الفضيلة لا تنجح هنا

د.سعد العبيدي

الفضيلة لا تنجح هنا

دخلت سهاد الكلية التي اقتصر الدخول اليها للبنات واثقةً من قدرتها على عبور السنوات واحدةً تلو الأخرى، كما تعبر امرأةٌ نهرًا تعرف ضفّتَه جيدًا. اجتازت سنتها الأولى بتفوّقٍ منحها طمأنينةً كاذبة، وبدأت الثانية بدافعيةٍ أعلى، وبفقرٍ أوضح، وبقناعةٍ راسخة بأنّ العلم وحده قادر على فتح الأبواب المغلقة.
هناك، اقتربت الدكتورة (د) من سهاد اقترابًا مموّهًا بابتسامةٍ مهنية وحديثٍ عابر عن "الحياة" خارج القاعات. راحت تدعوها إلى الانتماء لمجموعاتٍ من الشباب، قالت إنّ السياسة ترعاهم، وتفتح لهم طرقًا أكثر عملية ومتعة. اعتذرت بهدوء، محتجّةً بالتفرغ للدراسة، وضيق ذات اليد، وعدم الاقتناع بالطرق التي تسلكها السياسة.
اختفت الدكتورة أسابيع، ثم عادت بضغطٍ أنعم، ومن بعده أشد. وحين ظلّ الرفض قائمًا، وجدت سهاد اسمها في قائمة الراسبات بالمادة التي تُدرّسها (د). وبدلا من البكاء، شدّت موقفها على الرفض، وبدأت تراقب ما يجري في الممرات الخلفية، حيث تُعاد صياغة المصائر بعيدًا عن السبورة ودفاتر الامتحان.
ذات صباحٍ ماطر، كانت السماء تُفرغ ثقلها على باحة السكن الجامعي. رأت سهاد صديقتها القريبة أسماء تترجّل من سيارةٍ حديثة توقفت عند الناصية، ومنها شقّت الطريق بخطواتٍ مترددة، ومعطف جديد لا يقيها البلل.
التقتا عند المدخل. لم تتبادلا التحية؛ اكتفت سهاد بنظرةٍ طويلة قرأت فيها ما يكفي. أمسكت يدها اليمنى، كما تفعل الأخوات، واقتادتها بصمتٍ إلى غرفتها في آخر الممر. جلستا على حافة السرير، متجاورتين، قرب نافذةٍ ما زالت قطرات المطر تنزلق على زجاجها ببطء. ساد صمتٌ ثقيل... صمتُ ما قبل الاعتراف. لكن سهاد لم تنتظر، شدّت على يد أسماء قليلًا، وقالت بصوتٍ خافتٍ لا يحتمل المواربة: قولي لي الحقيقة… أنا أعرفك. هذا ليس غيابَ ليلةٍ عادية.
تجنّبت أسماء النظر إليها، وسحبت يدها ببطء، تمتمت بأنها لم تخطط لشيء، وأن الأمر بدأ بنصيحة من الدكتورة (د)، ثم توقفت.
عندها فقط انهار التماسك. انحنت قليلًا، وأسندت ظهرها إلى الجدار، وقالت وهي تحاول أن تبدو هادئة: كل شيء بدأ منها. صورت هذا الطريق أسهل، وأقصر، وأقل كلفة من الانتظار. ثم أضافت، بعد صمتٍ قصير: اعتدت حضور ما سمّته "حفلات تأهيل الشباب" اقتادتني من إحداها إلى قصرٍ فخم. سلّمتني الى طاقم نساء أعددنني وأنا مذهولة، كما تُعدّ العرائس قبل العبور. تُركتُ بعدها في غرفةٍ مغلقة أنتظر حتى دخل رجل أعرفه من شاشات التلفاز ومنصّات السياسة، أُغلقت الأبواب خلفه، وتغيّر الهواء. عندها صارت التفاصيل أثقل من أن تُروى.
توقفت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أخفض: قاومت في البداية. قلت لنفسي إن الأمر لن يتجاوز الحديث. لكن الكلمات انزلقت إلى وعود، والوعود إلى إغراءات تُقال بلهجةٍ لا تعرف الرفض.
على فراش الليل لم يبدأ شيء دفعةً واحدة؛ تكاثرت العروض أولًا، وارتفع سقف الهدايا، قطعةً بعد أخرى، حتى انتهى المشوار بمفاتيح سيارة، علامةَ صمتٍ نهائي.
سألت سهاد، بعد تردّد: من هو؟
هزّت رأسها، وبصوتٍ مرتجف قالت إن الصمت كان الشرط الوحيد، مقرونًا بتحذيرٍ لا يحتمل التأويل: البوح يعني الموت.
وحين ألحّت عليها، اكتفت بجملةٍ واحدة: هو أحد الذين يتحكمون في البلاد في زمنها الحديث… ومن دعاة الإيمان.
نهضت أسماء، وضعت مفاتيح سيارتها في حقيبتها كمن يُغلق بابًا لا ينوي العودة إليه. وقبل أن تغادر، قالت بنبرةٍ خالية من الدهشة، كأنها تُسلّم بحقيقةٍ أقدم منها: لستُ الأولى، ولن أكون الأخيرة. والدكتورة ليست وحدها… كثيرات يعرفن الطريق الذي يبدأ من قاعة المحاضرات، وينتهي حيث تُغلق الأسئلة أفواهها.
أغلقت سهاد باب غرفتها من الداخل وقد انكشفت لها الخدعة كاملة؛ لاح لها المستقبل فخًّا، والألم نظامًا، وبدت البلاد التي تُجيد تأدية الطقوس عاجزةً عن الحماية، تاركةً فتياتها يعبرن الأنهار عارياتٍ من العدالة، بلا ضفاف، وبلا سند، ولا شهود.
***

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع