
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
28 / 4 / 2026
مضيق هرمز بين السيادة وحرية الملاحة القانون الدولي في مواجهة تسليح الجغرافيا

مضيق هرمز والسابلة البحرية
ملخص (Executive Summary):
يتناول هذا البحث الأبعاد القانونية والاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، حيث يتجاوز دوره مجرد كونه معبراً جغرافياً ليشكّل محوراً أساسياً في توازنات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. وينطلق التحليل من تحديد الموقع الجغرافي والخصائص الطبيعية للمضيق، مروراً بأهميته الاقتصادية الحيوية لدول الخليج العربية والعراق، وانعكاساته المباشرة على الاقتصادات العالمية الكبرى.
كما يستعرض البحث الإطار القانوني الحاكم للمضيق في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مع التركيز على مفهوم “المرور العابر” وما يطرحه من إشكاليات تتعلق بالتوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، يتم تحليل الموقف الإيراني من جهة، ومواقف دول الخليج العربية والقوى الدولية من جهة أخرى، بما يعكس طبيعة الجدل القائم بين التفسير القانوني والاعتبارات السياسية.
ويعزز البحث تحليله من خلال استحضار سوابق تاريخية بارزة، مثل مضيق تيران وأزمة السويس والمضايق التركية، لإبراز كيف يمكن للممرات البحرية أن تتحول إلى بؤر صراع دولي. كما يناقش مفهوم “تسليح الجغرافيا” ودور المضايق كأدوات ضغط في الصراعات الحديثة، في ظل تطور الوسائل العسكرية والتكنولوجية.
وفي ضوء ذلك، يقدم البحث تحليلاً استراتيجياً للأزمة الحالية، يخلص إلى أن ما يجري في مضيق هرمز يندرج ضمن سيناريو “التعطيل المحدود”، مع استعراض كلفة الإغلاق والسيناريوهات المحتملة. ويختتم البحث باستشراف مستقبل المضيق في ظل تزايد احتمالات تدويل الأزمة، وما قد يترتب على ذلك من تدخلات قانونية ومؤسسية لضمان حرية الملاحة.
ويخلص البحث إلى أن مضيق هرمز يمثل نموذجاً مركباً تتقاطع فيه الجغرافيا مع القانون والسياسة، وأن استقراره لا يمكن تحقيقه إلا من خلال توازن دقيق بين قواعد القانون الدولي واعتبارات القوة، في إطار يراعي المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.
الاطار الجغرافي والاقتصادي
الموقع الجغرافي والخصائص العامة
يقع مضيق هرمز في موقع جغرافي فريد يربط بين الخليج العربي وبحر عُمان، ويشكّل في الواقع البوابة البحرية الأساسية، شبه الوحيدة، لدول الخليج العربية نحو البحار المفتوحة والمحيطات العالمية. ويحدّه من الشمال إيران، ومن الجنوب سلطنة عمان، وتحديداً عبر شبه جزيرة مسندم التي تمنح هذا الممر طبيعته الجغرافية الضيقة والمتحكمة في حركة العبور (U.S. Energy Information Administration, 2023; World Bank, 2022). ويتميّز المضيق بضيقه النسبي، إذ يتراوح عرضه في بعض مناطقه بين نحو 30 إلى 40 كيلومتراً، وهو ما يجعله من أبرز ما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ“نقاط الاختناق” البحرية (Chokepoints)، أي الممرات التي يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى تأثيرات واسعة تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة (Kaplan, 2012). وعلى الرغم من هذا الضيق، تمر عبره يومياً أعداد كبيرة من ناقلات النفط والسفن التجارية، الأمر الذي يمنحه أهمية استثنائية لا ترتبط بحجمه الجغرافي بقدر ما ترتبط بوظيفته الحيوية في حركة التجارة والطاقة على المستوى العالمي (International Energy Agency, 2023).
الأهمية الاقتصادية
لا تنبع أهمية مضيق هرمز من موقعه الجغرافي فحسب، بل من وظيفته الحيوية في حركة الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والغاز المتجهة من دول الخليج إلى الأسواق الدولية، وهو ما يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في العالم (U.S. Energy Information Administration, 2023; International Energy Agency, 2023). وبالنسبة لدول الخليج العربية، يشكّل هذا المضيق المنفذ البحري شبه الوحيد لتصدير مواردها الأساسية، الأمر الذي يجعله عنصراً حاسماً في استقرار اقتصاداتها واستمرار تدفق إيراداتها. وينطبق الأمر ذاته على العراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير نفطه عبر موانئه الجنوبية، بحيث يصبح أي اضطراب في حركة الملاحة داخل هذا الممر عاملاً مباشراً ينعكس على قدرته التصديرية وعلى موارده المالية (World Bank, 2022; International Monetary Fund, 2023).
ومن هنا تتجاوز أهمية المضيق الإطار الإقليمي لتأخذ بعداً دولياً أوسع، حيث تعتمد عليه الاقتصادات الصناعية الكبرى بشكل مباشر أو غير مباشر. فالدول الأوروبية، وكذلك الصين والولايات المتحدة، ترتبط بدرجات متفاوتة باستقرار تدفق الطاقة عبر هذا الممر، سواء من خلال الاعتماد المباشر على الواردات، أو من خلال تأثيره في توازن الأسواق العالمية وأسعار الطاقة (BP, 2023; International Energy Agency, 2023). ولهذا، فإن أي خلل في هذا الشريان لا يُترجم فقط إلى أزمة إقليمية، بل يتحول بسرعة إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، نظراً لارتباطه بسلاسل الإمداد الدولية واستقرار الأسواق المالية (World Bank, 2022; International Energy Agency, 2023). وفي هذا السياق، يكتسب المضيق بعداً استراتيجياً مزدوجاً؛ فهو من جهة يمثل “عنق زجاجة” اقتصادياً يمكن أن يؤدي تعطيله إلى اضطراب واسع في الأسواق الدولية، ومن جهة أخرى يشكّل أداة ضغط سياسية يمكن توظيفها في لحظات التوتر، الأمر الذي يجعله في صلب التفاعلات بين القوى الإقليمية والدولية، ويمنحه وزناً يتجاوز بكثير حدوده الجغرافية الضيقة (Kaplan, 2012; Gray, 2006).

مضيق هرمز والدول التي تطل عليه
الاطار القانوني
النظام القانوني للمضايق
يُعد مضيق هرمز مثالاً واضحاً لما يُعرف في القانون الدولي بـ“المضيق الدولي”، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، بل بسبب وظيفته الحيوية في الربط بين الخليج العربي وبحر عُمان، ومنه إلى المحيطات المفتوحة. وهذا الربط لا يقتصر على كونه اتصالاً مائياً بين مسطحين، بل يمثل شرياناً يومياً تعبره حركة كثيفة ومنتظمة من السفن التجارية وناقلات الطاقة التي تعتمد عليها اقتصادات دول الخليج العربية بشكل أساسي (United Nations, 1982; Churchill & Lowe, 1999).
تطبيقه على مضيق هرمز
ومن هذا المنطلق، يرى غالبية فقهاء القانون الدولي أن المضيق يخضع لنظام “المرور العابر” (Transit Passage) كما نصّت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 (United Nations, 1982)، وهو نظام قانوني وُضع تحديداً للتعامل مع مثل هذه الممرات ذات الأهمية العالمية. ويقوم هذا النظام على فكرة جوهرية مفادها أن المضايق التي تخدم الملاحة الدولية لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق السيادة التقليدية، بل يجب أن تبقى مفتوحة أمام حركة السفن دون تعطيل (United Nations, 1982; Rothwell & Stephens, 2016). وتزداد أهمية هذا التوصيف عند النظر إلى مصالح دول الخليج العربية، التي تعتمد بصورة شبه كاملة على هذا المضيق لتصدير مواردها من النفط والغاز إلى العالم، إذ لا تملك هذه الدول في معظمها بدائل بحرية حقيقية ذات كفاءة مماثلة. ويبرز في هذا السياق دور سلطنة عمان، التي تطل على الجزء الجنوبي من المضيق من خلال شبه جزيرة مسندم، حيث تمثل موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها شريكاً أساسياً في الإشراف على هذا الممر الحيوي، وفي الوقت ذاته طرفاً معنياً بالحفاظ على انسيابية الملاحة فيه، نظراً لما يرتبط به من استقرار إقليمي ودولي (Churchill & Lowe, 1999).
وبناءً على هذا الإطار القانوني، فإن السفن—بما فيها السفن العسكرية—تتمتع بحق المرور المستمر والسريع عبر المضيق، دون أن يكون للدول المشاطئة الحق في تعطيل هذا المرور أو إيقافه بشكل تعسفي. وهنا تتضح الطبيعة الخاصة لهذا النوع من الممرات، حيث تتقاطع السيادة مع الالتزامات الدولية، ويصبح الحفاظ على حرية الملاحة ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة يفرضها القانون الدولي وتفرضها أيضاً طبيعة المصالح المتشابكة في هذا الجزء الحساس من العالم (Rothwell & Stephens, 2016; United Nations, 1982).
مواقف الأطراف
الموقف الإيراني
رغم وضوح الإطار القانوني الذي يحكم المضايق الدولية، فإن إيران تطرح مقاربة مختلفة تنطلق من تأكيدها على سيادتها على مياهها الإقليمية، وترى أن هذه السيادة تمنحها حق تنظيم حركة الملاحة، بل وتقييدها في حالات معينة، خاصة عندما يتعلق الأمر باعتبارات الأمن القومي أو التهديدات المحتملة في بيئتها الاستراتيجية المباشرة (United Nations, 1982). وتستند هذه الرؤية إلى تفسير يمنح الأولوية لاعتبارات الدولة الساحلية، في مقابل القراءة الدولية التي تميل إلى تغليب مبدأ حرية الملاحة في المضايق ذات الاستخدام العالمي (Churchill & Lowe, 1999).
ومن هنا يتبلور جوهر الجدل القانوني والاستراتيجي حول مضيق هرمز، إذ لا يدور الخلاف حول النصوص بقدر ما يدور حول تفسيرها وتطبيقها في الواقع. فهل يُنظر إلى المضيق بوصفه ممرّاً دولياً مفتوحاً لا يجوز تعطيله أو تقييده إلا في أضيق الحدود، أم يُعامل باعتباره جزءاً من المجال السيادي للدولة التي تطل عليه، بما يتيح لها فرض قيود أو إجراءات تراها ضرورية؟ هذا السؤال لا يحمل بعداً قانونياً مجرداً، بل يعكس تداخلاً عميقاً بين القانون والسياسة.
إن هذا التباين في التفسير يكشف عن حقيقة أوسع، مفادها أن المضايق البحرية، وخاصة تلك ذات الأهمية الحيوية، تقع دائماً في منطقة رمادية بين النص القانوني والتقدير السياسي. فبينما يؤكد القانون الدولي—وخاصة في إطار نظام المرور العابر—على عدم جواز تعطيل الملاحة في هذه الممرات (United Nations, 1982; Rothwell & Stephens, 2016)، تظل الدول، في لحظات التوتر، تميل إلى قراءة هذه القواعد من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية. ومن هنا ينشأ ذلك التوتر الدائم بين منطق القانون الذي يسعى إلى التنظيم والاستقرار، ومنطق القوة الذي يسعى إلى التأثير والردع، وهو توتر يتجسد بوضوح في حالة مضيق هرمز.
دول الخليج
في مقابل الطرح الإيراني، تتبنى دول الخليج العربية موقفاً واضحاً يقوم على التأكيد بأن مضيق هرمز يُعد ممرّاً دولياً لا يجوز إخضاعه لإرادة دولة واحدة، لما يمثله من شريان حيوي لاقتصاداتها واستقرارها الداخلي. فهذه الدول، التي تعتمد بصورة شبه كاملة على حرية الملاحة في هذا المضيق لتصدير مواردها من النفط والغاز، تنطلق في موقفها من مبدأ قانوني راسخ مفاده أن المضايق التي تُستخدم في الملاحة الدولية لا يمكن تعطيلها أو تقييدها بشكل تعسفي، بل يجب أن تبقى مفتوحة وفقاً لنظام “المرور العابر” كما أقرّته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 (United Nations, 1982).
ولا يستند هذا الموقف إلى اعتبارات اقتصادية فحسب، بل يجد سنده أيضاً في التطبيق العملي والتاريخي لقواعد القانون الدولي، حيث استقرّ العرف الدولي على ضمان حرية المرور في المضايق الحيوية، واعتبار أي محاولة لإغلاقها أو عرقلة الملاحة فيها إخلالاً بقواعد الاستقرار الدولي. وقد عزّزت التجارب التاريخية—سواء في منطقة الخليج خلال ما عُرف بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، أو في أزمات ممرات بحرية أخرى—هذا الفهم، إذ أثبتت أن تعطيل الملاحة في مثل هذه النقاط لا يبقى مسألة إقليمية، بل يتحول سريعاً إلى قضية ذات أبعاد دولية (Cordesman, 2007; Churchill & Lowe, 1999). ومن هذا المنطلق، تؤكد دول الخليج العربية أن احترام قواعد القانون الدولي في هذا المضيق ليس خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل ضرورة تفرضها طبيعة المصالح المتشابكة في المنطقة، كما تفرضها التزامات الدول تجاه المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، ينسجم موقفها مع الاتجاه العام في الفقه القانوني الدولي، الذي يرى أن ضمان انسيابية الملاحة في المضايق الاستراتيجية يمثل ركناً أساسياً في الحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي العالمي (Rothwell & Stephens, 2016). ومن هنا، فإن أي تفسير يذهب إلى منح الدولة الساحلية حق تعطيل هذا المرور يتعارض، في نظر هذه الدول، مع روح القانون الدولي ومقاصده، ومع الممارسة الدولية المستقرة التي كرّست مبدأ حرية الملاحة في مثل هذه الممرات الحيوية.
الموقف الدولي
في المقابل، تتبنى القوى الكبرى—وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول الصناعية في أوروبا، إلى جانب الصين وغيرها من الاقتصادات الكبرى—موقفاً واضحاً يقوم على رفض أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، باعتبار ذلك تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي العالمي، نظراً لاعتماد أسواق الطاقة والتجارة الدولية على استمرارية تدفق الموارد عبر هذا الممر الحيوي (United Nations, 1982; Cordesman, 2007). ولا يقتصر هذا الموقف على التصريحات السياسية، بل يجد ترجمته العملية في سياسات وإجراءات ميدانية تهدف إلى ضمان بقاء المضيق مفتوحاً، حيث تحرص هذه الدول على تعزيز حضورها البحري في المنطقة، وتأكيد التزامها بمبدأ حرية الملاحة، والاستعداد للتدخل عند الضرورة لحماية حركة السفن وضمان عدم تعرّضها لأي تهديد (Rothwell & Stephens, 2016).، وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى المضيق بوصفه مسألة قانونية بحتة يمكن حسمها ضمن نطاق التفسيرات الفقهية، بل باعتباره قضية أمن دولي تمس توازن النظام الاقتصادي العالمي واستقراره، الأمر الذي يفسر حساسية المواقف الدولية تجاه أي تصعيد محتمل فيه. فالدفاع عن حرية الملاحة في مثل هذه الممرات لم يعد مجرد التزام قانوني، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار الأسواق، والحفاظ على انسيابية النظام التجاري العالمي (Churchill & Lowe, 1999).
البعد التاريخي والسياسي للنزاع
الخلفية التاريخية والسياسية
ولا ينفصل الجدل القانوني القائم حول مضيق هرمز عن سياق تاريخي وسياسي أوسع، يضيف إلى المسألة أبعاداً تتجاوز النصوص القانونية الجامدة. فإذا ما عدنا إلى التاريخ، نجد أن الضفة الجنوبية للخليج العربي لم تكن بمعزل عن امتداداتها البشرية والثقافية عبر الضفة المقابلة، حيث شهدت مناطق من الساحل المقابل وجوداً عربياً ممتداً عبر قرون، تمثل في استقرار قبائل عربية وقيام كيانات محلية ذات طابع عربي، ارتبطت في تفاعلاتها الاقتصادية والاجتماعية بالساحل العربي القريب أكثر من ارتباطها بالعمق الجغرافي للدولة الفارسية آنذاك.
ورغم أن هذه الحقائق التاريخية لا تشكل، من الناحية القانونية المعاصرة، أساساً مباشراً لتحديد السيادة أو إعادة رسم الحدود، إلا أنها تظل عنصراً مهماً في فهم طبيعة التداخل الجغرافي والبشري في هذه المنطقة، وتفسر جانباً من الحساسية التي تحيط بأي محاولة لفرض واقع أحادي على ممر مائي لطالما كان فضاءً للتواصل والتفاعل بين ضفتيه.
ويزداد هذا البعد تعقيداً عند النظر إلى قضايا أخرى ما زالت قائمة في الذاكرة السياسية لدول الخليج العربية، مثل مسألة الجزر الثلاث—طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى—التي تؤكد الإمارات العربية المتحدة تبعيتها لها، في حين تسيطر عليها إيران منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي. وقد أسهمت هذه القضية في تكريس حالة من عدم الثقة، وأضفت بعداً إضافياً على قراءة المواقف الإيرانية في المنطقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالممرات البحرية الحيوية.
ومن هنا، فإن فهم المواقف الحالية لا يكتمل دون الإحاطة بهذه الخلفية التاريخية والسياسية، التي لا تغيّر من القواعد القانونية الحاكمة، لكنها تفسّر كيفية تفسيرها وتطبيقها في الواقع. فالمضايق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ليست فقط موضوعاً قانونياً، بل هي أيضاً نتاج تراكمات تاريخية وتفاعلات سياسية، تتداخل فيها الجغرافيا مع الهوية، والقانون مع ميزان القوة.
السوابق التاريخية ودلالاتها
لفهم خطورة الوضع الحالي، من المفيد العودة إلى بعض السوابق التاريخية التي شهدت استخدام الممرات البحرية كأداة ضغط أو صراع، إذ تُظهر هذه الحالات كيف يمكن لقرار يتعلق بممر مائي محدود المساحة أن يُحدث تأثيراً يتجاوز حدوده الجغرافية ليصل إلى مستوى الصراع الدولي.
- أزمة السويس (1959)
رغم أن الحدث يرتبط بـ قناة السويس، وهي ممر مائي صناعي، إلا أنه يعكس الفكرة ذاتها التي تحكم المضايق الطبيعية من حيث الأهمية الاستراتيجية وتأثيرها المباشر في التوازنات الدولية. فقد أدى قرار تأميم القناة في تموز/يوليو 1956 إلى تصاعد التوتر مع القوى الغربية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تنظران إلى القناة بوصفها شرياناً حيوياً للتجارة الدولية ولحركة الطاقة نحو أوروبا، الأمر الذي سرعان ما تطوّر إلى تدخل عسكري مباشر بمشاركة إسرائيل، في محاولة لإعادة السيطرة على هذا الممر الحيوي أو ضمان استمرار استخدامه وفق المصالح القائمة آنذاك (Kyle, 2011; Shlaim, 2000). وتبرز دلالة هذه الأزمة في أنها تُظهر بوضوح أن السيطرة على ممر مائي، سواء كان طبيعياً أو صناعياً، لا تبقى مسألة سيادية داخلية، بل تتحول إلى قضية دولية عندما تتعلق بمصالح حيوية لدول أخرى. فالقناة، رغم وقوعها ضمن السيادة المصرية، كانت تمثل في نظر القوى الكبرى مرفقاً دولياً لا يمكن إخضاعه لإرادة منفردة، وهو ما يفسر سرعة الانتقال من الخلاف السياسي إلى الصراع العسكري (Ovendale, 1996).
ومن هنا، تقدم أزمة السويس مثالاً واضحاً على أن الممرات المائية الحيوية، بحكم وظيفتها لا بحكم طبيعتها، تكتسب طابعاً دولياً يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو تغيير قواعد استخدامها خطوة ذات تبعات تتجاوز الإطار المحلي، وقد تؤدي إلى تدخلات خارجية مباشرة، وهو ما يجعلها دائماً في صلب التفاعلات بين القانون الدولي وميزان القوة في العلاقات الدولية (Churchill & Lowe, 1999)..
- إغلاق مضيق تيران عام (1979)
كان قرار إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية في أيار/مايو 1967 أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تصاعد التوترات الإقليمية وصولاً إلى اندلاع حرب حزيران من العام نفسه، حيث اعتُبر هذا الإجراء مساساً مباشراً بحرية الملاحة وتهديداً لمصالح استراتيجية حيوية، الأمر الذي دفع إلى ردود فعل عسكرية سريعة وحاسمة. ويُعد هذا المثال من أبرز النماذج التي توضح كيف يمكن لممر بحري ضيق، لا يتجاوز في أبعاده الجغرافية حدوداً محدودة، أن يتحول إلى عنصر مفجّر لنزاع واسع، عندما تتقاطع فيه اعتبارات السيادة مع ضرورات الملاحة الدولية (Oren, 2002; Quigley, 2013).
ولا تقتصر دلالة هذه الحادثة على بعدها التاريخي، بل تمتد لتؤكد قاعدة أوسع في العلاقات الدولية، مفادها أن الممرات البحرية الحيوية، مهما كانت محدودة من حيث المساحة، تكتسب وزناً استراتيجياً كبيراً إذا ما ارتبطت بحركة التجارة أو الأمن القومي للدول، وأن أي محاولة لتعطيلها أو التحكم بها بشكل أحادي قد تُفسَّر على أنها عمل تصعيدي يبرر اللجوء إلى القوة. ومن هنا، يُستدل بهذه الواقعة في كثير من الأدبيات القانونية والاستراتيجية على أن حرية الملاحة في المضايق ليست مجرد مبدأ نظري، بل عنصر أساسي في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي (Churchill & Lowe, 199
- مضيقا مضيق الدردنيل ومضيق البوسفور (الحرب العالمية الأولى)
تُعد تجربة المضايق التركية خلال الحرب العالمية الأولى من أوضح النماذج التاريخية التي تُبرز كيف يمكن لإغلاق ممر بحري استراتيجي أن يتحول إلى عامل حاسم في مسار العمليات العسكرية. فقد أدى إغلاق الدولة العثمانية لمضيقي الدردنيل والبوسفور أمام الملاحة التابعة للحلفاء إلى قطع أحد أهم خطوط الإمداد البحرية إلى روسيا القيصرية، الأمر الذي خلق ضغطاً استراتيجياً كبيراً على هذا الطرف، ودفع القوى الحليفة إلى محاولة كسر هذا الإغلاق بالقوة من خلال حملة عسكرية واسعة عُرفت بحملة غاليبولي عام 1915 (Strachan, 2001; Keegan, 1998).
وتُظهر هذه الواقعة بوضوح أن السيطرة على المضايق لا تقتصر آثارها على الجانب الاقتصادي أو الملاحي، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر في موازين القوى العسكرية، حيث يمكن لمضيق ضيق نسبياً أن يتحول إلى نقطة اختناق تتحكم في تدفق الإمدادات، وبالتالي في قدرة الدول على الاستمرار في الحرب. كما تعكس هذه الحالة حقيقة أن إغلاق المضايق في زمن النزاعات يُنظر إليه بوصفه عملًا ذا طابع حربي مباشر، قد يستدعي ردوداً عسكرية واسعة النطاق، وهو ما ينسجم مع الفهم التاريخي للمضايق باعتبارها مفاتيح استراتيجية تتجاوز أهميتها حدودها الجغرافية الضيقة (Gray, 2006).
- أزمة المضايق التركية 1946
تُعد أزمة المضايق التركية في عام 1946 مثالاً بارزاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها مسألة السيطرة على ممرات بحرية إلى قضية دولية كبرى، حتى في غياب نزاع مسلح مباشر. فقد سعى الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة إلى إعادة النظر في النظام القانوني الذي يحكم مضيقي الدردنيل والبوسفور، مطالباً بدور أكبر في الإشراف عليهما، وهو ما فُسّر من قبل تركيا والدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على أنه محاولة لفرض نفوذ استراتيجي على واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط (Gaddis, 2005; McCauley, 1997).
وقد أدى هذا التوتر إلى تصعيد سياسي حاد، حيث تحولت القضية إلى اختبار مبكر لتوازن القوى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأسهمت بشكل واضح في بلورة ملامح الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، مما جعل المضايق في قلب التفاعلات الجيوسياسية التي مهّدت لاندلاع الحرب الباردة (Gaddis, 2005). وتكشف هذه الأزمة أن أهمية المضايق لا تقتصر على زمن الحرب، بل تمتد إلى أوقات السلم، حيث يمكن أن تصبح محوراً للصراع السياسي والتنافس الدولي، حتى دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. ومن هنا، يتضح أن مجرد السعي للسيطرة على ممر بحري استراتيجي، أو إعادة تفسير النظام القانوني الذي يحكمه، قد يكون كافياً لإثارة أزمة دولية واسعة، وهو ما يعزز الفكرة القائلة بأن المضايق البحرية ليست مجرد ممرات جغرافية، بل عناصر حيوية في معادلة القوة، تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية (McCauley, 1997)..
الاستنتاجات العامة
الدلالات المشتركة
تُظهر هذه الحالات، على اختلاف سياقاتها التاريخية والجغرافية، أن المضايق والممرات البحرية لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد مسارات محايدة لحركة الملاحة، بل هي في جوهرها أدوات ذات قيمة استراتيجية عالية يمكن توظيفها في سياق الصراع بين الدول. فهذه الممرات، بحكم موقعها ووظيفتها، تتحول في لحظات التوتر من فضاء للتواصل والتبادل إلى نقاط حساسة قابلة للاستخدام كوسيلة ضغط أو ردع، بل وقد تصبح خلال فترة قصيرة بؤراً للتصعيد العسكري إذا ما تقاطعت عندها المصالح الحيوية للدول مع اعتبارات السيادة والأمن. ومن هنا، فإن فهم طبيعة هذه الممرات لا يكتمل دون إدراك أنها تمثل في الوقت ذاته شرايين للحياة الاقتصادية ومفاتيح محتملة للصراع في النظام الدولي.
المضايق في الصراع الحديث
تسليح الجغرافيا
في ضوء ما سبق، يمكن فهم المضايق البحرية ضمن إطار أوسع يُعرف بما يمكن تسميته “تسليح الجغرافيا” (Weaponization of Geography)، وهو تعبير يُستخدم في الأدبيات الجيوسياسية الحديثة للدلالة على توظيف الموقع الجغرافي ذاته كأداة تأثير في ميزان القوة بين الدول، حيث تتحول المواقع الحيوية من مجرد عناصر طبيعية على الخريطة إلى أدوات ضغط استراتيجية تُستخدم في إدارة الصراع بين الدول (Kaplan, 2012; Gray, 2006). فالمضيق، بحكم موقعه ووظيفته، يمنح الدولة المطلة عليه قدرة كامنة على التأثير تتجاوز حدودها المباشرة، إذ يمكن أن يتحول إلى وسيلة للتهديد بتعطيل حركة التجارة، أو أداة للتأثير في توازنات الاقتصاد العالمي، أو حتى عنصر ردع—أي وسيلة للضغط على الخصم ومنعه من اتخاذ خطوات معينة دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة—يُستخدم في مواجهة الخصوم دون اللجوء إلى صدام مباشر (Mahan, 1890; Till, 2009).
أدوات السيطرة الحديثة
ومع تطور التكنولوجيا العسكرية، لم تعد هذه القدرة مقتصرة على الموقع الجغرافي وحده، بل تعزّزت بوسائل حديثة زادت من فعالية السيطرة والتأثير، بدءاً من الصواريخ الساحلية التي تمكّن من استهداف السفن على مسافات بعيدة، مروراً بالزوارق السريعة القادرة على المناورة في المساحات الضيقة، وصولاً إلى الطائرات المسيّرة التي توفر مراقبة مستمرة وقدرات هجومية دقيقة، بل وحتى الوسائل السيبرانية—أي الأدوات الرقمية التي تستهدف أنظمة الملاحة والاتصالات البحرية—والتي يمكن من خلالها التأثير في أنظمة الملاحة وإدارة الحركة البحرية (Cordesman, 2007; Singer & Friedman, 2014). وبهذا، لم يعد المضيق مجرد ممر مائي، بل أصبح فضاءً تتقاطع فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا في صياغة معادلات القوة في الصراع الحديث.
التحليل الاستراتيجي للأزمة الحالية
تمهيد تحليلي
بعد استعراض الإطار القانوني والوقائع التاريخية والمواقف الإقليمية والدولية، يصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى آخر من الفهم، لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تحليلها في ضوء معادلات القوة والواقع العملي. فالتحليل الاستراتيجي لا ينطلق من النصوص وحدها، بل من القدرة على الربط بين الإمكانات والقيود، وبين النوايا والنتائج المحتملة، وهو ما يقتضي طرح عدد من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بإمكانية إغلاق المضيق فعلياً، وكلفة ذلك، والسيناريوهات التي قد تترتب عليه (Freedman, 2013; Gray, 2006).
إمكانية الاغلاق
عند الانتقال من المستوى النظري إلى الواقع العملي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن فعلاً إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل ومستمر؟ من الناحية النظرية، لا يمكن استبعاد إمكانية تعطيل الملاحة في المضيق لفترات محدودة، سواء عبر إجراءات عسكرية مباشرة أو من خلال خلق بيئة تهديد غير آمنة تدفع السفن إلى التوقف أو تغيير مساراتها. إلا أن الانتقال من التعطيل المؤقت إلى الإغلاق الكامل لفترة طويلة يظل أمراً بالغ الصعوبة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث التداعيات الاستراتيجية التي قد تترتب عليه. فالمضيق، بحكم أهميته العالمية، لا يُترك في الواقع العملي خارج نطاق الاهتمام الدولي، بل يخضع لحضور بحري مستمر من قبل قوى كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تنظر إلى ضمان حرية الملاحة فيه بوصفه جزءاً من أمنها الاستراتيجي الأوسع (Cordesman, 2007). كما أن الاعتماد العالمي الكبير على هذا الممر يجعل أي محاولة لإغلاقه لا تمس طرفاً واحداً، بل تؤثر في شبكة واسعة من الدول والاقتصادات، وهو ما يرفع من احتمالية التدخل الدولي المباشر أو غير المباشر لإعادة فتحه (Kaplan, 2012).
كلفة الإغلاق
إذا كان الحديث عن إمكانية إغلاق المضيق يندرج ضمن حسابات الضغط والردع، فإن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بإمكانية التنفيذ بقدر ما يتعلق بكلفة هذا الخيار ونتائجه. فمن الناحية المباشرة، يؤدي أي تعطيل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، واضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، وما يتبع ذلك من ارتباك في الأسواق المالية والتجارية، وهو ما يجعل تأثيره يتجاوز الإطار الإقليمي ليطال الاقتصاد العالمي بأسره (IEA, 2023; World Bank, 2022).
إلا أن هذه الكلفة لا تقع على الأطراف المتأثرة وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الدولة التي تقدم على هذا الإجراء، إذ إن تعطيل الملاحة لا يميز بين طرف وآخر، بل يفرض قيوداً عامة على حركة التجارة والطاقة، ويفتح الباب أمام تشديد العقوبات الاقتصادية، ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي والقدرة الاقتصادية للدولة المعنية (Cordesman, 2007; Katzman, 2020). وفي هذا السياق، لا تبقى إيران نفسها بمنأى عن هذه التداعيات، بل قد تتحمل جزءاً كبيراً منها، وربما بدرجة تفوق بعض الدول الأخرى، نظراً لاعتمادها هي أيضاً—ولو في ظروف مقيدة—على هذا الممر أو على البيئة الاقتصادية المرتبطة به. ومن هنا، يتضح أن كلفة الإغلاق لا يمكن النظر إليها بوصفها أداة ضغط أحادية الاتجاه، بل هي في حقيقتها سلاح ذو حدين، قد يحقق تأثيراً فورياً على الخصوم، لكنه في الوقت ذاته يفرض أثماناً مباشرة وغير مباشرة على من يستخدمه. كما أن القدرة على تعطيل الملاحة لفترة محدودة لا تعني بالضرورة القدرة على الاستمرار في إغلاقها، وهو ما يجعل الحديث عن “إغلاق كامل ومستدام” أقرب إلى أداة ضغط أو تهديد استراتيجي منه إلى خيار قابل للتحقق على المدى الطويل، خاصة في ظل تشابك المصالح الدولية واتساع نطاق التداعيات المحتملة (Freedman, 2013).
السيناريوهات المحتملة للاغلاق
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن أزمة مضيق هرمز لا تتحرك في مسار واحد، بل تبقى مفتوحة على أكثر من احتمال، تبعاً لحسابات الأطراف المعنية، وحجم الضغوط الدولية، ومدى قدرة كل طرف على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية. ومن الناحية العملية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا بمعنى أنها منفصلة تماماً عن بعضها، بل لأنها قد تتداخل أو يتطور أحدها إلى الآخر إذا لم تُدار الأزمة بحذر كافٍ.
- السيناريو الأول : التعطيل المحدود،
وهو الاحتمال الأقل كلفة والأكثر استخداماً في مثل هذه الأزمات. وفي هذا السيناريو لا يجري إغلاق المضيق بصورة كاملة، بل يتم خلق حالة من القلق وعدم اليقين من خلال تهديدات متكررة، أو مناورات بحرية، أو توقيف بعض السفن، أو وقوع حوادث متفرقة تؤدي إلى رفع كلفة التأمين البحري وإبطاء حركة الناقلات. وهذا النوع من التصعيد يحقق للدولة التي تستخدمه هدفاً سياسياً مهماً، لأنه يرسل رسالة ضغط قوية إلى الخصوم، دون أن يصل بالضرورة إلى مستوى الحرب المفتوحة. غير أن خطورته تكمن في أنه قد يخرج عن السيطرة إذا وقع خطأ في التقدير أو حادث غير محسوب بين القوات البحرية أو السفن التجارية في منطقة ضيقة ومزدحمة مثل مضيق هرمز (Cordesman, 2007; Kaplan, 2012).
- السيناريو الثاني التصعيد العسكري المباشر
ويحدث عندما ينتقل الأمر من التهديد أو التعطيل الجزئي إلى استهداف فعلي للسفن أو الموانئ أو البنية البحرية المرتبطة بالملاحة. وفي هذه الحالة لا تعود الأزمة مجرد خلاف قانوني أو ضغط سياسي، بل تتحول إلى مواجهة عسكرية قد تستدعي تدخلاً دولياً واسعاً، خصوصاً إذا تعرضت ناقلات النفط أو السفن التجارية التابعة لدول كبرى للخطر. وتزداد حساسية هذا السيناريو لأن مضيق هرمز لا يخدم دولة واحدة، بل يمثل شرياناً للطاقة العالمية، إذ تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية مر عبر المضيق في عام 2024، وهو ما يجعل أي استهداف مباشر للملاحة فيه ذا آثار عالمية فورية (U.S. Energy Information Administration, 2025). لذلك فإن التصعيد العسكري في هذا الممر لا يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية، بل قد يفتح الباب أمام عمليات بحرية وجوية أوسع لإعادة فتح الممر وحماية الملاحة.
- السيناريو الثالث الاحتواء السياسي
وهو السيناريو الأكثر عقلانية إذا أدركت الأطراف أن كلفة الإغلاق أو المواجهة ستكون أعلى من مكاسبها. ويقوم هذا السيناريو على العودة إلى التفاوض، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين، بهدف التوصل إلى تفاهمات تضمن حرية الملاحة، وتسمح في الوقت نفسه لكل طرف بالحفاظ على قدر من ماء الوجه السياسي. وقد يأخذ هذا الاحتواء شكل تفاهمات مؤقتة، أو ترتيبات أمنية بحرية، أو تخفيف متبادل للإجراءات التصعيدية. وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه يعترف بحقيقة أساسية، وهي أن المضايق الدولية لا يمكن إدارتها بمنطق القوة وحده، لأن مصالح الدول الكبرى، ودول الخليج العربية، وإيران نفسها، تتداخل جميعها في هذا الممر الحيوي، بما يجعل الاستقرار فيه مصلحة مشتركة حتى بين الأطراف المتخاصمة (International Energy Agency, 2026; Rothwell & Stephens, 2016). ومن ثم، فإن السيناريوهات الثلاثة تكشف أن مضيق هرمز ليس مجرد نقطة عبور بحرية، بل ساحة اختبار لإدارة الأزمات في النظام الدولي. فالتعطيل المحدود قد يتحول إلى تصعيد عسكري، والتصعيد العسكري قد يفرض العودة إلى الاحتواء السياسي، أما الاحتواء الناجح فيحتاج إلى إدراك مشترك بأن حرية الملاحة في هذا المضيق ليست مصلحة لدولة واحدة، بل شرط من شروط الاستقرار الإقليمي والاقتصادي العالمي.
التقييم الواقعي الحالي
ومن خلال قراءة المؤشرات الميدانية والتفاعلات السياسية الجارية، يتضح أن الواقع الحالي لا يشير إلى إغلاق كامل للمضيق ولا إلى انزلاق مباشر نحو مواجهة عسكرية شاملة حتى الان لانه انما يطبق ضمن اطار المواجهة العسكرية وحالة التوقف المؤقت فيها او الهدنة القلقة انتظارا لنتائج المفاوضات ، بل يعكس بصورة واضحة تطبيق سيناريو “التعطيل المحدود”، حيث تُستخدم التهديدات والتحركات العسكرية المدروسة، إلى جانب بعض الحوادث والاحتكاكات المحدودة، كأدوات ضغط تهدف إلى التأثير في مواقف الأطراف الأخرى دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي رداً دولياً واسعاً. ويعكس هذا النمط من السلوك محاولة تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية من خلال توظيف الموقع الجغرافي للمضيق، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش من التحكم في مستوى التصعيد، بما يسمح بإبقاء الأزمة ضمن نطاق يمكن إدارته دون الانزلاق إلى صدام مفتوح.
استشراف المستقبل
إذا كان الواقع الراهن يعكس نمط “التعطيل المحدود”، فإن مستقبل مضيق هرمز والمنطقة المحيطة به سيبقى مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على إدارة التوازن بين الضغط والتصعيد من جهة، والاحتواء والتفاهم من جهة أخرى. ومن الناحية القانونية، يُرجّح أن يستمر خضوع هذا الممر الحيوي لنظام “المرور العابر” كما أقرّته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما يعني أن أي محاولة لتعطيل الملاحة بشكل كامل ستظل موضع اعتراض دولي، وقد تُفسَّر على أنها إخلال بقواعد راسخة في القانون الدولي (United Nations, 1982)، وقد تفتح المجال—في حال استمرارها—أمام تفعيل آليات المسؤولية الدولية للدول، وما قد يترتب عليها من تدابير قانونية جماعية تهدف إلى إعادة الأمور إلى نصابها وفقاً لقواعد القانون الدولي.
ومن المرجح أن يستمر المضيق، في المدى المنظور، ساحةً لتوظيف الجغرافيا كأداة تأثير، حيث ستبقى التهديدات والتحركات العسكرية المحدودة جزءاً من أدوات التفاوض غير المباشر، دون الوصول—في الغالب—إلى الإغلاق الكامل الذي يفرض كلفة لا يمكن لأي طرف تحمّلها، سواء من الناحية الاقتصادية أو القانونية، نظراً لما قد يترتب عليه من ردود فعل جماعية لحماية حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية مشتركة (Rothwell & Stephens, 2016)، وهو ما يجد سنده أيضاً في ممارسات دولية مستقرة تؤكد أن حماية طرق الملاحة الدولية تدخل ضمن نطاق الاهتمام المشروع للمجتمع الدولي.
وفي الوقت ذاته، قد نشهد توجهاً متزايداً نحو تقليل الاعتماد المطلق على هذا الممر، من خلال تنويع طرق نقل الطاقة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ البديلة، إلا أن هذه البدائل، على أهميتها، لن تُلغي في المستقبل القريب الدور المركزي للمضيق، بل ستحدّ فقط من درجة الهشاشة المرتبطة به. كما يُتوقع أن يتعزز الحضور الدولي في المنطقة، ضمن أطر تسعى—على الأقل من الناحية القانونية—إلى ضمان استمرارية الملاحة وتقليل احتمالات الاحتكاك، دون المساس بمبدأ السيادة إلا في الحدود التي يقرّها القانون الدولي، وقد يتطور ذلك—إذا ما تصاعد النزاع—إلى ترتيبات دولية أكثر تنظيماً، سواء عبر قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي أو من خلال تشكيل أطر متعددة الجنسيات لحماية الملاحة، استناداً إلى مبدأ حفظ السلم والأمن الدوليين.
ومن هنا، فإن مستقبل مضيق هرمز لن يُحسم بقرار أحادي، بل سيتشكل عبر تفاعل مستمر بين القانون وميزان القوة، وبين ضرورات الاقتصاد العالمي وحدود السيادة الوطنية، في معادلة دقيقة تفرض على جميع الأطراف التقيّد—ولو جزئياً—بقواعد لا يمكن تجاوزها دون كلفة تتجاوز حدود السيطرة، بما في ذلك احتمالات التدويل القانوني للنزاع إذا ما تجاوزت الأزمة حدودها الإقليمية.
الخاتمة
تُظهر دراسة المضايق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أنها لا تقع ضمن نطاق بسيط يمكن تفسيره بمفاهيم السيادة التقليدية أو قواعد القانون الدولي بمعزل عن الواقع، بل تتموضع في منطقة مركبة تتداخل فيها النصوص القانونية مع اعتبارات القوة، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع الحسابات السياسية والاستراتيجية. فهذه الممرات، بحكم طبيعتها ووظيفتها، ليست ملكاً خالصاً للدول التي تطل عليها، ولا فضاءً حراً بالكامل يخضع لإرادة المجتمع الدولي وحده، بل هي نقاط توازن دقيقة تتشابك عندها مصالح الدول الإقليمية مع مصالح القوى الكبرى، ضمن معادلة حساسة يصعب إخضاعها لتفسير واحد. وقد بيّن التحليل أن هذه المضايق لا تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي فحسب، بل من كونها شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيها ذا انعكاسات تتجاوز حدودها المباشرة. كما أظهرت التجارب التاريخية، من مضيق تيران إلى أزمة السويس والمضايق التركية، أن السيطرة على هذه الممرات أو محاولة تعطيلها قد تتحول بسرعة إلى عامل تصعيد، يجرّ معه تدخلاً دولياً واسعاً، ويعيد تشكيل موازين القوة في الإقليم وربما في النظام الدولي. وفي ضوء الواقع الراهن، يتضح أن ما يجري في مضيق هرمز لا يخرج عن إطار “التعطيل المحدود”، حيث تُستخدم الجغرافيا—مدعومة بوسائل القوة الحديثة—كأداة ضغط دون الوصول إلى حد المواجهة الشاملة، وهو ما يعكس إدراكاً ضمنياً لدى الأطراف المعنية بأن كلفة الإغلاق الكامل أو التصعيد العسكري المباشر تفوق بكثير ما يمكن تحقيقه من مكاسب. ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه لا يقتصر على الجانب القانوني أو العسكري، بل يمتد إلى فهم أعمق لطبيعة هذه الممرات، بوصفها نقاط التقاء بين المصالح والتوازنات، حيث لا يكون التحكم بها مسألة سيطرة مطلقة، بل إدارة دقيقة لمعادلة معقدة، قد تنتقل—في حال اختلالها—من إطارها الإقليمي إلى نطاق المعالجة الدولية، بما قد يستدعي تدخلاً قانونياً ومؤسسياً لضمان استمرارية الملاحة وحماية المصالح المشتركة. فالمضايق البحرية ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل مفاتيح تأثير في ميزان القوة العالمي… ومن يسيطر عليها لا يملك العالم، لكنه قد يملك القدرة على التأثير فيه، وربما تعطيله.
المراجع
BP. (2023). Statistical review of world energy 2023. BP.
Churchill, R. R., & Lowe, A. V. (1999). The law of the sea (3rd ed.). Manchester University Press.
Cordesman, A. H. (2007). Iran, oil, and the Strait of Hormuz. Center for Strategic and International Studies (CSIS).
Freedman, L. (2013). Strategy: A history. Oxford University Press.
Gaddis, J. L. (2005). The Cold War: A new history. Penguin Press.
Gray, C. S. (2006). The geopolitics of super power. University Press of Kentucky.
International Energy Agency. (2023). World energy outlook 2023. IEA.
International Energy Agency. (2026). Global energy security report.
International Monetary Fund. (2023). Regional economic outlook: Middle East and Central Asia. IMF.
Kaplan, R. D. (2012). The revenge of geography: What the map tells us about coming conflicts and the battle against fate. Random House.
Katzman, K. (2020). Iran’s foreign and defense policies. Congressional Research Service.
Keegan, J. (1998). The First World War. Vintage Books.
Kyle, K. (2011). Suez: Britain’s end of empire in the Middle East. I.B. Tauris.
Mahan, A. T. (1890). The influence of sea power upon history, 1660–1783. Little, Brown and Company.
McCauley, M. (1997). The Cold War 1941–1991. Longman.
Oren, M. B. (2002). Six days of war: June 1967 and the making of the modern Middle East. Oxford University Press.
Ovendale, R. (1996). Britain, the United States, and the end of the Palestine mandate. Boydell Press.
Quigley, J. (2013). The Six-Day War and Israeli self-defense. Cambridge University Press.
Rothwell, D. R., & Stephens, T. (2016). The international law of the sea (2nd ed.). Hart Publishing.
Singer, P. W., & Friedman, A. (2014). Cybersecurity and cyberwar: What everyone needs to know. Oxford University Press.
Strachan, H. (2001). The First World War: Volume I: To arms. Oxford University Press.
Till, G. (2009). Seapower: A guide for the twenty-first century (2nd ed.). Routledge.
United Nations. (1982). United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS).
U.S. Energy Information Administration. (2023). The Strait of Hormuz is the world’s most important oil transit chokepoint. EIA.
U.S. Energy Information Administration. (2025). World oil transit chokepoints.
World Bank. (2022). Global economic prospects. World Bank.:

2688 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع