يا للهضيمة.. هل ما زلت عظيماً، أيها العراق؟

د.خضير المرشدي

يا للهضيمة.. هل ما زلت عظيماً، أيها العراق؟

أشد أنواع القهر، ليس الذي يأتي من عدوٍ واضح، انما من "الهضيمة" التي يشعر بها شخص يتعرض لغدر أو خذلان، أو وطن يتعرّض لاهانة المعنى وفقدان الدور وتهديد الوجود.. الهضيمة مفردة عراقية، تختزل شعور العملاق شخصاً أو وطناً حين يُكبّل بخيوط الأقزام والتافهين..!!
ما يحدث في العراق اليوم ليس مجرد "أزمة سياسية" أو "فشل إداري"، انما هي عملية "تجريف أنطولوجي" لهوية وطن كان، لآلاف السنين، هو المصدر والمبتدأ .. إلى أن جاء لقطاء العصر ..

في الفلسفة، ان الدولة هي "روح الشعب" وقد تجسدت في مؤسسات..
لكن ما جرى في العراق بعد عام 2003 هو استنبات كائن سياسي "لقيط".. لاينتمي لتربة الأرض ولا لذاكرة النهرين، نظام جاء في حقائب المحتلين والغرباء، فظلّ شاذاً وغريباً ..
وهنا تكمن الهضيمة .. أن يُدار العراق بعقلية "الوكلاء الذي يرقبون إيماءات الخارج وأوامره، لا بعقلية "الأصلاء" الذين يستمدون شرعيتهم من صرخة الفقير في البصرة والناصرية أو عوز الفلاح واليتيم في بابل ونينوى..!!
فعندما يغيب "الأصل"، يصبح الانسان رقم بلا هوية، ويتحوّل الوطن إلى "جغرافيا مستباحة" بدلاً من كيان له سيادة وقيم ودور ومؤسسات.

في التفكير النقدي، نجد ظاهرة حكم "الرذلاء".. اختيار الأسوأ لإدارة الأثمن .. مفارقة صارخة تدمي القلب.. في بلد كان (عظيماً) ..!!
•البلاد التي كتبت "الحرف الاول في تاريخ البشرية" يُنصّب عليها من لا يحسن صياغة جملة وطنية واحدة؟
•وهي من وضعت أول تشريع يدير احدى مؤسساته من يختزل الدولة في "وليمة ثريد"!!
•مهد (الحضارة) يُعيّن لادارته "مهوال" يبيع الأوهام والكلمات، وسمسار صفقات لتهريب العملة ليسرق لقمة اليتيم، وليرصّع بها تيجان الفساد!!
هذه ليست عناوين مجردة، انها "رموز الانحطاط" التي وُضعت عمداً لكسر كبرياء الإنسان وكرامة الوطن، وإيهامه بأن هذا هو سقف الممكن..!!
الهضيمة الكبرى هي في فقدان الوعي الذي فُرض قسراً على عقل العراقي..
لنجد انفسنا أمام جسد حضاري عملاق، برأسٍ "مشوّه" لا يشبه الجسد..
العراق الذي صدّر العقول والعلماء والمبدعين لكل أصقاع الأرض لتسهم في بناء حضارة الآخرين، يجد نفسه محكوماً بعقلية "الخمارة" والنزوات العابرة والصفقات المشبوهة..

يشيخ البشر، ويصدأ الحديد، ويتفتت الحجر.. لكن "المعنى" لا يموت..
الوجع الذي نشعر به اليوم، انه دليل العافية حتماً، من لا يتألم لا يعرف معنى المرض..
وان الهضيمة لا يشعر بها إلا مَن يدرك قيمة نفسه ومكانتها ..
اننا نعيش لحظة تاريخية فارقة ليست في العراق فقط بل في دول عربية عديدة..
لحظة إنكشاف كامل لزيف "سقط المتاع"..
الشعب الحر لا يُهزم بالجيوش، لكنه (يهُزِم) بالاهانة حين يتسلّم زمامه من لا يستحق مسح الغبار عن أقدام تاريخه المجيد..
وهضيمة العراق هي صرخة "المعنى" ضد "العبث"، وصرخة "الحضارة" ضد "الهمجية"والانحطاط.

لا أحب الشعارات وأكره البيانات وأمقت الخطابات التي شلّت تفكيرنا ودمرّت ادراكنا لعقود، ولكني لا بد من أن أعبّر عن إيماني المطلق بأن دجلة والفرات سيبقيان شاهدين على أن "الرعاع والصبيان واللقطاء" ليس لهم طول بقاء في العراق .. وان أمة العرب ستنفض غبار الذل وترفض الاهانة والتراجع، مهما طال الزمن .. وأن العراق لا بد وان يعود لدوره المحوري في امره .. حين يقرر أبناؤه - أن لا يليق به أن يحني ظهره ليدخل من باب الأقزام- والى ان تحين الساعة، وهي اتية لامحالة..لا بد من عمل وطني قاسٍ .. لايعفي أحداً من المساهمة والتضحية..

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

591 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع