
العرب/ علي قاسم:في وقت تبدو فيه الرأسمالية كأنها قانون طبيعي للحياة الاقتصادية، تطرح الباحثة كلارا ماتّي سؤالًا جوهريًا: هل السوق طبيعة بشرية أم بناء تاريخي؟ من هذا السؤال تنطلق رحلة فكرية تفكك المسلّمات الاقتصادية، وتعيد السياسة إلى قلب النقاش حول الحرية، والسلطة، وحدود الممكن في النظام الرأسمالي الحديث.
حين نقول إن الإنسان “بطبيعته” يسعى إلى تعظيم ثروته، وإن السوق هو الطريقة الطبيعية لتنظيم الحياة الاقتصادية، وإن البطالة ثمن لا مفر منه لمحاربة التضخم، وإن الدولة لا تستطيع أن تنفق إلا بقدر ما تسمح به الأسواق، فإننا لا نصف العالم فحسب؛ نحن نرسم حدوده أيضًا. نحدد ما يبدو ممكنًا وما يبدو مستحيلًا، وما يُعد عقلانيًا وما يُتهم بأنه ضرب من الطوباوية الفكرية.
من هذا الجدل الفكري تحديدًا يأتي السؤال الذي تطرحه الاقتصادية كلارا ماتّي في حوارها مع كريشنان غورو-مورثي على القناة الاخبارية الرابعة: هل الرأسمالية طبيعة بشرية أم نظام تاريخي اعتدنا أن نراه أمرا واقعًا طبيعًا؟ وقد جاء الحوار بمناسبة كتابها Escape from Capitalism، الذي تسعى فيه إلى تفكيك الفكرة القائلة إن الرأسمالية هي “النظام الطبيعي” للمجتمعات الحديثة.
قوة السؤال لا تكمن بالضرورة في أن ماتّي قدمت الإجابة النهائية، بل في أنها تعيد النقاش الاقتصادي إلى مكان كاد الاقتصاد الحديث أن يخرجه منه: السياسة.
فالمشكلة، في جوهرها، ليست أن الرأسمالية موجودة؛ وإنما أن وجودها أصبح يبدو وكأنه لا يحتاج إلى تفسير.
أخطر ما تفعله الرأسمالية هو أن تجعل نفسها غير مرئية. فالنظام الاقتصادي الأكثر قوة ليس بالضرورة ذلك الذي يفرض نفسه بالقوة المباشرة، وإنما ذلك الذي لا يعود الناس يرونه كنظام أصلًا.
وهنا تكمن أهمية أطروحة ماتّي. فهي تبدأ من فكرة تبدو بسيطة لكنها شديدة العمق: الرأسمالية ليست ترتيبًا اقتصاديًا نشأ تلقائيًا من رغبة البشر في التجارة والملكية، بل هي بنية تاريخية تتطلب مؤسسات وقوانين وسياسات تحافظ على شروط استمرارها. وفي الحوار، ترى ماتّي أن الخطوة الأولى للخروج من الرأسمالية هي الخروج من “الفخ الذهني” الذي يجعل النظام يبدو طبيعيًا وتلقائيًا.
وهذا يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من الذي يقرر ما هو طبيعي؟
فالسوق ليس ظاهرة من ظواهر الطبيعة مثل الجاذبية. والأسعار لا تنزل من السماء. والملكية الخاصة ليست قانونًا فيزيائيًا. والأجور، والضرائب، وأسعار الفائدة، وقوانين العمل، وحدود الملكية، وحقوق الشركات، كلها نتاج قرارات بشرية ومؤسسات سياسية.
لكن الاقتصاد الحديث نجح أحيانًا في تقديم هذه القرارات كما لو أنها نتائج تقنية لا علاقة لها بالسياسة.
وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال “من المستفيد؟” أقل شرعية من السؤال “ما الذي يقتضيه السوق؟”
وهنا يتحول الاقتصاد من أداة لفهم المجتمع إلى لغة لإخفاء السياسة داخله.
من السوق كأداة إلى السوق كحاكم
لم يكن السوق في المجتمعات القديمة غائبًا، لكنه لم يكن بالضرورة المبدأ الذي ينظم الحياة كلها.
التحول التاريخي الكبير حدث عندما أصبح الإنسان يعتمد على السوق ليس لشراء بعض الأشياء فحسب، وإنما لتأمين شروط وجوده الأساسية: السكن، والغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، والطاقة، والعمل.
وهنا تغير معنى الحرية نفسه. فالشخص الذي “يختار” العمل قد يبدو حرًا، لكن ماذا يحدث إذا كان لا يستطيع البقاء من دون بيع قوة عمله؟ وهل يكون اختياره حرًا بالمعنى السياسي نفسه إذا كان البديل هو الجوع أو فقدان السكن؟
هنا تصبح فكرة التبعية للسوق أكثر أهمية من مجرد الحديث عن حرية الاختيار.
فالحرية في مجتمع السوق قد تكون واسعة في الاستهلاك، لكنها أكثر ضيقًا في تحديد شروط الإنتاج. يستطيع الفرد أن يختار بين عشرات أنواع القهوة، لكنه لا يختار بسهولة مقدار ساعات العمل التي يحتاجها كي يدفع إيجاره، ولا يملك عادةً القرار بشأن ما تنتجه الشركة التي يعمل فيها، أو كيف توزع أرباحها، أو أين تستثمر رأس مالها.
وهذه المفارقة هي أحد المفاتيح التي تجعل أطروحة ماتّي جديرة بالنقاش.
التقشف ليس مجرد سياسة اقتصادية
تذهب ماتّي أبعد من ذلك عندما تربط بين التقشف وبنية السلطة الاقتصادية. وهي تستند في هذا المجال إلى أبحاثها السابقة، خصوصًا كتابها The Capital Order، الذي درست فيه كيف ساهمت الأفكار الاقتصادية وسياسات التقشف في إعادة تثبيت النظام الرأسمالي في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. وتصفها مصادرها التعريفية بأنها تركز في عملها على الطريقة التي تتحول بها الأفكار الاقتصادية إلى أدوات للسلطة، وتشكّل السياسات بينما تخفي القرارات السياسية الكامنة وراءها.
المفارقة هنا أن التقشف يُقدَّم عادةً باعتباره مؤلمًا لكنه ضروري.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق هذا الحكم هو: ضروري لمن؟
إذا أدى خفض الإنفاق العام إلى تقليص الخدمات الاجتماعية، فإن الفرد يصبح أكثر اعتمادًا على دخله الخاص. وإذا ارتفعت أسعار الفائدة وتباطأ الاقتصاد، قد ترتفع البطالة. وإذا ارتفعت البطالة، يصبح العامل أقل قدرة على التفاوض بشأن الأجر وظروف العمل.
لا يعني ذلك أن كل بطالة مقصودة، أو أن كل سياسة نقدية مصممة لإخضاع العمال. وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول أطروحة ماتّي نفسها إلى أيديولوجيا مضادة. لكن ما تقترحه هو أن ننظر إلى النتائج التوزيعية للسياسات الاقتصادية، لا إلى لغتها التقنية فقط.
فمن يدفع ثمن الاستقرار؟ ومن يتحمل تكلفة التضخم؟ ومن يخسر عندما تُرفع أسعار الفائدة؟ ومن يملك القدرة على الانتظار عندما يمر الاقتصاد بأزمة؟
هذه أسئلة سياسية بقدر ما هي اقتصادية.
الاقتصاد لا يكتفي بوصف الواقع؛ يصنعه
هنا تصل ماتّي إلى أكثر أفكارها إثارة للاهتمام: النظرية الاقتصادية نفسها ليست دائمًا بريئة سياسيًا.
ليس المقصود أن كل اقتصادي يخدم مصالح الأغنياء عمدًا، أو أن النماذج الاقتصادية مجرد مؤامرة. ذلك سيكون تبسيطًا لا يقل خطورة عن التبسيط الذي تنتقده. المسألة أكثر تعقيدًا.
فكل نموذج اقتصادي يختار ما الذي يعتبره مهمًا، وما الذي يتركه خارج الحساب. يمكن لنموذج أن يقيس الناتج، والاستثمار، والأسعار، والإنتاجية، لكنه قد يجد صعوبة في قياس الخوف من فقدان الوظيفة، أو الوقت الذي يقضيه الإنسان مع أسرته، أو الشعور بالأمان، أو فقدان السيطرة على ظروف العمل.
وعندما يصبح ما يمكن قياسه هو ما يستحق الاعتبار السياسي، يبدأ الاقتصاد تدريجيًا في إعادة تعريف معنى الرفاه.
وهكذا قد يتحول السؤال من: هل يعيش الناس حياة أفضل؟ إلى: هل ارتفع الناتج المحلي؟
ومن: هل أصبح العمل أكثر إنسانية؟ إلى: هل انخفضت تكلفة العمل؟
وهذه ليست فروقًا لغوية. إنها فروق في تصور المجتمع نفسه.
لكن هل يعني ذلك أن كل مشكلات الرأسمالية “مصممة”؟
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام ماتّي.
فالقول إن الرأسمالية نظام تاريخي قابل للتغيير لا يعني تلقائيًا أن كل ما يحدث داخلها نتيجة مؤامرة واعية. الأسواق تستطيع أن تنتج الابتكار، وتنسق كميات هائلة من المعلومات، وتخلق ثروة، وتوفر حوافز للإنتاج. كما أن تدخل الدولة ليس ضمانة تلقائية للعدالة أو الكفاءة.
لذلك فإن القيمة الحقيقية في طرح ماتّي ليست في استبدال عقيدة السوق بعقيدة أخرى، وإنما في استعادة حق المجتمع في مساءلة قواعد اللعبة.
الرأسمالية ليست طبيعية، لكن البديل عنها ليس طبيعيًا أيضًا.
والاشتراكية ليست بطبيعتها عادلة، والدولة ليست بطبيعتها حكيمة، والديمقراطية السياسية لا تضمن وحدها الديمقراطية الاقتصادية.
السؤال الأكثر نضجًا ليس: “هل نؤيد الرأسمالية أم نرفضها؟”. بل: أي اقتصاد نريد، ومن يملك حق تحديد قواعده؟
فنحن نعيش في أنظمة ديمقراطية تسمح لنا بانتخاب الحكومات، لكن معظم الناس لا ينتخبون مجالس إدارة الشركات التي يعملون فيها، ولا يقررون كيفية توزيع الأرباح، ولا يحددون أولويات الاستثمار.
يمكن للمواطن أن يختار الحكومة كل أربع أو خمس سنوات، لكنه قد لا يمتلك أي تأثير على المؤسسة التي يقضي فيها ثماني أو عشر ساعات يوميًا.
وهنا يصبح مفهوم الديمقراطية الاقتصادية مهمًا.
إنها لا تعني إلغاء السوق بالضرورة، بل تعني السؤال عن توزيع السلطة داخل الاقتصاد: من يقرر؟ من يتحمل المخاطر؟ من يحصل على الأرباح؟ ومن يملك حق تحديد أولويات الإنتاج؟
وهذا هو الانتقال الذي تحاول ماتّي القيام به: من الاقتصاد باعتباره علمًا عن الأسعار إلى الاقتصاد باعتباره علمًا عن علاقات القوة.
من “لا بديل” إلى “فلنبحث عن البديل”
ربما تكون عبارة “لا بديل” هي أكثر العبارات السياسية خطورة عندما تدخل المجال الاقتصادي.
لأنها تغلق النقاش قبل أن يبدأ.
عندما يقال للمجتمع إن رفع الضرائب مستحيل، أو إن زيادة الأجور ستدمر الاقتصاد، أو إن تقليص الإنفاق العام ضرورة مطلقة، فإننا لا نتعامل مع حقائق طبيعية، بل مع خيارات سياسية واقتصادية لها بدائل وتكاليف ومنافع.
قد تكون بعض الخيارات أسوأ من غيرها، وقد تكون بعض البدائل غير قابلة للتطبيق في ظروف معينة، لكن الفرق كبير بين القول:”هذا الخيار هو الأفضل” والقول:”ليس هناك خيار آخر”.
الأول حكم يمكن مناقشته. أما الثاني فهو إغلاق للنقاش.
وهنا تلتقي ماتّي، بصورة أو بأخرى، مع تقليد فكري طويل يرى أن السيطرة لا تعمل فقط من خلال القوة، وإنما من خلال القدرة على تحديد حدود الممكن.
الخروج من الرأسمالية أصعب من نقدها
لكن السؤال الأكثر صعوبة يبدأ بعد النقد.
إذا كانت الرأسمالية نظامًا تاريخيًا وليست طبيعة بشرية، فما البديل؟
وهنا لا تقدم الإجابة السهلة ما يكفي.
الديمقراطية السياسية ناقصة إذا توقفت عند باب المصنع فالسؤال الأهم هو من يقرر داخل الاقتصاد ومن يملك حق تحديد أولويات الإنتاج وتوزيع الأرباح
فمجرد إدانة عدم المساواة لا تبني نظامًا اقتصاديًا. ومجرد الدعوة إلى الملكية العامة لا تحل مشكلة الكفاءة. ومجرد توسيع دور الدولة قد ينقل السلطة من الشركات إلى بيروقراطية الدولة من دون أن يجعل الاقتصاد أكثر ديمقراطية.
ولهذا فإن أهم ما في مشروع ماتّي ليس الوعد بأن “الخروج” سيكون سهلًا، بل الدعوة إلى إعادة تخيل المؤسسات نفسها. وفي أعمالها ونشاطها العام، تربط ماتّي النقد الاقتصادي بالتنظيم الجماعي وبناء مؤسسات بديلة للديمقراطية الاقتصادية، بما في ذلك منتدى Forum for Real Economic Emancipation.
المسألة إذن ليست إسقاط نظام في ليلة واحدة، وإنما إعادة توزيع القدرة على اتخاذ القرار.
السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الحوار
ربما كان أهم ما فعلته مقابلة ماتّي أنها نقلت النقاش من سؤال “هل الرأسمالية جيدة أم سيئة؟” إلى سؤال أعمق:
كيف أصبحت الرأسمالية الشيء الذي يصعب علينا تخيله بدونه؟
هذه النقلة مهمة لأنها تعيد السياسة إلى قلب الاقتصاد.
فإذا كان النظام تاريخيًا، يمكن تغييره. وإذا كان الاختيار الاقتصادي قرارًا سياسيًا، يمكن مساءلته. وإذا كانت البطالة والتقشف والتفاوت ليست مجرد قوانين طبيعية، يمكن البحث عن طرق أخرى لتوزيع تكاليف الأزمات ومكاسب النمو.
لكن الاعتراف بذلك لا يعني أن البديل معروف أو جاهز.
وهنا تكمن المهمة الحقيقية: ألا نستبدل يقينًا بيقين آخر، وألا ننتقل من وهم أن السوق هو الحل لكل شيء إلى وهم أن الدولة هي الحل لكل شيء.
المطلوب شيء أكثر صعوبة: اقتصاد يعترف بأن وراء الأرقام بشرًا، وأن وراء الأسواق سلطة، وأن وراء كل سياسة اقتصادية سؤالًا أخلاقيًا عن نوع المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.
لقد اعتدنا أن نسأل الاقتصاد: كم نما الناتج؟ كم ارتفع التضخم؟ كم بلغت البطالة؟ كم حجم الاستثمار؟
وربما آن الأوان لأن نسأله سؤالًا أكثر بساطة وأشد قسوة:
من الذي أصبح أكثر حرية بسبب هذا الاقتصاد، ومن الذي أصبح أكثر تبعية؟
ذلك هو السؤال الذي يتركه حوار كلارا ماتّي مفتوحًا. وليس بالضرورة أن يكون جوابها النهائي هو الجواب الصحيح. لكن مجرد إعادة فتح السؤال قد تكون في حد ذاتها فعلًا فكريًا مهمًا، لأن أخطر الأنظمة ليست تلك التي تمنعنا من تخيل البديل، بل تلك التي تجعلنا نعتقد أن عدم وجود بديل حقيقة من حقائق الطبيعة.

1112 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع