستظل الماسة حتى ذلك الحين؟

ثيادور : انا اقول، بما اننا نعيش مع عوائلنا بينما يسكن نيكو وحده بجزيرته الصغيرة. فهذا يعني ان احتمالية تسريب المعلومات لديه هو صفر. لذلك اعتقد انه هو من يجب ان يحتفظ بها، حتى نجد لها صرفة او نبيعها.

كوستا : ولكن نيكو يسكن وحده في جزيرته الصغيرة وإذا داهمته العصابة هناك فلن يستطيع احد مساعدته. لذلك انا اقترح عليكم ان تكون الماسة عندي لانني اسكن بهذه الجزيرة وهناك اناس كثر يستطيعون حمايتي اذا ما هاجمني الاشرار. لذا سوف لن تجرؤ المافيا على عمل جلبة كبيرة فتنفضح بعمل اجرامي.

ثيادور : انا اتفق معك. لندع الصندوق يظل معك ونترك الامور تهدأ قليلاً قبل ان نفكر كيف سنتمكن من التصرف بالماسة.

نيكوس : إذاً حافظ عليه جيداً يا كوستا ولا تدعها تبتعد عن عينك.

كوستا : اطمئنوا يا رجال، ستكون الجوهرة معي حتى عندما ادخل المرحاض.

انتصب الجميع وخرجوا من الحانة ليتفرقوا كلٌ الى مقصده. اما نيكوس فذهب الى الساحل ودفع بقاربه الصغير الى سطح الماء كي يبحر به عائداً الى جزيرته.

<< بعد مرور اسبوعين <<

بعد لقاء الاصدقاء الثلاثة باسبوعين والاتفاق الذي ابرموه فيما بينهم في خمارة القرية بجزيرة اريكوسا، ذهب ثيادور الى الجزيرة الكبيرة المجاورة (كورفو) ليشتري دواءاً لزوجته التي كانت تعاني من التهاب شديد في عينيها. اخذ قاربه الصغير وراح يدفع بمجاديفه حتى وصل جزيرة كورفو الكبيرة حيث اشترى الدواء من الصيدلية المركزية وعاد ادراجه. لكنه في طريق العودة وبينما هو يسير بقاربه رأى من بعيد يختاً كبيراً رآسياً وسط البحر. توقف عن التجديف، رفع المجاديف وراح يراقب اليخت من بعيد محاولاً اشباع فضوله. كان يعلم جيداً ان ذلك اليخت يقفُ بنفس البقعة التي عثر فيها صديقه نيكوس على الماسة. هنا رأى غواصين ثلاثة يقفزون من على سطح اليخت ويمكثون تحت الماء لفترات طويلة ثم يخرجون بعدها ليغيروا عبوات الاوكسجين ليقفزوا الى الماء من جديد. في هذه المرة وقف احدهم على سطح اليخت واشعل سيجارة ثم انتبه على وجود ثيادور وهو يراقبهم من بعيد. تحدث الى رجالٍ كانوا واقفين بجانبه ثم بعثهم بقارب مطاطي باتجاه ثيادور. وعندما وصل القارب المطاطي الى قارب ثيادور الصغير رأى فيه رجلان مسلحان يمسكون اسلحة آلية، وجهوا فوهاتها نحوه وصرخ احدهم قائلاً،

المسلح الاول : ماذا تفعل هنا ايها العجوز الغبي؟ ولماذا تتجسس علينا؟

ثيادور : انا رجل فقير مسكين، اسكن بجزيرة مجاورة اسمها اريكوسا. ذهبت الى كورفو لاشتري دواءاً لزوجتي وانا في طريق العودة الآن.

المسلح الاول : دعني ارى الدواء.

اخرج ثيادور علبة الدواء من جيبه وعرضها عليه فقرأ الرجل محتواها ثم سأله،

المسلح الاول : من ماذا تعاني زوجتك؟

ثيادور : انها تعاني من التهاب في عينيها. اخبرها الطبيب بجزيرتنا انها تحتاج الى هذا الدواء والا، فانها ستصاب بالعمى.

المسلح الثاني : وهل رأيت شيئاً مما نعمله؟

ثيادور : نحن معتادون ان نرى السواح غالباً ما يأتون الى مياهنا لانها نقية وباردة فيسبحون بها مع عوائلهم ويطفؤون حرارة الصيف مستمتعين باوقاتهم.

المسلح الثاني : هذا ليس ما قلته لك. سألتك إن رأيت شيئاً مما نفعله هنا؟

ثيادور : ابدأ يا ولدي. انا باواخر الستينات من عمري ونظري ضعيف جداً. لذلك بالكاد اميز المجاديف التي بقرب يدي فكيف لي ان اراقبكم؟

المسلح الثاني : إذاً لماذا توقفت وصرت تنظر الينا؟

ثيادور : انا توقفت لان يدي صارت تئن علي من الالم والتعب فتوقفت لاريحها قليلاً قبل ان اواصل رحلتي.

المسلح الاول : حسناً إذهب في طريقك ولا ترجع ثانية الى هنا وخذ دوائك معك.

ثيادور : اجل، اجل، ساذهب الآن فزوجتي تنتظر الدواء على احر من الجمر.

المسلح الثاني : انتظر لحظة يا عجوز. هل انت صياد سمك؟

ثيادور : كنت اصطاد السمك قبل 20 سنة. اما الآن فانا اعمل بخمارة صغيرة لدى احد سكان جزيرة اريكوسا إذ اقوم بتنظيف المحل بعد ان يخرج منه الزبائن بآخر الليل.

المسلح الثاني : هذا يعني انك قواد.

بدأ الاثنان يضحكان بصوت عالٍ. فضحك معهما ثيادور خوفاً وقال،

ثيادور : الحانة ليس فيها نساء لان سكان الجزيرة سيقطعونهن ارباً. الحانة يرتادها الرجال فقط لشرب الخمر.

المسلح الثاني : إذاً اذهب الى زوجتك فهي تنتظر دوائها كي تراك بوضوح فتمنحك وقتاً جميلاً في السرير.

ضحك معهم ثيادور ضحكة مصطنعة وسأل،

ثيادور : هل تحتاجون الى شيء آخر؟

المسلح الثاني : قلت لك اذهب والا غيرت رأيي وقتلتك.

ثيادور : ساذهب، ساذهب سيدي انا اشكركما.

امسك بمجاديف القارب وشاهد الرجلان يستديران بقاربهما المطاطي ويعودان الى اليخت. انطلق ثيادور بقاربه وصار مسرعاً ليندفع به الى جزيرته اريكوسا.

وبعد يوم من تلك الحادثة اخبر كوستا ثيادور بان نيكوس قد حضر الى جزيرة اريكوسا وهو الآن بالحانة في انتظارهما. مشيا بسرعة نحو الحانة ليروا نيكوس جالساً على احدى الطاولات يحتسي الاوزو وحده فجلسا الى جانبه وسمعاه يسأل،

نيكوس : هل استجد معكما أي شيء بخصوص الجوهرة؟

كوستا : الجوهري لاتزال بحوزتي. لقد خبأتها بمكان آمن بداخل بيتي ولن يعثر عليها حتى ملك الجان.

ثيادور : وانا لدي خبر سيئ سوف يصيبكما بالقلق.

كوستا : ما هو يا ثيو؟ تكلم؟

نيكوس : هيا اخبرنا فارجلي صارت ترتعد من شدة الخوف.

ثيادور : البارحة ذهبت الى جزيرة كورفو لاشتري دواءاً لزوجتي من الصيدلية هناك فمررت بالنقطة التي عثرت انت فيها على الجوهرة ورأيت يختاً كبيراً واقفاً بالقرب من الموقع.

كوستا : وما المشكلة؟ فالسواح يقفون باي مكان لغرض السباحة.

ثيادور : لا لم يكونوا يسبحون. كانوا يرسلون غواصين الى قاع البحر. وكلما نفذت عبوات الاوكسجين لدى احدهم كان يصعد القارب ليستبدلها بعبوة ملئى غيرها.

كوستا : إذاً فهم يبحثون عن الجوهرة بالتأكيد.

نيكوس : اجل. ماذا نعمل يا ثيو؟

ثيادور : دعونا نذهب الى الشاب ماركوس الذي يعمل بمقهى الانترنيت في جزيرتنا فنعلم منه إن كان قد سمع اي شيء على الانترنيت.

كوستا : هيا دعونا نذهب الى ماركوس.

دخل الرجال الثلاثة مقهى الانترنيت فوجدوا المكان فارغاً. جلس الشاب ماركوس وحده بداخل المحل ففاتحه ثيادور قائلاً

ثيادور : يا ابني ماركوس جئناك اليوم بمهمة ارجو ان لا تخيب ظننا.

ماركوس : تفضل يا عمي، انا استمع اليكم. هل تريدان ان تتعلما اللعب على الانترنيت؟

ثيادور : كلا، كلا، حبيبي هذا ليس مقصدنا. اريد ان اسألك، هل سبق لك وان سمعت بماسة اسمها كولينان؟

ماركوس : يــــــــــوه... حتى انت يا عمي؟ لقد اكتظت الانترنيت بذلك الخبر. يقولون ان شخصاً ما قد سرق ماسة تاج ملك بريطانيا واستبدلها بماسة مزورة تزويراً دقيقاً. لذلك فهم يبحثون عنها الآن وقد اعلنوا عن جائزة قدرها 3 مليون لمن يُبَلّغْ عن تلك الماسة لارجاعها الى مكانها في برج لندن.

ثيادور : هل قلت 3 مليون دراخما؟

ماركوس : بل كان العرض المقدم هو 3 مليون يورو.

ثيادور : وهل هذا مبلغ كبير؟

كوستا : طبعاً كبير، بل هو كبير جداً. فميزانية بلدية اريكوسا لهذا العام كانت 50000 يورو لذلك فإن مبلغ 3 مليون هو مبلغ أكبير مما تتصور.

نظر ثيادور الى نيكوس وسأله،

ثيادور : ما رأيك بالموضوع؟

نيكوس : دعونا نرجع الى الحانة كي نتحدث بهدوء هناك.

شكر الرجال الثلاثة الشاب ماركوس وخرجوا من مقهى الانترنيت ليعودوا سيراً على الاقدام الى حانة الجزيرة. جلسوا حول طاولة بوسطها وطلبوا زجاجة اوزو، فبدأ نيكوس بالحديث بصوت خافت يكاد لا يسمعه اصحابه قال،

نيكوس : يبدو انكم غير مستوعبين ما يجري هنا.

كوستا : ماذا يجري؟ من الواضح اننا سنصبح اغنياء جداً ولن نحتاج الى المال لآخر يوم في حياتنا.

نيكوس : وهل تعتقد ان العصابة التي رآها ثيو البارحة اثناء بحثها عن الجوهرة بقاع البحر ستتركنا نحصل على المكافئة وكل واحد منا سيذهب الى منزله وهو سعيد؟ ماذا جرى لكما؟ استيقظا يا رجال. هذه عصابة خطيرة جداً سوف تُصَفّينا الواحد تلو الآخر خلال دقائق معدودات حتى يحصلوا على الماسة التي سرقوها. نحن في مواجهة كبيرة مع اناس اشرار قد يؤذونا ويؤذون من نحب وقد يحرقوا جزرنا بمن فيها.

ثيادور : هل تقترح ان نقوم بارجاعها اليهم إذاً؟

نيكوس : حتى لو ارجعناها اليهم فسنكون قد كشفنا هويتهم وهذا يعني الموت المحقق.

كوستا : ما العمل إذاً يا نيكو؟ انا خائف جداً.

نيكوس : دعوني اتصرف بطريقتي الخاصة. فلدي حل سوف يخرجنا من هذه الورطة.

ثيادور : ارجوك اخبرنا بهذا الحل لانني اصبحت ارتعد من شدة الخوف.

كوستا : وانا كذلك. اعتقد ان العصابة قد تأتي لتحرق متجري في الجزيرة.

نيكوس : العصابة لو جائت الى اريكوسا فسوف لن تحرق متجرك وحسب بل سيمسحون الجزيرة من على الخريطة ويقتلون جميع من فيها.

تيقن الرجال الثلاثة انهم في مأزق كبير وان شيئاً ما يجب ان يفعلوه لمقارعة العصابة؟

يا ترى ما هو الحل الذي برأس نيكوس حتى ينقذ الموقف من جبروت وبطش العصابة المصممة على استرجاع الجوهرة؟