فن التملق في مجلس النواب دليل عملي للوصول إلى المقعد الخشبي

بدري نوئيل يوسف

فن التملق في مجلس النواب دليل عملي للوصول إلى المقعد الخشبي

تعريف التملق

التملق هو فن اجتماعي قديم، يتقنه البعض ببراعة، ويستخدمونه كأداة فعّالة لتحقيق أهدافهم، خاصة في الأوساط السياسية، كالمجالس النيابية. في هذه البيئة، يتجاوز التملق كونه مجرد مجاملة عابرة، ليصبح وسيلة للوصول إلى النفوذ والسلطة. يعتمد المتملق على انتقاء الكلمات المنمقة والإشادة المبالغ فيها بالمسؤولين وأصحاب القرار، ويُظهر ولاءً لا يهتز أمام كل من يمتلك السلطة أو القدرة على التأثير في مسار الأحداث. هكذا، يتحول التملق إلى جسر يعبر عليه الطامحون نحو المقاعد الخشبية في قاعات مجلس النواب، حيث الكلمة المعسولة تسبق الفعل، والتصفيق الحار يُغني عن المواجهة الحقيقية مع قضايا الفساد أو الإصلاح الجاد.
كيف تصبح نائبا في مجلس نواب دولة الفساد:
في أروقة المجالس النيابية، لا يكفي الطموح وحده للوصول إلى المقعد المنشود؛ فهناك فنون خفية يتقنها البعض، وأبرزها فن التملق. هذا الدليل العملي يكشف بأسلوب ساخر كيف يمكن للتملق أن يتحول من مجرد سلوك اجتماعي إلى وسيلة فعّالة للارتقاء السياسي، حيث يصبح النائب الشعبي نجماً في مشهد مليء بالتناقضات، وتتحول الكلمات المنمقة إلى جسر يعبر عليه الطامحون نحو السلطة
في دولة الفساد حيث "النائب الشعبي" يشبه ذلك النجم السينمائي الذي يظهر فجأة في فيلم كوميدي من إنتاج موسمي، يصبح التملق ليس مجرد مهارة، بل هو فن راقٍ ووسيلة نجاة. إذا أردت أن تصبح نائباً "شعوبيا" في هذا المشهد الديمقراطي العابق برائحة الفساد، فإليك الدليل العملي الساخر:
أولاً: ابحث عن "الأب الروحي" المناسب
في عوالم المجالس النيابية، لا يبدأ النائب الناجح من قاعدة الهرم، بل ينطلق مباشرة من القمة. الخطوة الأولى في طريق الارتقاء ليست العمل الشعبي أو خدمة الناس، بل البحث الدؤوب عن ذلك المسؤول الكبير صاحب النفوذ، ذي البصمة الواضحة في كل مناقصة وعطاء. اقترب منه بحذر وذكاء، وأظهر إعجابك اللامحدود بحكمته التي تتجاوز حتى حكمة "أرسطو" في إدارة الصفقات وتوزيع الغنائم. وليكن ولاؤك لهذا الأب الروحي صلباً لا ينكسر، كلاصقة جروح لا تنفك إلا بزوال الجلد ذاته. فبهذا الولاء المطلق، تضمن لنفسك مكاناً ثابتاً على المقعد النيابي الخشبي، حيث الكلمة المعسولة تسبق الفعل، والتصفيق الحار يغني عن المواجهة الحقيقية مع قضايا الفساد أو الإصلاح الجاد.
ثانياً: أطلق الوعود كالمطر الرعدي
في عالم السياسة، لا شيء يضاهي سحر الوعود البراقة. اجعل وعودك تتساقط كالمطر الرعدي، تتردد أصداؤها في كل زاوية من زوايا الدائرة الانتخابية. لا تتردد أبداً في إطلاق وعودك مهما بدت خيالية أو بعيدة عن الواقع. تحدث عن تحويل الصحراء إلى جنة خضراء، وعن توفير فرص العمل للعاطلين بمجرد ضغطة زر، ولا مانع من أن تعد بالسيطرة على الطقس إن استدعى الأمر. المهم أن تبقى هذه الوعود منفصلة تماماً عن أي واقع ملموس أو خطط تنفيذية واضحة.
تذكر دائماً أن الناخبين يهوون الأحلام الجميلة، حتى وإن كانت تشبه فقاعات الصابون في هشاشتها وسرعة زوالها. فكلما زاد حجم الوعد، ارتفع سقف الآمال، وبهذا تضمن لنفسك حضوراً لافتاً في أذهان الجميع، حتى وإن انتهت الوعود مع انتهاء موسم الانتخابات.
ثالثاً: اتقن لغة "التملق الإلكتروني"
في عصر التكنولوجيا الحديثة، لم يعد التملق مقتصراً على اللقاءات الشخصية أو المجاملات المباشرة،
بل أصبح له ساحته الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي. هنا، يتفنن الطامحون إلى السلطة في نشر المنشورات التي تمجد إنجازات" كبار المسؤولين، حتى وإن كانت تلك الإنجازات لا وجود لها على أرض الواقع. ولتحقيق أقصى درجات التملق الإلكتروني، يحرص النائب على كتابة تعليقات من قبيل "قيادة حكيمة" و"رؤية ثاقبة" تحت كل صورة للمسؤولين، مهما كانت الصورة بسيطة أو بعيدة عن الشأن العام، كأن تكون صورة لطبق طعام على سبيل المثال.
ولكي يثبت ولاءه الرقمي، يسعى النائب لأن يكون أول المعلقين على منشورات المسؤولين وآخرهم، محولاً نفسه إلى ظل إلكتروني لا يفارقهم. بهذه الطريقة، يضمن حضوره المستمر في المشهد السياسي الرقمي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت التصفيق الافتراضي، ولا مساحة للنقد أو المواجهة الحقيقية.
رابعاً: حول الجلسات النيابية إلى مسرح للتمثيل
عندما تصل إلى المقعد النيابي، لا تتعامل مع الجلسات على أنها ساحات للنقاش الجاد أو الإصلاح الحقيقي، بل اعتبرها عروضاً مسرحية تتطلب الكثير من الأداء والتمثيل. ارفع صوتك عند مناقشة القضايا الثانوية، حتى تظهر بمظهر "الشجاع" المدافع عن مصالح الناس، لكن احرص دائماً على تجنب الملفات الحساسة أو القضايا الجوهرية التي قد تضعك في مواجهة أصحاب النفوذ. اجعل تصفيقك الحار لكل قرار يصدر من "القيادة" هو عنوان ولائك، بغض النظر عن أهمية القرار أو تأثيره الفعلي، حتى وإن كان القرار يدور حول أمور بسيطة مثل ترتيب طاولات الاجتماعات. وتذكر دائماً أن الصمت عن الفساد هو أعلى درجات "الوطنية" في هذا المسرح السياسي، وأن البراعة في التمثيل تغنيك عن المواجهة أو الإصلاح الحقيقي.
عندما تصل إلى المقعد النيابي، اجعل خطاباتك عروضاً مسرحية. ارفع صوتك في قضايا ثانوية كي تبدو "شجاعاً"، ولكن احذر أن تلمس الملفات الحقيقية. صفق بحرارة لكل قرار يصدر من "القيادة"، حتى لو كان القرار يتعلق بترتيب طاولات الاجتماعات. تذكر: الصمت عن الفساد هو أعلى درجات "الوطنية"!
خامساً: تعلم فن "اللف والدوران"
إذا سألك أحد عن فساد ظاهر، فاجعل إجابتك كالضباب. استخدم عبارات عامة مثل: "الملف قيد الدراسة" أو "هناك أبعاد لا يعلمها إلا الله"، وابتعد تماماً عن تقديم أي إجابة واضحة أو مباشرة. احترف إطلاق عبارات غامضة ومبهمة، كالأخطبوط الذي يطلق حبراً ليخفي نفسه، لتغطي الحقائق وتخفي التفاصيل الجوهرية عن الأنظار. فكلما ازدادت كلماتك غموضاً وتشابهاً، ابتعدت عن المواجهة الحقيقية ونجحت في الهروب من أي مساءلة مباشرة، لتبقى في دائرة الأمان بعيداً عن أي تبعات أو التزامات.
سادساً: احتفل بـ "إنجازاتك الوهمية"
في عالم السياسة الزائف، لا يُقاس النجاح بحجم الإنجاز الحقيقي، بل بمدى قدرتك على تحويل أبسط الأعمال إلى احتفالات صاخبة. عليك أن تعلن عن أي "مشروع خدمي" تقوم به، مهما كان صغيراً أو لا يكاد يُذكر، وكأنك أطلقت مشروعاً عملاقاً سيغيّر وجه الوطن. لا تتردد في افتتاح رصيف جديد أو حديقة صغيرة وسط ضجيج إعلامي يفوق حجم الإنجاز نفسه، وحرصك على التقاط الصور التذكارية مع "الجماهير" سيجعل تلك اللحظة حديث الساعة.
تذكر دائماً أن الصور التذكارية وتضخيم الإنجازات هما العملة الأكثر رواجاً في سوق التملق السياسي. فكلما زاد الضجيج حول إنجازك المتواضع، كلما ثبت حضورك في الأذهان وحققت لنفسك مكانة "النائب النشيط" ولو كان كل ذلك مجرد وهم وأضغاث أحلام.
أعلن عن "مشاريعك الخدمية" بضجة إعلامية تتناسب طردياً مع حجمها المتواضع.
الخاتمة:
النائب "الشعبي": نجم الفساد المتألق
هكذا، أيها السادة، يصبح النائب "الشعبي" نجماً في سماء الفساد. يطير من مقعد إلى مقعد، ومن منصب إلى منصب، الذي يجيد لعب أدوار البطولة في مسرح السياسة الزائفة. فهو لا يستقر في مكان واحد، بل ينتقل بخفة بين المقاعد والمناصب، باحثاً عن الفرص التي تنبعث منها رائحة المال والسلطة، تماماً كما تفعل الفراشة التي لا تحط إلا على الزهور الأكثر عطراً بالمال والسلطة. أما الشعب؟ فلينتظر دوره في الدورة القادمة، أو التي تليها، أو التي تليها... أو ربما في الحياة الأخرى!
فهو مجرد متفرج ينتظر وعوداً متكررة، مؤجلة من دورة انتخابية إلى أخرى، وربما بلا نهاية. تتكرر الوعود وتُؤجل الإنجازات، ويبقى المواطن دائماً في خانة الانتظار، يراقب عن بعد مسرحية لا تتغير فصولها، آملاً أن يحين دوره يوماً ما... وإن لم يحدث ذلك في هذه الحياة، فربما في حياة أخرى!
ملاحظة: أي تشابه بين هذا المقال والواقع هو محض مصادفة!

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

574 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع