
جولة في متاهات الطبيعة والتاريخ..

عندما تلمح وميض الفرح يشع من عيني قائد ..فاعلم ان قلبه يحتفل بانجاز ..
الفكرة تبدأ بحلم وتنتهي بحكاية يقودها شغف ..
من بغداد وهي تغفو رويدا رويدا على اعتاب الليل بدأت رحلتنا .. أحاديث شتى تدور بيننا ومازال فينا بعض صحو. شيئا فشيئا بدأت الأصوات تخبو ربما إكراما لآية الليل وسكونه..الشوارع تارة في زحمة وتارة غافية في هدوء ومصابيح الشارع تتلألأ كأنها تحيي السهارى بحضور القمر ..
استقبلنا الفجر بنسيمه ووقار حضوره .. صلّى من صلّى وتأمل من تأمل في جامع اليرموك في محافظة كركوك تجاوز عمره السبعين عاما ..وعند مفرق كويسنجق توقفنا عند سد وبحيرة كومة سپان. بين الاحراش والنباتات البرية طريق ترابي في كل خطوة فيه يبقى أثر .. غطاء نباتي متنوع بين نباتات شوكية وازهار عشبية صفراء وحمراء وبنفسجية حارت كاميرتي بأي منها تبدأ .. الصيف هنا قد حط رحاله وامتص رحيق الحياة في كثير من هذه النباتات وتركها يابسة تذروها الرياح .. واخرى مازالت في ينعها وجمالها .. وبين احضان تلك الطبيعة وتحت سطوة الشمس كانت مياه بحيرة سد كومة سپان تتلألأ كأنها عقد فضي ترتديه الأرض في احتفال ..
الكل في ضجيج الفرح ولهو في مياه البحيرة وأنا في تأمل للجمال الساكن بوقاره ولمع المياه كالنبض يسري في قلب الأرض.
نواصل جولتنا ونتوقف عند سد وبحيرة باستوره على طريق اربيل شقلاوة .. بحيرات ترصع الأرض وترويها لتزهر بها الفيافي والبساتين ..ومنهل للطيور المهاجرة تتوقف عندها ترتوي وتواصل طيرانها ..
استراحة في الفندق ومن ثم جولة مسائية ترفيهية في پارك سامي عبد الرحمن واحتفال بسيط بتخرج احد اعضاء الفريق الأعزاء ..
اليوم الثاني من جولتنا زيارة منطقة زرارتي جنوب نهر الزاب الأعلى .. الطبيعة البكر كانت بانتظارنا . في وادي خِرّه أو وادي الشلالات أو كما اطلق عليه قائد فريقنا : وادي السعادة ..
تملّكتنا السعادة وغمرتنا من اول خطوة في الوادي . حيث خرير الماء سيمفونية الأرض.. تعانقت قدماي مع الماء والحصى وانثال الماء من يميني وشمالي في منظر اشبه بالحلم واخذتني الخطوات في انحناءات الماء ترافقني دهشتي والضفادع يقطع نقيقها ذهولي . وأتساءل ماذا يريد البشر اكثر .. ماء وخضراء ووجه الطبيعة الحسن وألفة الاصدقاء في فريق تجتمع على حب تقفّي الأثر تاريخه وجغرافيته . واصلنا المسير وعدنا من حيث بدأنا لندخل في متاهة أخرى تشبه مغارة علي بابا صوت الماء والوان الحصى والجدران يكسوها نبات كزبرة البير في ابهى منظر .. جمعت منه الكثير لازرعه في حدائقي الزجاجية . فهو من نباتاتي المفضلة . الجميع في ذهول المنظر .. تجربة فريدة واستكشاف مذهل خرجنا من المنظر وكاننا افقنا من حلم ..
والى إلأعالي توجهنا إلى مشاهدة وادي كورتان كشريان يغذي الأرض .. نهر الزاب كان حاضرا بشدة في جولتنا ومشاهدة رائعة لجريانه السريع عند قرية قوره بيگ..
التقطنا الصور وتأملنا المنظر وأغنينا ذاكرتنا بالمشاهد الرائعة لنعرج بعدها على مدينة قنديل وقد اخذ منا الحر مأخذه وطالنا التعب ولكننا في شغف لمواصلة المسير . استراحة وغداء.. ومضينا بعدها إلى معلم رائع ..قلعة دوين السورانية الأثرية والمقبرة الأثرية المجاورة لها . صفحة من التاريخ ملأى بالقصص .. وقد شارفت الشمس على المغيب وماتبقّى من شعاعها يصافح هذه القلعة المتربعة على الجبل في شموخ كأنها حارسة للمشهد . وقد اتشحت جدرانها بوشاح الشمس الذهبي .. يصافحها بوقار قبل يغادر النهار ونغادر ..
..
وداع ونقلب صفحة أخرى من التاريخ في جولتنا ..
لاشئ يسرّي عنا ويُذهب التعب بقدر شوقنا للانجاز فهو مانصبو اليه .. بلوغ آخر معلم في جدولنا لهذا اليوم ..
كان صباح اليوم الثالث صيفاَ حقيقيا. ولكننا في لهفة لاكتشاف مدينة كويه وطق طق ومعالمهما التاريخية .
سد وبحيرة ديلگه منظر البحيرة وهي وسط أرض تمتد يمينا وشمالا تستقبل النهار وتودع المساء في سكون بعيدا عن البشر ..
الصعود على جبل هيبت سلطان وزيارة لضريح هيبت سلطان عمة القائد صلاح الدين الايوبي ومن ثم الوقوف على منصة الجبل لمشاهدة مدينة كويه واستراحة بسيطة ونواصل إلى قشلة كويه التاريخية مبنى أثري وحدائق غنّاء معتنى بها ..ذاكرة لو نطقت ولم تكفها الف ليلة وليلة .
مقهىى تراثي جميل في القشلة ومقتنيات البيت في كويه مهداة من اهلها موثقة بالصور ومكتبة كل كتاب فيها يحكي تاريخا عريقا اصطفت على الرفوف في زهو.. استراحة لمدة قصيرة في المقهى ومن ثم خرجنا لزيارة ضريح الشاعر الكردي دلدار يونس واتجهنا صوب أقدم مطحنة عمرها 127 سنة وتعمل لحد الان .. .. مررنا بجوار كنيسة جوزيف المغلقة ماعدا يوم الأحد .. وانطلقنا إلى طق طق تلك المدينة التي مازال اسمها يتردد على الذاكرة في درس الجغرافية .. . توقفنا عند المفرق الذي تتفرع منه الطرق إلى كركوك واربيل والسليمانية وعند جسر طق طق الحديدي التاريخي توقفنا لمشاهدة المنظر حوله . وفي مصيف خالخلان السياحي كانت لنا جولة في نهر الزاب الصغير ركبنا الزوارق السريعة وتمتعنا بمنظر الماء .
تناولنا السمك المسگوف على ضفة نهر الزاب الصغير مع طيور السنونو وهي تطير اسرابا وتغني مرحّبة بنا . عدنا الى مدينة كويه بعد ذلك لزيارة متحف الكف الذهبية للدكتورة عطية حيث المقتنيات الجميلة والتنسيق الرائع لها وشرح جميل من الأستاذ الناشط ديدبان ..مع الشكر والتقدير له لدعم الفريق خلال زيارتنا لمدينة كويه ..
زيارة لموقع چارتقان الأثري ومغادرة مدينة كويه مع حلول المساء ..
في اليوم الأخير من رحلتنا احتفالية جميلة بعيد ميلاد أعضاء من فريق لاماسوو مع تكريم الأستاذ أحمد سعدون من اعضاء الفريق لجهوده في عدم الفريق ومن ثم تقديم الشكر لصاحب الفندق .. غادرنا الفندق وبانتظارنا جولة هي مسك الختام ..
في قضاء الدبس في محافظة كركوك..
مدينة غافية على أطراف الزمن ومبان قديمة هجرها البشر ونحن العابرين كنا اليوم ضيوفا في رحابها . أشجار اليوكاليبتوس تمتد جذورها في عمق الأرض موئنسة وشاهدة على المكان واحداث الزمان.. وفد قارب عمرها المئة عام تحيط بمبنى قديم هو المطعم الانكليزي وحيدا يحاور الرياح ويتبادل معها الحكايا . اطلال هنا وهناك البيوت غاب عنها كل شئ الا جدران تنطق بالصمت حكاياها..
ومن شرفة دار الضيافة تأملنا منظر السد والبحيرة .. أرض تركت للزمن يزرعها ويحصد ومدى بلا حد ..
استقبلنا الأخ انسام واستضافنا في منزله وهو منزل على الطراز الانكليزي تتسيد في ركن من اركانه مدفئة حجرية مازالت تعمل وقفص الطيور مع نباتات البوتس التي تلتف حول جدرانه بدلال .. وخزانة زجاجية لبعض المقتنيات القديمة .. ..
جسر الدبس يمتد بين الضفتين كساعي بريد ..ونهر الزاب الصغير يجري بحب الأرض .. وعلى طريق ترابي وصلنا إلى قمة سد دبس ومنصة البوابات والمياه الهادرة وسط صمت المكان المهيب .. في بحيرة السد كان بعض الصيادين يصطادون السمك والمياه تجري بأمان الله وعلى ضفتها تستلقي غابات الدبس تتلوى فيها أشجار الغرٓب وتتلاقى في عناق ابدي تتلو اناشيد الحب للنهر .. درب ترابي يشق طريقه بين الشجر وفي التواءات وانحناءات يأخذني في نزهة وانا في احضان الطبيعة تلهمني السكينة فأغرق في شرود وهمس أوراق الشجر ينعش الروح وكأن الامان هنا سر الوجود فيها ..
اجتمعنا جميعا وقدمنا شكرنا للاخ انسام تكريما له لمرافقتنا ودعمه للفريق في تجواله في قضاء الدبس..
غادرنا المكان إلى بغداد وتركنا فيه شيئا من مشاعرنا وترك فينا عميق الأثر ..
وهكذا في كل مرة يقودنا شغفنا إلى حيث التفرّد بالانجاز . لننتظر القادم بلهفة ..
*مدير مكتب الگاردينيا في بغداد

724 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع