محمد نجيب الجادر نموذج صناعي وطني مُمَيَّز – الجزء الثاني

                                                   

               الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط

  

محمد نجيب الجادر نموذج صناعي وطني مُمَيَّز – الجزء الثاني

لقد كان محمد نجيب الجادر وعائلته يعيشون في مُجمَّع ضخم في الساحل الأيسر من الموصل يضم أربعة قصور ما زالت قائمة في الجهة المقابلة لجامع النبي يونس (ع) لكنها مهملة. وتملك العائلة عقارات كثيرة في الموصل، بضمنها عدة أسواق وما كان يعرف بالحي الاشوري (محلة الاتيارية) (الدواسة حاليا). وله أملاك كبيرة في بغداد في المنطقة التي صارت تُعرف باسم (الجادرية)، فكلمة (الجادرية) منسوبة إلى محمد نجيب الجادر.

ولم يكن محمد نجيب الجادر بعيداً عن ما يجري حوله من أحداث، فمنذ أوائل العشرينات من القرن الماضي، فقد كان على صلة وثيقة برجالات الحركة الوطنية، حتى أنه أسهم في وضع قواعد ثابتة للعمل الوطني. من ذلك أنه أسهم في تأسيس النادي الأدبي في الموصل في الخامس من تشرين الثاني 1921 بهدف "العمل على جذب انتباه الأمة لواجباتها الوطنية والقومية". وكانت له اليد الطولى في إسهام النادي في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية في مايس /أيار 1922، وقد اُنتخب عضواً في هيئتها الإدارية إلى جانب نخبة من العاملين في الحقل السياسي؛ منهم أمين بك الجليلي ومحمد رؤوف الغلامي وسعيد الحاج ثابت وإبراهيم عطار باشي.

لقد عمل محمد نجيب الجادر مع عدد من السياسيين والاقتصاديين الموصلين؛ أمثال حمدي جليمران ومكي الشربتي ومصطفى الصابونجي؛ على مواجهة المحتلين الإنكليز والاحتجاج على معاهدة 1922 والدعوة إلى تحقيق استقلال البلاد "وفقاً لرغبات الأمة "؛ كما ورد في برقية مؤرخة في 25 حزيران 1922 والتي وُجهت إلى ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطاني.

كما دافع محمد نجيب الجادر عن عروبة الموصل وتأكيد بقائها ضمن الدولة العراقية في مواجهة مطالبة تركيا بها خلال منتصف العشرينات من القرن الماضي.

وكانت لمحمد نجيب الجادر مواقف محسوسة من قضايا النضال القومي مثل قضية فلسطين، وكان له دوره الفاعل في (لجنة إنقاذ فلسطين) التي تشكلت في كانون الأول 1947 وضمت في صفوفها عددا من الموصلين (مدنيين وعسكريين)؛ منهم إبراهيم الجلبي (سكرتير اللجنة) والحاج رؤوف الشهواني والزعيم العقيد الركن محمد علي سعيد (رئيس اللجنة) وإسماعيل عبادي وغيرهم.

وإلى جانب ذلك تشكلت لجنة خاصة لجمع التبرعات لدعم القضية الفلسطينية ودعم المجاهدين الفلسطينيين بالمال والسلاح والذخيرة. وقد ضمت اللجنة إلى جانب محمد نجيب الجادر عددا من الموصلين؛ أبرزهم الشيخ أحمد الجوادي والشيخ عبد الله النعمة والمطران اسطيفان كجو وإبراهيم الجلبي ومصطفى الصابونجي وخير الدين العمري وعبد القادر زكريا وبشير مراد ومحمود الجليلي.

لقد تصاعد عمل هذه اللجنة وغيرها بعد صدور قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني سنة 1947. فاندلعت التظاهرات وتصاعد الغضب الشعبي ضد الإنكليز وتشكلت أفواج من الموصلين المتطوعين بقيادة الحاج عبد الرزاق الحاج محمود الذي أظهر؛ حسبما ذكرت جريدة فتى العراق (الموصلية) بعددها الصادر يوم 28 آب 1948؛ (بطولات متميزة). وقد أمَّن محمد نجيب الجادر المجاهدين بالأموال والمواد العينية شأنه شأن مصطفى الصابونجي وجمع من وجهاء وأثرياء الموصل آنذاك.

قصة طريفة:
يحكى أنه كان هناك بستانيا يعمل لدى محمد نجيب الجادر، وكان لهذا البستاني صبي كبر وتربى مع أولاد الجادر حتى أنهي دراسته الثانوية. وكانت أم هذا الصبي تعمل في بيت الجادر، وكان ذلك الصبي يطمح ويحلم في أن يكون ضابطا في الجيش العراقي، وكان ذلك الحلم تقف إمامة عقبات عديدة.

في ذلك الوقت لم يكن يُقبَل في الجيش إلا مَن كان من عائلة معروفة. وفي أحد الأيام جاء الباشا نوري سعيد وهو رئيس وزراء إلى بيت صديقة محمد نجيب الجادر في بغداد، فاخبر الجادر صديقة الباشا أن لديه ولد يريد أن يكون ضابطا في الجيش. فساله الباشا هل هو ابنك؟ أجاب الجادر: مثل ابني وقد تربى مع أولادي: فأمة وأبوه يعملان لدينا. هنا قال الباشا: لا لا يُقبل أن يكون ضابطا. فسال الجادر: ولماذا؟ أجاب الباشا: إن هذا الفتى لو أصبح ضابطا فمهما كبر وصعد في المناصب سيبقى يحس بنفسه أن أمه كانت خادمة!! فكيف تريد منه أن يقود جيشا؟! إذا تريد نساعده من أجل أن يُقبل في أي عمل واختصاص آخر إلا الجيش.

    

كتب محمد شكري العزاوي وإحسان القيسي في كتابهما (دليل الألوية العراقية) الصادر في بغداد (مطبعة المعارف) سنة 1956 عن محمد نجيب الجادر الآتي: "سعادة الوجيه محمد نجيب الجادر من الرجال القلائل الذين جعلوا نصب أعينهم هدفاً لرفع مستوى بلدهم المعيشي والاقتصادي والثقافي. فأسهم في إنشاء معامل للنسيج والدباغة أنقذت الكثيرين من الجوع والبطالة، ورفعت مستوى الأعمال اليدوية في العراق، فضلا عن المشاريع الأخرى التي حمل لواءها، وكان أحد المشاعل الوطنية والاقتصادية التي ساهمت في إنارة ليل الجهل والعطالة".

ويضيف الكاتبان قائلان: " يزيد محمد نجيب الجادر فخراً أنه؛ بالإضافة إلى فضائله الوطنية والخيرية؛ فقد أنجب خير خلف لأصلح سلف؛ والمقصود نجله الوجيه محمد صديق جلبي؛ فهو الآخر علم من أعلام الاقتصاد، وتاجر كبير من تجار الأخشاب. وقد كان سعادته في يوم ما أول ضارب مثلاً في الوطنية حيث استجاب لدعوة الجيش وانخرط فيه تلبية لشعوره الوطني ورغبة والده الكريمة بمناسبة معروفة. وسعادة محمد صديق جلبي بالإضافة إلى تعاونه التام مع والده عميد أسرة الجادر له أيادٍ تُذكر في المساهمة في كثير من الأعمال الخيرية والمنشآت الصحية، هذا عدا إسهامه في زيادة الدخل القومي، ومضاعفة الإنتاج المحلي، ورفع مستوى البلد الصناعي والاقتصادي".

لمحمد نجيب الجادر قصر مُهمل حاليا ويُعد من أشهر قصور الموصل، حيث يقع في الساحل الأيسر على تقاطع النبي يونس (ع)، ويشغل مساحة كبيرة وسط الأشجار.

لقد رُزق محمد نجيب الجادر بأربعة أولاد وخمسة بنات. أولاده هم : توفيق من مواليد 1910، ومحمد صديق من مواليد 1914، وضياء من مواليد 1919، وعبد الوهاب من مواليد 1920. أما بناته فهن: الحاجة منيبة، والحاجة شكيبة، والحاجة مفيدة، والحاجة أديبة، والحاجة ثمينة.

لقد بنى محمد نجيب الجادر سنة 1368هـ/1948م جامعاً سُمي باسمه (جامع نجيب الجادر) ويقع في منطقة الفيصلية (النصر حاليا ) بالجانب الأيسر من مدينة الموصل ويُعد من الجوامع التي تتميز بطراز معماري جميل؛ حيث أن قبته على شكل نصف كرة وله منارة مُشيدة من الاسمنت المُسلح (وحسب معلوماتي الشخصية هي أول قبة في الموصل تُبنى بالإسمنت).

قد أرخ الشاعر والقاضي الأستاذ إبراهيم الواعظ لبناء هذا الجامع بيتين من الشعر قال فيهما:

مسجد للتُقى بناه نجيبُ... فاقَ في طرزهِ جميع المعابدْ
قلتُ تاريخهُ ثواباً واجراً... إنما يُعمر النجيبُ المساجدْ

لقد توفي محمد نجيب الجادر في يوم الخميس 25 من كانون الثاني سنة 1962م الموافق 19 شعبان 1381ه عن عمر يناهز التاسعة والستون. رحم الله محمد نجيب الجادر ورحم كل من أفاد وطنه وشعبه.

لقد كان محمد نجيب الجادر؛ رحمه الله؛ مواطننا صالحا وعقلية تجارية مُميزة: أفاد بلده ووضع ركائز سليمة للصناعة الوطنية؛ وخلق فرص عمل كثيرة لأبناء شعبه، وخير الناس من نفع الناس.

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).

https://www.youtube.com/watch?v=ySzSxBMPsdg

 للراغبين الأطلاع على الجزء الأول:

https://algardenia.com/maqalat/53170-2022-03-20-09-00-17.html

أطفال الگاردينيا

إذاعة وتلفزيون‏



الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

386 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع