الميليشيات أمام اختبار دعوة الصدر: تأييد لفظي وتمسّك عملي بالسلاح

العرب/بغداد- لم يكن قرار رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر بفك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار الذي يتزعمه ووضعها تحت تصرف الدولة مجرد خطوة تنظيمية داخلية، بل تحول بسرعة إلى حدث سياسي وأمني أربك المشهد الشيعي برمته، وأعاد فتح ملف السلاح خارج إطار الدولة في لحظة تواجه فيها الحكومة العراقية ضغوطا داخلية وخارجية متزايدة لإعادة فرض هيبتها على المؤسسات الأمنية والعسكرية.

وجاء إعلان الصدر بصورة مفاجئة، حين قرر فصل الميليشيا التابعة له عن التيار الوطني الشيعي وإلحاقها بالدولة، في خطوة حظيت بترحيب مباشر من رئيس الوزراء علي الزيدي الذي يجد نفسه أمام تحد معقد يتمثل في كيفية التعامل مع الفصائل المسلحة التي راكمت نفوذا سياسيا وأمنيا واسعا خلال السنوات الماضية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد أبرز قادة القوى الشيعية المسلحة وأكثرهم تأثيرا في الشارع العراقي. فالصدر الذي خاض خلال السنوات الماضية صراعات سياسية وعسكرية مع خصومه داخل البيت الشيعي، اختار هذه المرة توجيه رسالة مختلفة مفادها أن مستقبل الدولة لا يمكن أن يستقيم في ظل استمرار ازدواجية السلطة والسلاح.

وقد وضعت هذه الرسالة قادة الفصائل الأخرى في موقف حرج، إذ بات من الصعب عليهم رفض دعوات حصر السلاح بيد الدولة بصورة علنية بعد أن صدرت المبادرة من شخصية تمتلك قاعدة شعبية واسعة وتاريخا طويلا في العمل المسلح.

وكان قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، من أوائل الذين سعوا إلى مواكبة القرار سياسيا وإعلاميا. فأعلنت العصائب وذراعها السياسية “كتلة صادقون” تمسكهما بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة ورفض وجود أي سلاح خارج المؤسسات الرسمية.

كما شدد مسؤولون في الحركة على أن الدعوة إلى تنظيم السلاح تمثل موقفا وطنيا يهدف إلى قطع الطريق أمام الضغوط الخارجية، وخاصة الأميركية، التي تتخذ من انتشار السلاح خارج إطار الدولة ذريعة لممارسة المزيد من الضغوط على بغداد.

وفي السياق نفسه تحدث الخزعلي خلال خطبة عيد الأضحى عن ضرورة بناء دولة قوية تمتلك قرارها ومؤسساتها، مؤكدا أن المقاومة لا يمكن أن تقتصر على العمل العسكري فقط، بل يجب أن تتحول إلى مشروع متكامل لبناء الدولة.

لكن هذه المواقف، رغم أهميتها السياسية، بدت قريبة إلى محاولة مسايرة المزاج العام الذي فرضه قرار الصدر أكثر من قربها إلى الإعلان عن تحول فعلي في بنية الفصائل المسلحة. فالعصائب لا تتحدث عن حل تشكيلاتها أو تفكيك هياكلها، بل تؤكد باستمرار أنها جزء من هيئة الحشد الشعبي التي تحولت قانونيا إلى مؤسسة رسمية ممولة من الدولة.

وهنا تكمن إحدى أكبر الإشكاليات التي تواجه الدولة العراقية. فالكثير من الفصائل المسلحة تعتبر نفسها منضوية أصلا ضمن مؤسسات الدولة عبر الحشد الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على هياكل قيادية مستقلة وروابط عقائدية وسياسية تتجاوز التسلسل العسكري الرسمي. ولذلك فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا يقتصر على التمويل أو الصفة القانونية، بل يتعلق أساسا بمن يمتلك القرار النهائي في استخدام القوة.

ويبدو أن الخزعلي، بوصفه أحد أركان الإطار التنسيقي الشيعي وشريكا أساسيا في السلطة الحالية، يدرك حساسية المرحلة. فاستقرار النظام السياسي القائم يمثل مصلحة مباشرة للفصائل المنخرطة في الحكم، كما أن تخفيف الضغوط الأميركية عن بغداد يصب في مصلحة الحكومة والقوى الحاكمة على حد سواء.

في المقابل لا تنظر جميع الفصائل إلى المسألة من الزاوية نفسها. فهناك قوى لا تزال ترى في الاحتفاظ بسلاحها ضمانة إستراتيجية تتجاوز الحسابات الداخلية، وترتبط مباشرة بدورها داخل ما يعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران في المنطقة.

ومن أبرز هذه الفصائل كتائب سيد الشهداء التي أعلنت بوضوح رفضها فكرة تسليم السلاح في الظروف الحالية. وأكد المتحدث باسمها كاظم الفرطوسي أن موقف الفصيل ثابت وغير قابل للتغيير، معتبرا أن استمرار ما يصفه بالتهديدات الخارجية والخروقات التي تمس السيادة العراقية يبرر الإبقاء على “سلاح المقاومة”.

ويعكس هذا الموقف رؤية مختلفة تماما لمفهوم الدولة والأمن. فبينما ينطلق أنصار حصر السلاح من فكرة أن احتكار القوة شرط أساسي لبناء دولة مستقرة، ترى الفصائل الرافضة أن وجودها المسلح يمثل ضرورة مرتبطة بمخاطر إقليمية وأمنية لا تزال قائمة.

ولذلك لم يقتصر رفضها على تسليم السلاح فحسب، بل امتد أيضا إلى الاعتراض على فكرة الدمج الكامل للتشكيلات المسلحة داخل المؤسسات الأمنية، بحجة أن لكل جهة دورها واختصاصها وظروفها الخاصة.

وتكشف هذه المواقف المتباينة أن العراق ما زال بعيدا عن حسم ملف السلاح بصورة نهائية، رغم التحولات السياسية التي شهدها خلال السنوات الأخيرة. فالمشكلة لم تعد تتعلق بوجود ميليشيات خارج القانون فقط، بل صارت متصلة بشبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي جعلت من السلاح جزءا من معادلة السلطة نفسها.

وبينما نجح مقتدى الصدر في إحراج خصومه ووضعهم أمام اختبار سياسي صعب، فإن نجاح مبادرته سيظل مرهونا بقدرة الدولة على تحويل الشعارات إلى إجراءات عملية، وبمدى استعداد الفصائل المسلحة للتخلي فعلا عن مصادر قوتها المستقلة.

ففي العراق لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم من يوافق على حصر السلاح بيد الدولة؟ بل من يقبل بأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار عندما تتعارض مصالحها مع مصالح الفصائل؟ وهنا تحديدا يتحدد مستقبل النظام السياسي العراقي، بين دولة تسعى إلى استعادة احتكار القوة، وكيانات مسلحة لا تزال ترى في السلاح ضمانتها الأخيرة للبقاء والنفوذ.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

606 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع