المتنبي قراءة شخصيته

 الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

المتنبي قراءة شخصيته

في عام (303 ه) ولد المتنبي في عائلة فقيرة جدا وخاملة جدا؛ فلم يحفل به أحد، أو يتوقع له أحد مستقبله الزاهر الذي صار عليه، وظلَّ يرفل بالنسيان والخمول، ويتجرع مرارتهما حتى ولدت فيه النقمة ثم الثورة.
ويظهر خمول أسرته جليَّاً في عدم اتفاق المؤرخين والمترجمين الا على اسمه فقط (أحمد)، وقد أكَّد صحته ذكرُه إياه في شعره:
جمـعتْ بــين جـسم (احمـــدَ) والـسقـــمِ وبـــينَ الجفــونِ والتـــســهيدِ

واختلفوا في ابيه فقالوا (الحسين) و(محمد) و(عبدان) و(عيدان)، ولم يعددوا من اجداده غير جدين فقط مختلف فيهما؛ فهما (الحسن بن عبد الصمد) أو (مرة بن عبد الجبار)، فأي (أبتر هذا)!! وهو ردٌّ دامغ على من زعم انه علوي أو من اشراف العلويين. فالشريف الرضي مثلا يوصل مترجموه نسبه الى الامام الكاظم (ع) بسلسلة اجداد صحيحة لا خلاف فيها. ولم يذكر المتنبي اسم أحد أفراد اسرته في شعره عدا جدته التي رثاها بمرارة. ولم ينسَ أن يستحضر في رثائه قضية النسب والشرف وهو يرثي من لم يُنله ذلك، وكان ينتظره منه. وأشار الى وجود عائلة له عندما كان في (مصر) وفي (ايران). ولم يرثِ أباه لكونه معدما وبلا مجد.
ومثلما قلب عمر بن ابي ربيعة (معادلة الغزل) فجعل المحبوب يتغزل به وليس هو يتغزل بالمحبوب، قلب المتنبي معادلة (الفخر)؛ فالعادة أن يفخر الفاخر بآباء واجداد ذوي مجد للدلالة على كونه ماجدا، ولكن المتنبي يقول لكوني (الأمجد) فهو دليل على ان آبائي وأجدادي ذوو مجد حتما. قال:
وَلَو لَم تَكوني بِنتَ أَكرَمِ والِدٍ

لَكانَ أَباكِ الضَخمَ كَونُكِ لي أُمّا

أي (لو لم يكن أبوك أكرم والد، لكانت ولادتك لي بمنزلة أب عظيم تنسبين اليه). فاذا كان السائد (آباؤه عظام اذن هو عظيم)، ففلسفة المتنبي مقلوبها (هو عظيم اذن آباؤه عظام)!! وما دفعه الى وضع هذه النظرية الغريبة سوى أن آباءه غير عظام بل خاملون بالتمام. وقد صنعهم هو صنعا، وفرضهم فرضا، برغم التاريخ والحقيقة. ولم يكتف بأن يُبدئ العظمة به لتكون في نسله، بل يفجر العظمة تفجيرا عاصفا تجعله فيه، ومتقدمة في نسله، وراجعة الى أصله واجداده. فيمنح كلا الاتجاهين العظمة: أجداده وأبناءه. فجعل أجداده يتشرفون ويفخرون به وليس العكس هو الصحيح، في قوله:
لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي

وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي

وَبِهِم فَخرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضادَ وَعَوذُ الجاني وَغوثُ الطَريدِ


إِن أَكُن مُعجَباً فَعُجبُ عَجيبٍ
لَم يَجِد فَوقَ نَفسِهِ مِن مَزيدِ


هذا قلب المعادلة؛ فأجداده هم يفخرون به وليس العكس. واجداده فخر العرب جميعا. وهو يقصد ان الذي يفخر بجدوده لا يجد شيئا شخصيا يفخر به. كما قال:
أنا ابـن مـن بعــضه يفــوق أبـا الـباحث والنــجل بعض مـن نَجَـلـَـهْ


وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم

مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَهْ

نفروه أي غلبوه في الفخر، و(أنفدوا حيله) راحوا يبحثون في مجد اجدادهم لسد النقص في مجدهم الشخصي. وهي اشارة الى بحث الناس عن مطعن في حسبه ونسبه. وذكر علي بن المحسن عن أبيه قال: (سألتُ المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به).
ومن أسباب خموله (الفقر المدقع) لأسرته، فقد كان ابوه سقَّاء يعيش على حمل الماء الى المحلة. وقد عيَّر العراقيون المتنبي بمهنة والده:
أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا

عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء وحيناً يبيع ماء المحيا


وكان سبب عزوف المتنبي عن ذكره في شعره ورثائه، انه لم يجد باعثا على ذلك. ورثى جدته لامه وكان يسميها (أمه) لان امه ماتت فربَّته هي، وعلى عكس والده كانت معايشته لها واحتكاكه بها كبيرا مؤثرا. وكان يحبها حبا شديدا مفرطا كما يظهر من رائعته في رثائها، فقد جاء كأوار نار مستعرة من أعماقه السحيقة، ودموعه التي صبها بغزارة خلال الابيات كالوقود زادتها استعارا، ولم نشاهد للمتنبي عاطفة صادقة كما رأيناها في حبه ورثائه لجدته.
وأصل المتنبي (جعفي) وهي عشيرة يمنية ترجع الى (كهلان). ويؤكد ذلك ديوانه فغالبية ممدوحيه الاوائل قحطانيون. واعتذر لأحدهم، وقد قيل له ان المتنبي يذمك، فقال:
أبـت لـك ذمـي (نخوةٌ يمنيــةٌ)
ونفـسٌ بها فـي مــأزق أبـــداً ترمـي

وأسرة المتنبي تتكون من أمٍّ ماتت عنه طفلا، وأبٍ مات عنه شابا، وجدة ماتت عنه كهلا، وكانت حسب المصادر (همْدانية صحيحة النسب ومن صلحاء النساء الكوفيات) وذكرت المصادر له من الاولاد ابنا واحدا هو (محسد) كان يسافر معه، وقتل معه في النعمانية. ولكن المتنبي في شعره يقدِّم صورة أوضح لأسرته وظروفها؛ فيؤكد ان له عائلة كبيرة تركها في الكوفة في أثناء طوافه بين الإمارات والدول وليس ولداً واحداً (هو محسد)، ففي شيراز، وكان ابنه معه، ذكر لعضد الدولة انتظار عائلته له في الكوفة:
وكم دون الثويــة مـــن حـــزين
يقـول لــه قـــدومـــي ذا بـــذاكا

و(الثوية موضع في الكوفة). وقوله: (كم من حزين) يدل على عائلة كبيرة، ومحسَّد كان أكبر أبنائه، وقد استصحبه معه ليعينه على أموره في حلب، وفي رحلته المميتة إلى إيران حيث قتل معه. غير انه لم يأخذه معه إلى مصر بل فضَّل أن يعود إلى العائلة في الكوفة؛ لأنه لا يذكره في شعره ولا تذكره المصادر معه في مصر؛ والراجح انه رأى رحلته لمصر محفوفة بالمجازفات والكثير من الاستفهامات. كما ورد ذكر العائلة في شعره الذي قاله في سوريا وفي مصر؛ ففي حلب كان يستأذن الأمير لزيارة أهله في الكوفة (بشكل دوري) مما يعني ان وجود محسد معه ليس على الدوام:
إذن الأميــــر بــأن أعــود إلــيهم
صلة تـــسير بــشكرهـا الأشـــعار

وفي مصر يذكر شوقه إليهم ولكنه لا يستطيع مواصلتهم لأنه ممنوع من السفر:
أحـن إلـى أهلــي وأهوى لقـاءهـم
وأيــن مـن المـشتاق عنقاءُ مغـــربُ

وهذا يدل على انه كان يفضّل إبقاءهم في الكوفة على أخذهم معه أينما ذهب، لأنه آمن لهم. كما يدل على أن المتنبي لم يجعل غاية طموحه (المال) بل (الملك) وإلا لحمل عائلته معه حيث يحل، واكتفى برفد الممدوحين وعاش حياة مستقرة مرفهة، وهذا يفسر أن شخوصه إلى حلب كان لنفس الغاية، وان سفره إلى كافور سببُه يأسُه من الملك جوار سيف الدولة فتركه؛ فهذا الذي اضطره إلى ترك أهله في الكوفة ومواصلتهم بين الحين والأخر.

المتنبي والمرأة
لابد من ذكر النساء في حياته، فقد تزوج مرة واحدة زواجا تقليديا من امرأة لم يذكرها في شعره. ورجَّح البعض انها من الشام، والصحيح انها من الكوفة لأنها بقيت في الكوفة ولم تبرحها حتى قتل المتنبي بنية العودة اليها. وقد تزوجها مبكرا وفي حياة جدته، فبقيت معها تقوم بأمرها وأمر اولادها، والمرجح انه تزوج بعمر (16) أو (17) سنة، واذا جعلنا ولادة محسد عام (320هـ) أي بعمر (17) سنة للمتنبي فيكون عمر محسد عند اتصال المتنبي بسيف الدولة (17) سنة، وهي سن معقولة؛ لان المتنبي استصحبه معه. أما ما ذكر بأنه تزوج بعد عام (329هـ) فهو خطأ لان عمر محسد بهذا سيكون في عام (337هـ) (6 أو 7) سنوات فقط! فكيف يصحبه المتنبي معه بهذا العمر.
ووصف المتنبي بأنه (كان عزهاة لا تطَّبيه النساء = لا تستميله المرأة). وقد أخطأ محمود شاكر خطأ فاحشا حين زعم أن المتنبي أحب (خولة) أخت سيف الدولة، فالمتنبي ليس من رجال الحب كما قال:
وَغَيرُ فُؤادي لِلغَواني رَمِيَّةٌ

وَغَيرُ بَناني لِلزُجاجِ رِكابُ


تَرَكنا لِأَطرافِ القَنا كُلَّ شَهوَةٍ
فَلَيسَ لَنا إِلّا بِهِنَّ لِعابُ

يا عاذِلَ العاشِقينَ دَع فِئَةً

أَضَلَّها اللَهُ كَيفُ تُرشِدُها


بِئسَ اللَيالي سَهِرتُ مِن طَرَبي
شَوقاً إِلى مَن يَبيتُ يَرقُدُها

وسبب (اتهام) محمود شاكر المتنبي بعشق خولة، وهو في نظري ونظر المتنبي (اتهام باطل وخطأ قاتل) أنه أراد (قفشة اعلامية) وجديدا مبهرا لتسويق نفسه، فكل ادلته هراء في هراء. فعدم ذكر اسمها صراحة (أجلّ قدرك أن تسمي مؤبَّنة) (كأنَّ فعلة لم تملأ مواكبها) سببه ان العرف العربي يأبى ذكر اسم المتوفاة، بينما يذكر اسم المتوفى، ولذا عرَّفها مكنِّيا:
يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ
كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَسَبِ

وكأنه قال على الطريقة العراقية في التعريف بالميتة (توفيت فلانة أخت خير أخ سيف الدولة، بنت خير أب حمدان)
وقوله:
طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ
فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً
شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ
وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ

بَلى وَحُرمَةِ مَن كانَت مُراعِيَةً
لِحُرمَةِ المَجدِ وَالقُصّادِ وَالأَدَبِ

وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَنائِعِها
الّا بَكَيتُ وَلا وُدٌّ بِلا سَبَبِ

قَد كانَ كُلُّ حِجابٍ دونَ رُؤيَتِها
فَما قَنِعتِ لَها يا أَرضُ بِالحُجُبِ

يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ

وَأَكرَمَ الناسِ لا مُستَثنِياً أَحَداً
مِنَ الكِرامِ سِوى آبائِكَ النُجُبِ

فأقصى ما تفيد هذه الابيات التي فسرها شاكر بالحب: أنه فزع من خبر وفاتها وتمنى كذبه، فلما تأكد صدقُه بكى بكاء شديدا. وان سيف الدولة يظن انه غير حزين عليها! كيف؟ ولها حرمة رعاية الادب. وكان لها افضال عليه كلما ذكرها بكى بسبب تلك الافضال. وانها امرأة محجبة غير مبتذلة ولا تُرى الا بحجاب أتم من حجاب القبر فكيف قنعت بحجاب ايسر مما تعودت؟ ويا احسن الصبر زر اولى القلوب بحبها، وهو قلب اخيها الكريم الذي لا يقاس بكرمه الا اجدادُه الكرام. فأين الحب؟!!
فهذه الابيات رثاء تقليدي لخولة ومدح لسيف الدولة، وليس فيها عاطفة حب، ولو كانت لطغت بما لا يقبل اي شك، ولتنبه على ذلك القدماء. بل هي ابيات لا عمق عاطفيا فيها، لذا قال عنها العكبري (لا طائل تحتها). وقد لا نلوم محمود شاكر فالمتنبي عنده قدرة فائقة على الاقناع، تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة: (والدارس لشعر المتنبي يقع في اخطاء ومطبَّات صنعها له المتنبي نفسه. كأن تجد بوحا لا يمكن أن يصدر الا عن تجربة حقيقية؛ لأنه يحمل عنف الصدق، وعمق التجربة. إذن فالمتنبي لابدَّ أن يكون كذلك. هذا استنتاج هيأه لك المتنبي نفسه فأوقعك فيه).
أما الابيات التي يعترف فيها بأنه أحب مثل (وعذلت أهل العشق حتى ذقته) فهي كغزله في مطالع القصائد التقليدية.
ولديه غزل صادق عام في البدويات غرضه اصلاحي هو توجيه نظر واهتمام الشباب الى العربيات البدويات وصرفهم عن الاجنبيات (الجواري والسراري)، فالعربيات جميلات وفصيحات بالفطرة، بينما الاجنبيات يتصنعن جمالا ويتكلفن كلاما:
مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ
حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ

ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ
كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ
وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها
مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ ماثِلَةً
أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ

واستعمل المتنبي المرأة رمزاً في ايران بقوله:
إِثلِث فَإِنّا أَيُّها الطَلَلُ
نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبلُ


لَو أَنَّ فَنّاخُسرَ صَبَّحَكُم

وَبَرَزتِ وَحدَكِ عاقَهُ الغَزَلُ

وَتَفَرَّقَت عَنكُم كَتائِبُهُ
إِنَّ المِلاحَ خَوادِعٌ قُتُلُ


فهو يقول: أيتها العربية لو برزتِ وحدك لجيوش عضد الدولة لهزمتِه! فهو يريد أن يقول مكنيا ورامزاً: لو وقعت معركة بينكم وبين العرب، فالمرأة العربية وحدها تهزمكم. وعلق ابن جني على الابيات قائلا: (أنه كنى بذلك عن الهزيمة).
وباقي ذكر المرأة في شعره غزل تقليدي، فيه صنعة ومهارة كبيرة ولكن المرأة فيه (لوحة معلقة على جدار القصيدة) بلا روح.


طموحه
ولد طموح المتنبي من (نقمته)؛ وقد بدأت نقمته على حاله المزرية من وخمول ذكر. وكان يعيش في كنف ابيه (السقاء)، وبعد موت ابيه لم يكن غيره من يقوم بأعباء عيش العائلة. ويذكر المتنبي في شعره انه كان يقوم بأعمال شاقة مقابل القليل من الفائدة، وانه كان يتجشم اعباء السفر الكثير من اجل لقمة الكرامة. في قصيدة قال الواحدي انه قالها في صباه، يهذي المتنبي بشكواه من الفقر والجهد وحظه منحوس وهمته عالية:
أين فضلي إذا قنعتُ من الدَّهرِ بعيشٍ معجّل التنكيدِ

ضاق صدري وطال في طلبِ الرِزقِ قيامي وقل عنه قعودي


ابداً أقطع البلادَ ونجمي
في نحوسٍ وهمتي في سعودِ

ونقرأ له شعرا يمدح به صغراء الكوفة بهدف الحصول على المال القليل، كقوله في مدح شخص مجهول:
يا مَن لِجودِ يَدَيهِ في أَموالِهِ

نِقَمٌ تَعودُ عَلى اليَتامى أَنعُما

حَتّى يَقولَ الناسَ ماذا عاقِلاً
وَيَقولَ بَيتُ المالِ ماذا مُسلِما

إِذكارُ مِثلِكَ تَركُ إِذكاري لَهُ
إِذ لا تُريدُ لِما أُريدُ مُتَرجِما

ثم توسعت نقمته الى الثورة الشاملة على واقع الامة، والملوك الحاكمين. ورأى أن سبب التردي يعود الى ناس خانعين وملوك غير مستحقين. وقد وصف حال الناس بأنهم لا همة لهم ولا طموح. ورأى الطلل الاولى بالبكاء عليه، ليس طلل الحبيبة الراحلة، بل (الهمم الراحلة) منذ زمان جدِ بعيد، وبكاؤها ليس باستذكارها وتوديعها بل باستحضارها واعادتها:
أَحَقُّ عافٍ بدَمْعكَ الهِمَمُ

أَحْدَثُ شيءٍ عَهْداً بها القدَمُ

وعوضا عن همة الثورة عاشوا (الحالة الدونكيشوتية)، فـ(دون كيشوت) كان غير قادر على المواجهة والتغيير، لذا فهو يهرب من المعارك الحقيقية الى معارك وهمية، فيهجم بلا هوادة على قطعان البقر، أو على طواحين الهواء!! وهكذا جيله فقد هاجم اثنان جرذا حقيرا وقتلاه، ثم تفاخرا بقتله وصار كل منهما يدّعي انه قتله:
لَقَد أَصبَحَ الجُرَذُ المُستَغيرُ
أَسيرَ المَنايا صَريعَ العَطَبْ

رَماهُ الكِنانِيُّ وَالعامِرِيُّ
وَتَلّاهُ لِلوَجهِ فِعلَ العَرَبْ

كِلا الرَجُلَينِ اِتَّلا قَتلَهُ
فَأَيُّكُما غَلَّ حُرَّ السَلَب


وَأَيُّكُما كانَ مِن خَلفِهِ
فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً في الذَنَب

وتلك (سخرية هذا الغلام الثائر من همة رجلين قتلا جرذًا) كما قال الواحدي. وفي موقف آخر يصف الناس بانهم صغار النفوس ضخام الاجسام، والمعارك الطاحنة التي يقومون بها يومية، ولكنها ليست في سوح الشرف والبطولة، ولا يسقطون فتلى عن خيولهم، بل هي معارك في داخل بطونهم، واعداؤهم الاكل ينقضون عليه فلا يبقون منه بقية، فهم يموتون تخمة وليس قتلا. ومدنهم عامرة الا من الكرام:
وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ

وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ

بِأَجسامٍ يَحَرُّ القَتلُ فيها

وَما أَقرانُها إِلّا الطَعامُ

وَخَيلٍ ما يَخِرُّ لَها طَعينٌ

كَأَنَّ قَنا فَوارِسِها ثُمامُ

بِأَرضٍ ما اِشتَهَيتَ رَأَيتَ فيها

فَلَيسَ يَفوتُها إِلّا الكَرامُ

والحقيقة ان المتنبي كان لديه طموحان: الثروة والملك. وكان الغنى أهون طموحيه هذين، ولكنه سعى اليه بكل ما عنده من طاقة، انتقاما من الفقر المزمن لعائلته، ولإسعاد عائلته، وله فيه مآرب أخرى ستتبين لاحقا. فقد كان يأمل أن يُسعد عائلته ويعيّشها في بحبوحة وعيشة راضية، ويبتر الفقر المتوارث بما حباه الله من همة عالية. يؤكد ذلك قوله في رثاء جدته:
طَلَبتُ لَها حَظّاً فَفاتَت وَفاتَني وَقَد رَضِيَتْ بي لَو رَضيتُ بِها قِسما
أي طلبتُ من أجلها نصيبا من الغنى، وبحبوحة من الرزق، ففوّت عليها موتها ذلك، كما فاتني تحقيق هذا الحلم. وكانت جدته قنوعة مكتفية بوجوده قربها عن بعده الطَّموح. فلا نال الغنى وعاد به اليها، ولا بقي قربها وعاش معها بقية حياتها.
وفي شعر صباه نقرأ بوادر طموحه ونكوى بحرائق ثورته التي ستزداد استعارا، فقد قالوا له مرة (ما أحسن هذه الوفرة = الشعر الكثيف)! فرد عليهم بأنها تحسن وهو معتقل رمحه في الحرب:
لا تَحسُنُ الوَفرَةُ حَتّى تُرى

مَنشورَةَ الضِفرَينِ يَومَ القِتالْ

عَلى فَتىً مُعتَقِلٍ صَعدَةً

يَعُلُّها مِن كُلِّ وافي السِبالْ

وله قطعة اخرى يكشف فيها عن هدفه في الثورة، وان الناس ينتظرون منه ذلك:
مُحِبّي قِيامي ما لِذَلِكُمُ النَصلِ

بَريئاً مِنَ الجَرحى سَليماً مِنَ القَتلِ

أَرى مِن فِرِندي قِطعَةً في فِرِندِهِ

وَجَودَةُ ضَربِ الهامِ في جَودَةِ الصَقلِ

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ

فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وَذَرني وَإِيّاهُ وَطِرفي وَذابِلي

نَكُن واحِداً يَلقى الوَرى وَاِنظُرَن فِعلي


بداية الرحلة الى الطموح
بدأ مشوار طموحه (شاعرا) فسافر من الكوفة الى بغداد عام (321هـ) وعمره (18) سنة. ولأنه لا يملك (أجرة السفر)، فقد ذهب مشيا على الأقدام الى الممدوح، ومركوبه (نعاله) وهذا يظهر فقره المدقع:
لا ناقَتي تَقبَلُ الرَديفَ وَلا
بِالسَوطِ يَومَ الرِهانِ أُجهِدُها


شِراكُها كُورُها، وَمِشفَرُها

زِمامُها، وَالشُسوعُ مِقوَدُها

أَشَدُّ عَصفِ الرِياحِ يَسبِقُهُ

تَحتِيَ مِن خَطوِها تَأَيُّدُها

فنعاله (ناقته) لا يقبل راكبا خلفه، ولا يضرب بالسوط ليسرع. كان يحاول أن يجد بابا مفتوحا على الخليفة العباسي ليختصر طريق الوصول الى المجد الشعري بقصد اعلى الممدوحين، لأنه بقي في بغداد أكثر من سنة، ولولا ذلك لما بقي فيها طويلا. . ولكنه لم يستطع الوصول الى الخليفة العباسي مخترقا أبواب الحجَّاب الصفيقة. ولعله حقد على الخلفاء العباسيين من وقتها. ففي عز مجده وشهرته وطمع الملوك والامراء بمدحه، عزف عن مدحهم. وكان هو أصلا يرى ان خراب الأمة بسبب ضعف الخلافة العباسية. وفي بغداد مدح (محمد بن عبيد الله العلوي المشطّب) الذي جاءه راكبا نعاله. وقيل ان المشطَّب كان أخاه في الرضاعة، ولعل قائل هذا كان يريد ايجاد ربط للمتنبي بالعلويين.
بعد يأسه من الوصول الى باب الخليفة لعدم شهرته ونضوج شعره بما يكفي قصد الشام، وسبب اختياره الشام يعود الى سببين:
الاول- انه سيجد ممدوحين أصغر وأقل شأنا يبتدئ بهم باعتباره شاعرا غير مشهور، ثم يتدرج صعودا الى أعلى الممدوحين، وهو ما حصل له فعلا.
الثاني- ان الشام أرضية مناسبة للثورة بكونها مستقبلاً سياسياً لم يُحسم، وخارطة دائمة التبدل، فهو مرتع لأصحاب الطموح والقوة والنفوذ؛ فتصعد أسماء على حساب أسماء أخرى ثم ما تلبث أن تظهر أسماء جديدة. ولذا فهي تربة خصبة لطموحه. فجال على الممدوحين الصغار.
مراحل طموحه
مرَّ طموح المتنبي بأربع مراحل:
الاولى، المدح وكسب المال لتمويل ثوراته الكثيرة التي لم ينجح أيٌّ منها، واشاعة الشعر الحماسي لإلهاب الناس والنهوض معه.
الثانية، البحث عن (قائد افتراضي) يقلب الامور ويعيدها الى نصابها، وكان سيف الدولة أوج هذه الفرضية.
الثالثة، طرح نفسه القائد الافتراضي، عن طريق حكم ولاية في مصر يمنحها له كافور الاخشيدي فلم يتحقق.
الرابعة، اليأس والخيبة من طموحه، والعودة الى الكوفة نافضا يديه.

المرحلة الاولى: الشعر والثورة
كان شعره الاول في الشام يتوزع على ثلاث مناطق جغرافية (الجزيرة- وشمالي الشام) و(اللاذقية) و(طرابلس) ولم يحصل على ما يتمنى من مال او ما يشجعه على الاستمرار، فقد مدح بدينار واحد فقط، وسميت قصيدته (بأبي الشموس الجانحات غواربا) (القصيدة الدينارية)، بل مدح بدراهم معدودة. فأحس بالاخفاق في أمل جمع الثروة من شعره الاول لكونه في طور النضوج، ولقوة الاصطراع بين الشعراء واحتكار القرب من الامراء. وهنا عاد المتنبي الى الخيار الثاني كما قال في صباه (إما الثراء والملك او الثورة والموت) فصار يدعو الى الثورة وصار يعبئ لها بشعر مزلزل مجلجل هو أقوى شعر قاله على الاطلاق، ويمثل صبغة او طابع شعر المتنبي الذي عرف به.
من مثل قوله:
عشْ عزيزا او مُتْ وانت كريم

بينَ طعن القنا وخفق البنودِ

فرؤوسُ الرماح أذهبُ للغيظ واشفى لغلّ صدر الحسودِ


لا كما قد حييتَ غيرَ حميدٍ

واذا مُتَّ مُتََّ غيرَ فقيدِ

فاطلبِ العزَّ في لظى وذرِ الذُلَّ ولو كانَ في جنان الخلودِ

أو قوله:
لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ
فَالآنَ أُقحِمُ حَتّى لاتَ مُقتَحَمِ


لَأَترُكَنَّ وُجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً

وَالحَربُ أَقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ

ميعادُ كُلِّ رَقيقِ الشَفرَتَينِ غَداً

وَمَن عَصى مِن مُلوكِ العُربِ وَالعَجَمِ

لقد كان المتنبي في هذه المرحلة متذبذبا بين الاستمرار في الشعر أو اختيار الثورة، فاختار الثورة، ودفع اليها أكثر عدم تحقيقه ما توقعه من تأثير شعري يطبق شهرته الارض. ولعل السبب استعجاله القريحة الشعرية وعدم منحها الوقت لاسماحها بالشعر العبقري المطلوب.
وثار ثورات عدة لم يُعنَ أحد يتسجيلها، وقد قرنت بتهمة مخلة بالدين والسمعة وهي (ادعاء النبوة) وكان مثل هذه التهم من وسائل العباسيين وأتباعهم في تسقيط خصومهم. والحقيقة كانت الثورية مرافقة للمتنبي في عموم سيرته ومسيرته تظهر كلما وجدت مُناخا وفرصة، لذا سجل شعره وسجل مؤرخوه حركات وثورات له كثيرة ومستمرة.
وكان المتنبي ثائرا وشاعرا مزدوجا، يقوى هذا حينا ويقوى ذاك حينا آخر، وحينا يجتمعان فيحمّل شعره الثورة وقد سمى علي شلق المتنبي بـ(شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان). وتذكر المصادر ثورة واحدة للمتنبي أو محاولة للثورة. والحقيقة ان المتنبي قام بأكثر من حركة وثورة لا يوقف على عددها، وفي طيات أخباره وشعره ثورات كثيرة تتوزع البقاع المختلفة وفترات حياته من الحداثة الى ما قبل مقتله بست سنوات فقط (في مصر عام 348هـ). ومن اجل تشويهه وتسقيطه كان يرمى بادعاء النبوة مستغلين لقبه (المتنبي) بتحريفه الى (دعي النبوة). وانما لقبه الكوفيون وهو صبي بالمتنبي وهو يعني الحاذق الذي يتنبأ بالشيء فيقع فعلا (وسنشرح ذلك في عنوان لقبه).
وذكرت المصادر (ادعى انه علوي حسني) و(ادعى النبوة) واشتجروا في لغط طويل عريض دون ان يربطوا هذه المقدمات بنتيجة سجنه بشكل مقنع، ويذكرون انه سجن مرة واحدة في حمص. بينما يخبرنا شعره بأكثر من سَجنة. ولابد أن توضح حيثيات ثورته وسجنه.
كان العلويون المعارضة الاقوى للعباسيين، وقد ثار في العصر العباسي ثوار علويون كادوا أن يسقطوا الدولة العباسية مثل: محمد ذي النفس الزكية وأخيه ابراهيم، الحسين بن علي الخير، أبي السرايا وابن طباطبا العلوي، يحيى بن عمر. والثورات العلوية تقسم على قسمين: الاول يشترط وجود امام معصوم معاصر وهو المعني بشعارها (الرضا من آل محمد) (وهو المذهب الامامي) والثاني يشترط أن يكون الثائر علويا حسنيا أو حسينيا دون وجوب وجود الامام المعصوم (وهو المذهب الزيدي)، بدأه زيد بن علي وسار عليه بعده أغلب الثوار العلويين في العصر العباسي.
لهذا ادعى المتنبي (أنه علوي حسني) ليكتسب الغطاء الشرعي للثورة وفق المذهب الزيدي فيكون قائماً بنفسه في الشرعية غير محتاج للدعوة إلى (الرضا من آل محمد). بعد تلك الدعوى صار المتنبي مهيَّئا شرعا للثورة بمسمَّى (ثائر علوي). وقد ثار المتنبي بعد عام 325هـ (باعتقادنا). وتذكر الروايات انّه (تبعه خلق كثير). ثار في ارض سَلَمْيَة كما يذكر ابن عساكر (فقبض عليه ابن علي الهاشمي في قرية يقال لها (كوتكين)، وجعل في عنقه ورجله من (خشب الصفصاف) فقال في ذلك:
زعم المقيم بكوتكينَ بأنّه
من آل هاشم بن عبد منافِ


فأجبته: مذ صرت من أبنائهم

صارت قيودهم من الصّفصافِ

وكتب يستعطفه ويتوسله حتى أطلقه ومما قاله:
بيديّ أيّها الأمير الأريبُ
لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريبُ


أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني

دمُ قلبٍ بدمع عين يذوبُ

إن أكن قبل أن رأيتك (أخطأتُ) فإنّي على يديك أتوبُ


فهو يعترف صراحة بأنه (ثار بالفعل) فقال (أخطأتُ).
وثار في بادية السماوة كما يذكر الذهبي (فأسره لؤلؤ أمير حمص بعد أن حارب) وقد اتهمه بـ(العدوان على الناس) كما يخبرنا المتنبي، ولعلها من التهم الجاهزة التي تلقى على المعارضين لتصفيتهم. فكتب المتنبي الى الامير من السجن:
دَعَوتُكَ عِندَ اِنقِطاعِ الرَجاءِ

وَالمَوتُ مِنّي كَحَبلِ الوَريدِ

تُعَجِّلُ فِيَّ وُجوبَ الحُدودِ

وَحَدّي قُبَيلَ وُجوبِ السُجودِ

وَقيلَ (عَدَوتَ عَلى العالَمينَ) بَينَ وِلادي وَبَينَ القُعودِ

فَما لَكَ تَقبَلُ زورَ الكَلامِ
وَقَدرُ الشَهادَةِ قَدرُ الشُهودِ

وَكُن فارِقاً بَينَ دَعوى (أَرَدتُ)
وَدَعوى (فَعَلتُ) بِشَأوٍ بَعيدِ

نلحظ في هذه الابيات أن المتنبي كان خائفا هذه المرة؛ فهو يتوسل توسلا مهينا وصل الى الالحاح والاستخذاء بما يفقد الكرامة، والاعتذار بما لا يقبله المنطق ويثير الضحك، فهو يقول: كيف تعاقبني وانا لا زلت صغيرا في مرحلة (قبل المشي) فانا بين الولادة والقعود توا!! وينكر انه قام بالثورة بل أراد القيام بها (دعوى أردت ودعوى فعلت)، وانه وُشي به كذبا. يفهم منه السامع أنه يقول اي شيء استسلاما ليعفى عنه ويخرج من السجن. وتذكر المصادر انه (حبس طويلا حتى كاد يتلف).
ولكثرة ثوراته وتأليباته وصرخاته الشعرية الحماسية فقد عُرف ثائرا وشعرُه ثوريا. وصارت نغمة شعره الحماسية مطربة للناس اذ وجدوا فيها التعويض عن تراجعهم وحالة الخمول والضعف والشيخوخة واليأس التي يعيشونها، وأنها تعيد فيهم الفروسية والعنفوان والمجد التي فارقوها وتدعوهم الى اعادة الماضي المجيد. وكان هذا الشعر سر خلود المتنبي واحتفاظه بشعبيته في كل العصور، وجعله الشاعر الأول تقديراً وقراءة (وكثير من الشعراء يقدّرهم الناس ولا يقرؤون لهم كجرير وابي تمام وغيرهم).
بعد خروجه من سجنه الاخير راجع خطته فتراجع عن الثورة الى جمع الثروة، ولكن هذه المرة أخلص لفنه الشعري فبلغ به قمته. وبعد خروجه من السجن اشتهر بلقب (المتنبي) بالمعنى المحرَّف (دعي النبوة).
المرحلة الثانية: البحث عن قائد
بعد سجنه الطويل في حمص قرر ترك الثورة (الى حين) والعودة القوية الى الشعر والضرب على اوتاره بكل مجامعه وهو ما كان، وما جعل شعره ينضج ويتكامل ويبلغ الاوج والقمة وقد امتلأ روحا وأخذ طابع واسلوب المتنبي المميز. وفي عام (326هـ) كانت بداية مجده الشعري بمدحه الحسن بن عبيد الله بن طغج في الرملة بقصيدة مطلعها:
أَنا لائِمي إِن كُنتُ وَقتَ اللَوائِمِ عَلِمتُ بِما بي بَينَ تِلكَ المَعالِمِ
فقد أعطي عليها (ألف دينار) (وابيضت أيامه بعدها، وصار مطلوبا من الممدوحين).
ثم سار بشعره يبحث عن ممدوحين كبار، يبحث فيهم عن القائد الشجاع ذي الرؤية الثورية التغييرية. وكان بدر بن عمار من هؤلاء الذين علق عليهم آماله، ومن ذلك قوله فيه حالما متوخيا:
أَحُلماً نَرى أَم زَماناً جَديداً

أَمِ الخَلقُ في شَخصِ حَيٍّ أُعيدا

تَجَلّى لَنا فَأَضَأنا بِهِ
كَأَنّا نُجومٌ لَقينا سُعودا


رَأَينا بِبَدرِ وَآبائِهِ
لِبَدرٍ وَلوداً وَبَدراً وَليدا


طَلَبنا رِضاهُ بِتَركِ الَّذي

رَضينا لَهُ فَتَرَكنا السُجودا

قَتَلتَ نُفوسَ العِدا بِالحَديدِ
حَتّى قَتَلتَ بِهِنَّ الحَديدا

خَلائِقُ تَهدي إِلى رَبِّها
وَآيَةُ مَجدٍ أَراها العَبيدا

فَأَنتَ وَحيدُ بَني آدَمٍ
وَلَستَ لِفَقدِ نَظيرٍ وَحيدا

انه يحلم بقائد اسطوري، يختصر الخلق كلهم به، ويستحق السجود ولكنه تخلى لايمانه بالله عن هذا الحق، وهو الفَرد الذي لم يُشفع من بني آدم، وفردانيته قائمة بنفسها ولم تتأتَّ له من موت نظير له. كان بدر بن عمار القائد المتنظر، ولكنه كان حلما، أو صورة عظيمة رسمها على لوحة رسم بليدة، انه تمدد من المتنبي الى أمله البعيد. وما لبث المتنبي أن تركه كما ترك غيره من أسماء ضجَّ بها ديون شعره.
الا ان اتصاله بسيف الدولة يُعدُّ منعطفا ونقطة تحول كبيرة على صعيد الشعر والثورة معا. كان يرى في سيف الدولة هذه المرة الحقيقة المطلقة في الانقلاب والتغيير. أمير قوي يهزم الروم هزائم متلاحقة في مدينة صغيرة (حلب)، وخليفة عباسي ضعيف يحكم صُوريا بقاع الدولة المترامية. كان يرى امكانية استحواذ سيف الدولة على بغداد وقيادة الامة، وسيف الدولة لا يرى ذلك؛ فالخليفة يملك ظلا مقدسا لدى الامة الاسلامية، فقد وقر لدى الناس ان الخلافة في (فهر قريش) حصرا، وسيف الدولة اذا قرر الاطاحة بالخلافة العباسية وكانت لديه الامكانات العسكرية فرَضا، فهم يعلم انه لا احد سيطيعه ويقاتل معه حتى جيشه في حلب. ولم يكن غائبا عنه ما كان المتنبي يفكر به. ونجد المتنبي يلمّح ويصرّح في هذه الابيات بذلك، وهي ابيات تظهر التطور الفني العظيم في شعره عند سيف الدولة والنضج العبقري العملاق الذي وصله:
لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا

وَعادَاتُ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنُ في العِدا

وَمُستَكبِرٍ لَم يَعرِفِ اللَهَ ساعَةً
رَأى سَيفَهُ في كَفِّهِ فَتَشَهَّدا


تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ

تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

ذَكيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَينِهِ
يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا


فَيا عَجَباً مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ

أَما يَتَوَقّى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ
تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ
وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ
وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

فهو يُغري سيف الدولة بالخليفة العباسي من وجوه عدة، ويجعل منه المثال والقدوة والقائد القادر على تلبية احلام وطموحات الامة. ولكنه بحذقه توقف عن الحلم وصار يرى حقيقة سيف الدولة بأنه أمير صغير في بلد صغير (حلب)، وعرف ان سيف الدولة لا يبادله هذا الطموح، مما أدى الى الاختلاف معه.
واذا توقف العلماء والكتاب عند حد التفسير الصحيح للجفوة التي حصلت بين الرجلين، فان تفسيرنا المنطقي المستند الى شعره يؤكد ان السبب هو يأس المتنبي طموحا من سيف الدولة. وكانت قصيدة العتاب والضجة التي حدثت الحد الفاصل ثم الرحيل. بالعلن هدد المتنبي بالرحيل والى مصر (محددا)، وببرود تقبله سيف الدولة:
لَئِن تَرَكنَ (ضُمَيراً) عَن مَيامِنِنا
لَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ


إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

و(ضُمير) جبل يكون على يمين المسافر من حلب الى(مصر). وحين طلب السامِرّي الترخيص بقتله أعطي الترخيص. حقيقة ان سيف الدولة أراد الخلاص منه. فلماذا؟؟
جوابنا: ان هاجس الثورة لم يفارق المتنبي في حلب. ولكنه هذه المرة صار اكثر حنكة وتخطيطا، ورأى أن يحقق الثراء ويملك المال ليشتري به الاتباع فيثور ثورة منتصرة. وهو ما كان فعند سيف الدولة صار في طور الثورة بعد ان اكمل الاستعداد لها أو كاد، فجمع أو اشترى ألفا من الاتباع واستغلَّ غيبة سيف الدولة في بعض غزواته وقبل التنفيذ اتصل خبره بسيف الدولة فكر راجعاً واعجله (كما تقول المصادر). ولعل حرص سيف الدولة على ان يكون المتنبي معه في كل غزواته راجع الى أسباب احدها خوفه من تركه في مملكته فضلا عن رغبته في تسجيل ملاحمه الشعرية عيانا. ولكن عموما الرجلان اختلفا وتقاطعا، وصار (القُربَ اِزوِرارا وطَويلُ السَلامِ اِختِصارا) كما قال المتنبي، ثم صار علي المتنبي أن يرحل والسبب الاكبر انه لم يجد حلبا تعطيه أو تزيد على ما أعطته، فراسل كافور الاخشيدي وصارحه واشترط عليه أن يعطيه ولاية مقابل مدحه واتفقا على ذلك فترك المتنبي حلبا (متذرعا بمشاجرة تافهة مع ابن خالويه).
المرحلة الثالثة: طرحه نفسه القائد
بعد أن يئس المتنبي من وجود قائد بحجم مشروعه لم ييأس، بل لبس هو بزته، وتقلد رمحه الطويل وسيفه الجراز كما أسماه. ووجد أن أفضل حاضنة لمشروعه هي مصر. وترك الثورة الى طلب الدولة، كما وجدنا العلويين بعد ثوراتهم الكثيرة التي أخفقت فكروا ببناء الدول، فأسسوا دولة الادارسة في المغرب، والدول الفاطمية في المغرب ومصر. ولم يكن المتنبي بعيدا عن هذه الفكرة، وقد خاض غمارها ومشى عبر حلقاتها حتى انتهى الى ما انتهى اليه العلويون.
أراد أن يحصل أولا على (ولاية) ثم يتوسع حتى يشمل مصر وما حولها، ولا يدري اين كان منتهى مشروعه، وهذا أمر يكاد يتفق عليه دارسو المتنبي. وفي أول لقاء بكافور عرّض بفكرة الولاية، وربما اتفق معه المتنبي وشارطه ليأتيه الى مصر، وكان المتنبي مطلوبا من الملوك والامراء ليمدحهم لما في شعره من تخليد أكيد ومنزلة أفضل من أكبر مجد. قال المتنبي لكافور:
وَغَيرُ كَثيرٍ أَن يَزورَكَ راجِلٌ

فَيَرجِعَ مَلكاً لِلعِراقَيينِ والِيا

وكرر الامر على كافور في قوله:
وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كانَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ

 

إِذا لَم تَنُط بي ضَيعَةً أَو وِلايَةً
فَجودُكَ يَكسوني وَشُغلُكَ يَسلُبُ

كان المتنبي يظن ان كافورا (ت357هـ) عبد اسود غبي، وانه يستطيع بشعره ان يحصل منه على (ولاية)، فتنازل عن بعض قدر الشعر الى قدر الملك، فكان اول تراجع فني له، الا انه أحكم القبضة ولم يسمح ان يتفلت حبل الفن الشعري من يده، فلا يزال محتاجا الى الشعر في هدفه. فلبس بزة السياسي والمخطط الانقلابي. اذ كان يرى ان مصر وكافورا فرصته الوحيدة اذا خابت خاب الى الأبد. ولكنه فوجئ بحنكة كافور ودهائه السياسي وعلم انه أساء التقدير. واذا نظرنا الى اهاجي المتنبي في كافور نرى ان المتنبي لم يجد فيه مطعنا في عقل وتدبير ودهاء، فعيره بلونه وافترى عليه افتراءت تُضحِك ولا تُصدّق.
وكان الاخشيد ملك مصر مولاه قد اشتراه ثم أعتقه ثم رقاه الى كبير القواد (لما رآه فيه من الحزم والفعل وحسن التدبير). ثم تعهد كافور ابني الاخشيد أبا القاسم ثم أبا الحسين. وفي عام 355هـ استقل بحكم مصر عن الاخشيد الى ان مات عام 357هـ. ولم يستطع الفاطميون احتلال مصر حتى مات كافور. وحين ألحَّ المتنبي على كافور من أجل الولاية قال له كافور علانية (لستُ أجسر على توليتك صيدا؛ لأنك على ما أنت عليه تحدّث نفسك بما تحدّث، فان وليتك صيدا فمن يطيقك).
وكان في مصر شخصية قوية يهابها ويخشاها كافور، وهو القائد (أبو شجاع فاتك الرومي) الملقب بـ(الكبير) (ت 350هـ). وهو رفيق كافور في الرق والحرية؛ اشتراهما الاخشيد ثم أعتقهما. وحين ترقى كافور كبيرا للقواد ثم متعهدا ابني الاخشيد، انزوى فاتك الرومي في الفيوم (أنفة من السكن قرب كافور). وكان في مصر قائد محنّك هو شبيب العقيلي (ت348هـ) والي الرملة والساحل لكافور، وكان يكره كافورا. وحين يئس المتنبي من الحصول على ولاية من كافور عادت اليه عادته الثورية، فخطط للإطاحة بكافور فشكل مع فاتك الرومي وشبيب العقيلي مثلثا انقلابيا.
انقلاب في مصر
لم أجد مصدراً تاريخياً، غير ديوان المتنبي، يتكلم عن (انقلاب) ضد كافور قاده الثلاثي: المتنبي مفكرا ثوريا، وفاتك الإخشيدي مخططا للانقلاب، وشبيب العقيلي وقائدا ميدانيا منفّذا، وذلك في عام (348هـ). وهذه المرحلة اخطر مراحل تحولات المتنبي السياسية. وقد أخمد كافور بخبرته المؤامرة في مهدها، وقام بتصفية الانقلابيين مبتدئا باغتيال شبيب العقيلي. لذا لا نفاجأ إذا رأينا المتنبي لا يهنئ كافورا بالنصر بل يرثي شبيباً ويتهكم بكافور:
أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت
قيام دليل أو وضوح بيانِ

رأت كل من ينوي لك الغدر يُبتلى
بغدر حياة أو بغدر زمانِ
ج

برغم شبيبٍ فارق السيف كفه

وكانا على العلات يصطحبانِ

وحينما وصل الى قوله:
وقد قتل الأقرانَ حتى قتلتَه
بأضعفِ قِرنٍ في أذلِّ مكانِ


قال كافور (لا والله إلا بأشد قِرن في اعزِّ مكان) وتهكم به بقوله:
فما لك تختار القسي وإنما
عن السعد يرمى دونك الثقلانِ

لو الفلك الدوار أبغضتَ سعيه
لعوَّقه شيء عن الدورانِ

وهذه الأبيات تدل على أن شبيباً قتل بغير سلاح، وهو ما تقوله المصادر؛ اذ تذكر ان شبيبا وهو يستعد للحرب سقط عن جواده ميّتا. ويدل على أن شبيباً كان على اتصال بفاتك قول المتنبي وهو يجمعهما في حالة واحدة :
واسودَ أما القلبُ منه فضيقٌ

نخيبٌ وأما بطنه فرحيبُ

يموتُ به غيظًاً على الدهر أهلُه كما ماتَ غيظاً فاتكٌ وشبيبُ


أما فاتك الرومي فتذكر المصادر أنه جرت المراسلات بينه وبين المتنبي كما انهما (التقيا في الصحراء وتباحثا)، ولابد أن تلك المراسلات واللقاء أو اللقاءات قد وضع في أثرها مخطط صارم للثورة، وهكذا تعود النغمات الحماسية إلى شعر المتنبي لتلهب الشعب المصري وتهيئه للمرحلة القادمة:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
ولو أنّ ما في الجسم منه حرابُ


يغيِّر مني الدهرُ ما شاء غيرَه

ويبلغ أقصى العمر وهي كعابُ

تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ
فليس لنا إلا بهنَّ لعابُ


أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

كما أنه عمل قصيدة دعائية لفاتك فمدحه ندا لكافور ولم يمدح المتنبي وزيراً أو من هو دون ملك في مصر، وبهذا تكون هذه القصيدة ترشيحية دعائية وفيها يقول:
واجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ
بغير قول، ونعمى الناس أقوالُ

فهذا (تعريض بكافور) اذ يجعل عطايا كافور وعودا فقط دون تنفيذ. كما قال في موضع آخر:
أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً
أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

وفي قصيدته بيت يقول طه حسين انه يشير إلى أن المتنبي كان مسجوناً عند كافور أو أنه تحت المراقبة الشديدة، وهو:
وان تكن محكماتُ الشكل تمنعني

ظهورَ جري فلي فيهن تصهالُ

وعن علاقة المتنبي بفاتك بسبب (المصير والهدف المشترك) يقول أبن جني: (ما رأيت أبا الطيب أشكر لأحد منه لفاتك). ويتضح ذلك الحب في مراثيه المتعددة ومقدار ما كتبه فيه؛ فأبياته في فاتك (357) بيتاً وهي تناظر تقريبا أبياته في الشيرازيات (396) بيتاً أي أعطاه أهمية عضد الدولة. ومن رثائه لفاتك الذي يشير الى ذلك الهدف قوله:
أيموت مثلُ أبي شجاعٍ فاتكٍ
ويعيش حاسده الخصيّ الأوكعُ


أما المتنبي، فبعد فشل الانقلاب وقتلِ كافور شَبيبا عام 348هـ غيلة، وفاتكا الرومي عام 350ه غيلة أيضاً، أدرك ان الدور قد حان عليه وعليه الهرب من مصر. وتُظهر حركة هروبه الخارقة مدى رعب المتنبي واستيلاء الخوف الواثق عليه من مصيره المؤكَّد، وأنَّ عليه أن يسابق لحظة الصفر وليست ساعة الصفر التي تنتهي بقتله غيلة أيضا. وقد شدَّد كافور عليه المراقبة ريثما يتخلص منه. وليس صحيحا انه حبسه عن السفر خوفا من هجائه. فقد احاطة بالجواسيس، ومرة دسَّ اليه (من يستعلم ما في نفسه، ويقول له طال قيامك عند هذا الرجل) فقال المتنبي عالما بما يحاك ضده:
يَقِلُّ لَهُ القِيامُ عَلى الرُؤوسِ
وَبَذلُ المُكرَماتِ مِنَ النُفوسِ

إِذا خانَتهُ في يَومٍ ضَحوكٍ
فَكَيفَ تَكونُ في يَومٍ عَبوسِ

وقد تعجب البديعي اشد العجب من أن يكون المتنبي وصل إلى هذه الحالة من التضعضع فقَبِلَ أن يقف على رأسه لكافور وهو الذي لم يرض أن ينشد سيف الدولة قائماً! واراد المتنبي مرة الذهاب الى الرملة لتحصيل مال له، فاستأذن كافورا فلم يأذن له وقال: (لا نكلفك المسير نحن نحصله لك)، فقال المتنبي متبرما:
أَتَحلِفُ لا تُكَلِّفُني مَسيراً
إِلى بَلَدٍ أُحاوِلُ فيهِ مالا


وَأَنتَ مُكَلِّفي أَنبى مَكاناً
وَأَبعَدَ شُقَّةً وَأَشَدَّ حالا

وكان بيته مراقبا أيضا بحيث ان جيرانه كانوا عيونا عليه. فلم يكن أمامه غير الهرب. وكانت مدة بقائه في مصر خمس سنوات.
المرحلة الرابعة: العودة الى الشاعر
كانت عملية هرب المتنبي من مصر الى الكوفة من العمليات فوق الكبرى في التاريخ؛ ورحلة خرافية لم يَقدِم عليها الا الابطال الاسطوريون في الملاحم. فقد عبر ثلاث دول (مصر، سوريا، العراق). انطلق المتنبي في عيد الاضحى مستغلا انشغال الدولة بالعيد عنه، وقد جهّز ما يحتاجه من ماء ومتاع واحتياجات. ولم يسلك الطرق المعبدة المعهودة، بل سار (على الحلل والاحياء، والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن) متخطيا حرس وجواسيس كافور، وصعوبات ومخاطر كثيرة، وكان وأصحابه يركبون الجمال في رمال الصحراء، والخيول في الطرق. واستغرقت رحلته نحو اربعة اشهر من 9 ذي الحجة سنة 350هـ الى ربيع الاول سنة 351هـ فدخل الكوفة.
وفي طريقه الى الكوفة أنشد قصيدة رسم فيها مستقبله.
حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ

وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَدَمِ

وَلا يُحِسُّ بِأَجفانٍ يُحِسُّ بِها

فَقدَ الرُقادِ غَريبٌ باتَ لَم يَنَمِ

تُسَوِّدُ الشَمسُ مِنّا بيضَ أَوجُهِنا
وَلا تُسَوِّدُ بيضَ العُذرِ وَاللِمَمِ

ما زِلتُ أُضحِكُ إِبلي كُلَّما نَظَرَت
إِلى مَنِ اِختَضَبَت أَخفافُها بِدَمِ

حَتّى رَجَعتُ وَأَقلامي قَوائِلُ لي
المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

اِكتُب بِنا أَبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ
فَإِنَّما نَحنُ لِلأَسيافِ كَالخَدَمِ

أَسمَعتِني وَدَوائي ما أَشَرتِ بِهِ
فَإِن غَفِلتُ فَدائي قِلَّةُ الفَهَمِ

مَنِ اِقتَضى بِسِوى الهِندِيِّ حاجَتَهُ
أَجابَ كُلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بِلَمِ

هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ
فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالحُلُمِ

وَقتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ
في غَيرِ أُمَّتِهِ مِن سالِفِ الأُمَمِ

أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ
فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ

لقد صار يستهزئ بطموحه وما عمله بسببه، متخليا عن افكاره التي كانت غير منطقية. فعليه ان يكفَّ عن مجاراة النجم في السير؛ فهو يسير برجل وخف فيتعب حتما، والنجم يسير بلا رجل وخف فلا يتعب. وهو لسيره الطويل يغالب النوم ويعاني النعاس، والنجم لا يملك عيونا فلا يغالب النعاس. فضلا عن ان الشمس تسوّد الوجه وظاهر جسده فقط. انه بات يضحك مع ابله من رحلاته السابقة التي أدمت اخفافها؛ فلا الغرض يستحق ذلك (طموحه) ولا الذين قصدهم يستحقون ذلك. وبعد رجوعه عن طموحه بنيل الملك بالقلم (الشِّعر) أخبرته اقلامه ان المجد لا يتحقق بها بل بـ(السيوف). فاكتب بها مسطّرا اولا بتحقيق طموحك، ثم اكتب بنا بعدها؛ فالسيوف تقيم الدول، والاقلام تخدم السيوف. وفي زماننا كل أمر تصنعه السيوف، وكل شيء غير السيوف يُطلب منه العون يجيبك بـ(لا). واذا لم يتحقق طموحك بنيل الملك والمجد والثروة فهوّن على عينيك عدم رؤيته، ما دام كل شيء رأته العين وتملّت فيه ستفقده يوما، فيستوى عندئذٍ ما رأته مع ما حُرِمت رؤياه (وهذا تسلية لنفسه). والوقت الذي عاشه وقت ضائع، فليته عاش عمره في الزمان القديم وفي غير أمته هذه ليحظى بالسعادة؛ فقد هرم الزمان على عهدنا لذا عشنا الحزن والحرمان. لقد أعلن في هذه القصيدة تركه طموحه وطيّ صفحته الى الابد، وعليه أن يفكر بالسير في طريق آخر.
بعد نحو سنتين قضاها المتنبي في الكوفة قرر أن يذهب الى بغداد فقصدها عام 352هـ. وسبب ذهابه الى بغداد الحاجة الى المال لعيش مرفّه. بتقدير أن ما حصل عليه من سيف الدولة وغيره قد أنفقته عائلته؛ بعد انقطاع خمس سنوات قضاها في مصر. وما حصل عليه في مصر تركه هاربا، وحسب المتنبي فان اكثر عطايا كافور، أو بعد أن شكَّ بأمره، كانت وعودا دون صرف:
أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً
أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ


فضلا عن انه بقي سنتين في الكوفة بعد عودته، مما يؤكد حاجته الى المال. وكذلك أراد أن يلتقي بملوك المشرق كما التقى بملوك المغرب، فعاد الى بغداد شاعرا فقط، كما قصدها في صباه شاعرا فقط.
وكان هدف المتنبي الوصول الى الخليفة العباسي (المطيع لله)، والبقاء في معيته. ولو انه وصل اليه لاكتفى به عن البويهيين. وربما أراد الانتصار على بغداد والخلافة العباسية التي لم تفتح الباب له سابقاً لعدم شهرته، وظنَّ انها ستفتح أقصى ذراعيها لاحتضانه. وكان عليه أن يجتاز (باب الخليفة) للوصول اليه، وهو (الوزير المهلبي) فيمدحه أولا. ولكن المتنبي لم يمدح الوزير المهلبي؛ اذ أبت نفسه العالية أن يمدح المجون والسخافة ممثلة بالمهلبي وحاشيته. فأغلق على نفسه باب الخليفة الى الابد. بل ان الوزير المهلبي أضرى عداء ادباء بغداد للمتنبي، فحاربوه بشتى الصور تشفيا من نجاحه وشهرته التي غطت عليهم.
بعد رحلته الفاشلة الى بغداد رجع الى الكوفة في شعبان سنة 352هـ. فمكث في الكوفة سنة وخمسة أشهر توجه بعدها الى (أرِّجان) في فارس بدعوة من (ابن العميد) في المحرم سنة 354هـ فوصلها في صفر من السنة نفسها. ولم يكن المتنبي راغبا في قصد ايران ومدح البويهيين؛ بدليل انه بعد يأسه من بغداد والخليفة العباسي لم يكمل مسيره الى ايران والبويهيين. وقد ذكرت المصادر انه قصد ايران (مراغما) بمعنى انه وجد في ايران متسعا له، وتحديا لأعدائه. وكان الخليفة العباسي المطيع لله ألعوبة بأيدي البويهيين، وكان من الهوان أن الحاشية تتحكم به، والا فكيف فاته أن يقدّم دعوة لزيارة أكبر شاعر معاصر له (المتنبي) وقد وجَّه له الدعوة من هم أقل منه شأنا واسما.
وقد اختار المتنبي دعوة ابن العميد على دعوة الصاحب بن عباد الذي وصفه بـ(الغُليّم)؛ كون ابن العميد أشهر الكتاب في زمنه، وقد قيل (بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد) فلا بأس أن يلتقي الجبلان: جبل الشعر وجبل النثر. كما ان ابن العميد كان كيّسا، ولم ينضم الى الادباء الذين عادوه وهارشوه، وان كان يحسده، واعترف انه اراد تخميله فلم يستطع، كان ذلك قبل ان يزوره في (أرِّجان)، ولكن بعد أن زاره عظَّمه وعظَّم قدره. وقد لبث المتنبي لدى ابن العميد شهرين من صفر وحتى ربيع الاخر. ولأول مرة يعيش المتنبي في كنف أديب وناقد كبير. وقد أوصل ابن العميد الى المتنبي (كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب وما سمعت دونه، فلم يحر جواباً). ونحس في (قصيدة النيروز) حرج الشاعر أمام الناقد، وقبوله حكمه فيه، ولكن في نفسه كلام لا مجال لقوله:
هَل لِعُذري عِندَ الهُمامَ أَبي الفَضلِ قُبولٌ سَوادُ عَيني مِدادُه


أَنا مِن شِدَّةِ الحَياءِ عَليلٌ

مَكرُماتُ المُعِلِّهِ عُوّادُه

ما كَفاني تَقصيرُ ما قُلتُ فيهِ

عَن عُلاهُ حَتّى ثَناهُ اِنتِقادُه

إِنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنَ أَجَلَّ النُجومِ لا أَصطادُه


رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَفظُ عَنهُ

وَالَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اِعتِقادُه

ما تَعَوَّدتُ أَن أَرى كَأَبي الفَضلِ وَهَذا الَّذي أَتاهُ اِعتِيادُه


إِنَّ في المَوجِ لِلغَريقِ لَعُذراً

واضِحاً أَن يَفوتَهُ تَعدادُه

ومثله قال عضد الدولة في شعر المتنبي (جيد شعره في المغرب) فأجابه المتنبي مغالطا (الشعر على قدر البقاع). وللحقيقة ان شعر المتنبي في الشام ومصر كان (الفن للثورة) وكتبه المتنبي بكل رغبة وقوة فن امتلكها، أما شعره في ايران فكان (الفن للفن) وكتبه برغبة وقوة فن أقل بكثير. ونجد المتنبي لأول مرة يبدع في وصف الطبيعة (شِعب بوان) وصفا فنيا رائعا.
ثم جاءته دعوة من عضد الدولة البويهي الى شيراز، في ربيع الاخر 354ه،ـ فبلغها في شهر جمادى الأولى. وبعد ثلاثة اشهر قضاها عند عضد الدولة غادر شيراز في شعبان عائداً إلى العراق يريد بغداد فالكوفة، وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 354هـ في طريق العودة في النعمانية قرب دير العاقول، قتل المتنبي فهوى به جبلان: جبل إنساني قلَّ نظيره، وجبل شعري لا نظير له.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1098 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع