
الباحثة أمل حمادي عبدالله الأحمدي
الحرارة التي تلتهم فصول العراق في محكمة الشمس الحارقة
لم يعد في قاموسنا متسعٌ للشكوى من حرارة الجو، فقد استوطن العراق عصرُ "السيادة الشمسية المطلقة". هنا غابت ذاكرة الفصول الأربعة تحت وطأة التطرف المناخي الذي التهم الربيع والخريف، ليتربع الصيف على عرش الفصول، محوِّلًا جغرافيا البلاد إلى "فرنٍ كوني" مُحكم الإغلاق، لا يكتفي باستنزاف الحيوية والقوى، بل يلتهم الأكسجين من الرئات، ليفرض علينا التعايش في قلب الجمر، وسجاناً يرفض إطلاق سراح الفصول، أو منح الأرض استراحة من لهيبها.
قديماً كانت كتب الجغرافيا تصف مناخنا بأنه "حار جاف صيفاً، دافئ ممطر شتاءً" لكن هذا التعريف بات جزءاً من أرشيف الذاكرة. اليوم نراقب بمرارة كيف تتآكل فصول السنة، فالربيع لم يعد سوى "نافذة زمنية" ضيقة ، تفتح لأيام معدودة قبل أن تغلقها العواصف الغبارية ودرجات الحرارة التي تجتاز الخمسين مئوية. أما الخريف، فقد وقع تحت الحصار، ليتحول إلى مجرد امتدادٍ للصيف، تظل فيه الشمس تفرض سطوتها حتى خواتيم تشرين .
لم يعد الأمر مجرد أرقام في نشرات الأنواء الجوية، بل هو استنزافٌ لروح المكان، فقد سلبنا الصيف ترفَ المشي تحت المطر، وحرمنا من ألفة النوافذ المفتوحة، ليحبسنا خلف جدران الخرسانة وضجيج المكيفات . نحن لا نواجه فصلاً عابراً، بل نواجه محوراً جغرافيا يعيد صياغة علاقتنا بالأرض، حيث تتحول الحقول إلى تشققات، والمدن إلى مراجل تغلي، والبشر إلى كائنات تبحث عن الظل كأنه وطن مؤقت .
في "محكمة الشمس".. من يدفع الثمن؟
وفي هذه المواجهة غير المتكافئة ، يقف ضحايا السجان الحراري في طوابير طويلة ليدفعوا الثمن باهظاً، فالفلاح العراقي يرى أرضه تتشقق كجلدٍ جف منه الدم بعد أن تبخرت مياهه تحت سوط الشمس، والعامل البسيط الذي يواجه جمرة القيظ بجسدٍ منهك، مجبراً على لقمة العيش تحت لهيب لا يرحم. ولا تتوقف القائمة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل كبار السن الذين باتت أجسادهم الواهنة عاجزة عن ملاحقة أنفاسها في قيظ الغرف المخنوقة، والأطفال الذين سُرقت منهم طفولة اللعب في الهواء الطلق ليُسجنوا خلف شاشات الأجهزة تحت ضجيج المكيفات. حتى الباعة المتجولون وعمال النظافة الذين غدوا "مقاتلين منسيين" في شوارع تغلي، وصولاً إلى التنوع البيولوجي الذي يحتضر، حيث تهاجر الطيور ولا تعود، وتجف الأهوار التي كانت يوماً رئة الأرض وملاذها، لتتحول الأحياء الشجرية العتيقة في مدننا إلى "أعجاز نخلٍ خاوية" جفت عروقها في ظل انقطاعٍ مستمر لشريان الحياة.
هل هي ضريبة التغير المناخي أم سوء التخطيط؟
لا يمكننا إلقاء اللوم على "غضب الطبيعة" لأن الحرارة في العراق ليست مجرد ظاهرة كونية، بل هي نتيجةُ تصحّرٍ فَرَضَه غيابُ التحصين البيئي، وغياب للحزام الأخضر، وانحسار للمساحات المائية، نحن نعيش في "جزيرة حرارية" كبرى، حيث الإسمنت يمتص اللهيب في النهار ليفجره حرارةً في الليل، ليقف العراق اليوم في الخطوط الأمامية لمواجهة الاحتباس الحراري العالمي، لكنه يواجه المعركة مجرداً من دروع الوقاية البيئية.
ليبقى السؤال المعلق وسط هذا اللهيب: هل ستعتاد أجيالنا القادمة على عامٍ بفصلٍ واحد، أم أننا سنظل نبكي على أطلال ربيعٍ ذاب في فرن الواقع؟
إن مواجهة هذا المصير القاتم تتطلب ما هو أبعد من الصمت، فانقاذ مناخنا واستعادة فصولنا المسروقة تقتضي أكثر من مجرد أمنياتٍ معلقة على غيماتٍ قد لا تأتي، فنحن بحاجة إلى ثورة خضراء حقيقية، وإدارة مائية حازمة، وتخطيط عمراني يحترم البيئة.التوقف عن حرق النفايات في المكبات المفتوحة، والتي تطلق سموماً كربونية تؤدي إلى تدهور جودة الهواء وتدمر الغلاف الجوي، واستبدالها بنظم تدوير حديثة تحول العبء البيئي إلى طاقة نظيفة، وهي الخطوة الأولى نحو ترميم الغلاف الجوي فوق سماء الرافدين واستعادة عافيته المفقودة. هذا الترميم لن يكتمل إلا بتحويل مدننا إلى واحات من المباني الخضراء التي تتغذى على الطاقة الشمسية، وتحصينها بأحزمة شجرية كثيفة تلتهم الانبعاثات. والأهم من ذلك نحن بحاجة إلى تفعيل أنظمة وقوانين بيئية صارمة، تبدأ من فرض الحصول على شهادة الأيزو البيئية (ISO 14001) كشرط أساسي لعمل المصانع والمعامل، وتشديد الرقابة على أدخنة المداخن وعوادم المولدات التي تملأ سماء المدن بالسموم، فضلاً عن دعم وتسهيل اقتناء السيارات الصديقة للبيئة. إذا لم نتحرك الآن لتشريع وتنفيذ هذه المعايير، فإن "محكمة الشمس" ستصدر حكمها النهائي بنفي الفصول الثلاثة الأخرى إلى الأبد، ليصبح العراق بلداً بفصل واحد، صيفًا طويلًا لا ينتهي .
وعلى الرغم من قسوة المشهد، إلا أن الأمل يلوح في الأفق مع كل شتلة نغرسها وكل فكرة خضراء نؤمن بها، فالعراق الذي الهم العالم بأصول الزراعة والكتابة قادر اليوم بسواعد أبنائه وعلم باحثيه على استثمار طاقة الشمس وتحويل لهيبها إلى طاقة تزهر بها المدن وتستعيد بها بلاد الرافدين نظارتها المعهودة. إن استعادة لقب "أم الربيعين" ليس مجرد حلم لمدينة واحدة، بل هو مشروع وطني لإعادة الربيع إلى كل شبر من أرض الرافدين. حين تتكاتف التكنولوجيا الحديثة مع وعينا الشعبي، سنشهد ولادة ذاك الربيع الذي طال انتظاره، ونعيد للأجيال القادمة سماءٍ صافية ونخيلاً لا ينحني، ليبقى العراق دائماً أرضاً للحياة المتجددة وجمالاً يزدهر بمرور الفصول .

1220 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع