
العربي الجديد:في الوقت الذي انتقلت فيه معظم دول العالم إلى السيارات الحديثة ذات التصاميم المتطورة، تبدو كوبا وكأنها عالقة في الماضي بأسطولها الشهير من السيارات الكلاسيكية. فقد أصبحت هذه المركبات القديمة رمزاً مميزاً للبلاد، ودليلاً على قدرتها على التكيف والصمود، كما تحولت إلى عامل جذب سياحي يستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
لكن، كيف تمكنت كوبا من الحفاظ على هذا العدد الكبير من السيارات الكلاسيكية؟ تكمن الإجابة في مزيج من التاريخ المعقد والقيود الاقتصادية والقدرة الاستثنائية على الابتكار.
لفهم الواقع الحالي، لا بد من العودة إلى عام 1959، عندما انتصرت الثورة الكوبية ووصل فيدل كاسترو إلى السلطة؛ إذ سرعان ما تدهورت العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة، ما دفع واشنطن إلى فرض حظر تجاري شامل على الجزيرة.
أدى الحظر إلى توقف تدفق السلع الأميركية إلى كوبا، لتصبح المنتجات الموجودة داخل البلاد بمثابة المخزون الأخير الذي سيعتمد عليه الكوبيون لعقود. لم تقتصر آثار ذلك على السلع الاستهلاكية، بل أصابت قطاع السيارات بالشلل تقريباً، إذ توقفت واردات المركبات وقطع الغيار الأميركية.
مع مرور السنوات، اكتسبت السيارات الأميركية القديمة قيمة خاصة لدى الكوبيين ، باعتبارها تذكيراً بفترة مختلفة من تاريخ البلاد. لكن هذه السيارات، مثل غيرها، كانت تحتاج إلى الصيانة والإصلاح، ما شكل تحدياً كبيراً في ظل غياب قطع الغيار الأصلية.
ومن هنا بدأت رحلة الابتكار. فقد لجأ السكان إلى استخدام كل ما هو متاح للحفاظ على سياراتهم قيد التشغيل. وشملت الحلول استخدام أسلاك مأخوذة من أجهزة كهربائية معطلة، وتعديل قطع مستخرجة من الغسالات المنزلية، بل إن بعض الروايات تتحدث عن إعادة بناء أجزاء من المحركات باستخدام فلاتر القهوة.
كان عشاق السيارات الكلاسيكية يدركون حجم التحدي؛ فترميم سيارة قديمة أمر معقد حتى مع توافر الأدوات المناسبة، فكيف إذا كانت قطع الغيار شبه معدومة؟ وفي بعض الفترات، كان الطلاء نفسه نادراً، ما دفع بعض السكان إلى ابتكار خلطاتهم الخاصة من الزيوت والأعشاب والنباتات المحلية لطلاء السيارات.
كوبا من الدول القليلة في العالم التي يفوق فيها عمر معظم السيارات الخاصة أعمار مالكيها. يقول سائق الأجرة ليوناردو دانييل غونزاليس، الذي يقود سيارة شيفروليه فليتماستر (Chevrolet Fleetmaster) أرجوانية اللون، تعود إلى عام 1948 عبر الشوارع المعتمة، لـ"أسوشييتد برس": "هذه السيارات تنتقل من جيل إلى آخر. كانت لدي سيارة تعود إلى جدي الأكبر، ثم انتقلت إلى جدي، وبعد ذلك إلى والدي، ثم وصلت إليّ".
بسبب الحظر التجاري الأميركي الطويل، تمتلئ شوارع هافانا وسانتياغو دي كوبا بتشكيلة من سيارات بويك (Buick) وبونتياك (Pontiac) وأولدزموبيل (Oldsmobile) وبليموث (Plymouth) القديمة، التي تعود إلى حقبة كانت فيها مدينة ديترويت تنتج أكثر السيارات تطوراً في العالم.
استمرار هذه السيارات في العمل حتى اليوم هو دليل على براعة أصحابها. فمع صعوبة الحصول على قطع الغيار الأميركية وعدم القدرة على تحمل تكاليف البدائل الحديثة القادمة من اليابان أو أوروبا، اضطر الكوبيون إلى التكيف بطرق مبتكرة للحفاظ على مركباتهم.
وقد خضع كثير من هذه السيارات لتعديلات جذرية، وزُوّدت بمكونات ومحركات من مصادر مختلفة؛ فما يبدو من الخارج سيارة شيفروليه (Chevrolet) من طراز عام 1955 قد يخفي في داخله محركاً من سيارة لادا (Lada) أو قطعاً مستعملة من شاحنة مكسيكية.
ولهذا السبب، تبدو نسبة كبيرة من السيارات الأميركية القديمة، المعروفة محلياً باسم يانك تانكس (Yank Tanks)، وكأنها تقترب من نهاية عمرها الافتراضي، وهي تتنقل بصعوبة في شوارع المدن الكوبية. ومع ذلك، لا تقتصر الصورة على المركبات المتهالكة، إذ نجح بعض المالكين في إعادة سياراتهم الكلاسيكية إلى حالة ممتازة.
خلال تسعينيات القرن الماضي، اعتبرت الحكومة الكوبية السياحة أولوية اقتصادية، وبدأت في دعم مشاريع ترميم السيارات الكلاسيكية وتحويلها إلى جزء من التجربة السياحية. وأصبحت الجولات السياحية في شوارع هافانا بسيارات أميركية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي نشاطاً شائعاً بين الزوار، وسرعان ما أثبتت هذه الفكرة نجاحها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك شركة غران كار (Gran Car)، وهي شركة سيارات أجرة حكومية تستخدم سيارات أميركية كلاسيكية جرى ترميمها لنقل السياح في المدن الكبرى. ورغم أن أسعارها أعلى من سيارات الأجرة العادية، فإن مركباتها تُحافظ على حالة فنية متميزة تعكس أناقة خمسينيات القرن الماضي.
ويمكن للسائح أن يختار بين سيارة فورد (Ford) مكشوفة تعود إلى عام 1941 أو شيفروليه بيل إير (Chevrolet Bel Air) وردية اللون بمقاعد جلدية. تُستخدم هذه السيارات أساساً في الجولات السياحية داخل المدن، فيقودها سائقون يرتدون قميص غوايابيرا التقليدي وقبعات من القش، ويؤدون دور المرشد السياحي أيضاً.
تلقى هذه الجولات إقبالاً كبيراً في هافانا، حيث ينتظر السائقون بالقرب من متنزه باركيه سنترال (Parque Central)، فيما يعتنون بسياراتهم باهتمام لافت. تبلغ تكلفة الجولة التي تستغرق ساعة تقريباً نحو 30 يورو، وتشمل زيارة أبرز معالم المدينة، بما في ذلك جولة على طول كورنيش ماليكون (Malecón) الشهير.
لا تزال السيارات الكلاسيكية تؤدي دوراً عملياً في كوبا؛ فإلى جانب الجولات السياحية، يستخدم العديد من أصحابها مركباتهم سياراتِ أجرة خاصة تنقل الركاب داخل المدن وبين البلدات الصغيرة. ولمن يرغب في تجربة أكثر محلية، هناك سيارات الأجرة الجماعية المعروفة باسم ألميندرونيس (Almendrones) أو ماكيناس (Máquinas)، والتي تعمل على خطوط ثابتة داخل المدن الكبرى مقابل أجور منخفضة بالعملة المحلية.
واشتُق اسم ألميندرون من الكلمة الإسبانية التي تعني اللوزة الكبيرة، في إشارة إلى الشكل الانسيابي للسيارات الأميركية الضخمة التي دخلت كوبا قبل الثورة الكوبية. وغالباً ما تكون هذه السيارات من الطرازات الأميركية القديمة التي لم تستفد كثيراً من تطورات القرن الحادي والعشرين، إذ تتميز بأبواب ثقيلة وعوادم دخان كثيفة وسرعات متواضعة.
ويستخدم الكوبيون هذه السيارات يومياً، في حين نادراً ما يلجأ إليها السياح بسبب تعقيد الطريقة المحلية لطلبها، والتي تعتمد على إشارات يد غير مألوفة يصعب على الزائر فهمها. ومع ذلك، فإن خوض هذه التجربة برفقة صديق كوبي يبقى من أكثر التجارب المحلية تميزاً في البلاد.
ورغم الصورة الرومانسية التي تربط كوبا بالسيارات الأميركية الكلاسيكية، فإن السيارة الأكثر انتشاراً في البلاد ليست شيفروليه بيل إير أو بويك، بل سيارة لادا الروسية، تليها سيارة موسكفيتش (Moskvitch). وكانت سيارات لادا تُمنح خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لأعضاء الحزب الشيوعي المتميزين، وأصبحت آنذاك رمزاً للمكانة الاجتماعية.
اليوم، يعمل عدد كبير من سيارات لادا سيارات أجرة خاصة مطلية بالأصفر والأسود. وعلى الرغم من افتقارها إلى وسائل الراحة الحديثة، مثل أحزمة الأمان أو أجهزة التكييف، فإنها تحظى بسمعة جيدة بفضل متانتها وانخفاض تكلفتها.
وتحتفظ كوبا بإرث آخر من حقبة الحرب الباردة يتمثل في سيارة بولسكي 126 (Polski 126)، وهي نسخة مرخصة من سيارات فيات (Fiat) صُنّعت في بولندا. وقد أطلق عليها الكوبيون اسم بولاكيتو (Polaquito) أي البولندي الصغير، ويُقدَّر عدد مالكيها المسجلين بنحو عشرة آلاف شخص.
ولا تقتصر السيارات الكلاسيكية في كوبا على الطرازات الأميركية والروسية، إذ لا تزال بعض السيارات البريطانية القديمة تجوب الشوارع أيضاً. ومن أبرزها سيارات هيلمان مينكس (Hillman Minx)، إلى جانب أعداد أقل من سيارات موريس ماينور (Morris Minor) وترايمف هيرالد (Triumph Herald)، وهي مركبات نجت من عقود طويلة من التغيرات السياسية والاقتصادية لتبقى شاهداً متحركاً على تاريخ الجزيرة.
وهكذا، أمست السيارات الكلاسيكية في كوبا شواهد متحركة على تاريخ طويل من العزلة الاقتصادية والابتكار الشعبي، ورمز ثقافي يجسد قدرة الكوبيين على التكيف مع الظروف الصعبة والحفاظ على جزء فريد من تراثهم.

1002 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع