
سعد عبد المجيد ابراهيم
قصة قصيرة من الواقع - الفأر …الذي نجا بحكم الرحمة
قبل يومين فوجئت بزائر صغير يتجول في مطبخ البيت. كانت تلك أول مرة يزورنا فيها هذا النفر الضال من عائلة الفئران. ويبدو أنه كان ما يزال صغير السن، لأنه وكما نقول باللهجة العراقية: “بعده ما يندل دربه”؛ إذ ظل يركض مرتبكًا من زاوية إلى أخرى، ثم يعود من حيث أتى، وكأنه فقد البوصلة ولا يدري إلى أين يقصد.
رجحت أنه خرج من مجاري المنزل المتصلة بالشبكة العامة. وأنا أعلم أن الفئران بارعة في استخدام هذه الأنفاق، فهي تشن بين الحين والآخر غارات استطلاعية، أو حملات بحث عن الرزق، لتقتات مما أنعم الله به على عباده.
لكن المشكلة لا تقف عند فأر صغير يبحث عن لقمة. فمثل هذه الزيارة قد تكون مجرد طلائع لمشروع استيطاني كامل؛ يبدأ بالبحث عن الموقع المناسب، ثم يُنشأ بيت الزوجية تحت الثلاجة أو خلف خزائن المطبخ او حتى في داخلها، قبل أن يبدأ التكاثر، فتتحول المغامرة إلى عشيرة كاملة من البنين والبنات والأحفاد، يشاركوننا الطعام، ويقضمون أسلاك الأجهزة الكهربائية، وينقلون إلينا ما استطاعوا من الجراثيم والأمراض بكل اريحية!
ولكي نقطع الطريق على هذا المشروع السكني قبل أن يبدأ، ذهبت أنا والسيدة زوجتي إلى أحد محال بيع المبيدات، واشترينا نوعًا جديدًا من المصائد اللاصقة، استعدادًا للقبض على هذا المتسلل وإنزال العقوبة التي يستحقها لقاء انتهاكه حرمة منزلنا.
وضعنا المصيدتين في المكانين اللذين رأيناه يتردد عليهما، وأغلقنا باب المطبخ بإحكام حتى لا يتوسع في جولاته الاستكشافية إلى بقية أرجاء المنزل، ثم ذهبنا إلى النوم مطمئنين، ونحن على يقين بأن العدالة ستأخذ مجراها مع شروق الشمس.
وفي الصباح فتشت المصائد، فلم أجد شيئًا. قلت في نفسي: لعل الصغير عاد إلى أهله سالمًا، أو ربما أدرك أن المغامرة لا تستحق المخاطرة بعد ان وجد المكان يخلو مما يبحث عنه، أو لعله سيقع في الفخ اليوم أو غدًا… فلننتظر ونرَ.
وبعد قليل جاءت ابنتي، وهي في سنتها الجامعية الأخيرة، تحمل البشرى:
“أبي… الفأر وقع في المصيدة.”
فرحت بالخبر وقلت مازحًا:
“الحمد لله… لم يذهب تعبنا سدى.”
ثم سألتها:
“وأين هو الآن؟ وماذا فعلتِ به؟”
قالت بهدوء:
“خلصته من المصيدة اللاصقة، ونظفت قدميه من المادة اللاصقة باستخدام بعض الكريم، ثم أعدت المصيدة إلى مكانها.” (علمت لاحقًا أنها بحثت عن أفضل طريقة لإنقاذ الفأر من المادة اللاصقة، فوجدت شرحًا وافيًا لدى ChatGPT، فعملت بالنصيحة).
قلت مبتسمًا:
“حسنًا… تخلصنا من الفأر، ولكن أين هو الان؟”
قالت بكل بساطة:
“أطلقت سراحه في الشارع.”
استغربت وقلت:
“ولماذا؟ لماذا لم تقتليه؟ إنه حيوان مؤذٍ.”
فأجابت بكلمات قصيرة، لكنها كانت أبلغ من أي خطاب:
“وما ذنب المسكين حتى أقتله؟”
عندها انعقد لساني، ولم أجد جوابًا.
ثم قلت ممازحًا:
“لعلك أخذتِ منه عهدًا ألا يعود إلى منزلنا مرة أخرى!”
ربما كانت تلك، في نظرها، صورة من صور الرحمة. أما في نظري، فما زلت أخشى أن يكون الفأر قد عاد إلى قومه يروي لهم قصة نجاته، ويصف لهم بيتًا يسكنه قوم طيبون، لا يكتفون بالعفو عن ضيوفهم غير المرغوب فيهم، بل ينظفون أقدامهم أيضًا قبل أن يودعوهم. ولعله دعاهم إلى جولة استطلاعية في مطبخنا، تمهيدًا لاتخاذ قرار جماعي بتحويله إلى موطن دائم لعشيرتهم الكريمة!
ابتسمت وأنا أنظر إلى ابنتي، وأدركت أن الرحمة خُلُق يسكن القلوب. قد أختلف معها في طريقة التعامل مع هذا الزائر غير المرغوب فيه، لكنني لم أستطع إلا أن أحترم ذلك القلب الذي رأى في فأر صغير روحًا تستحق فرصة أخرى.
غير أن هذه الحادثة الصغيرة أخذت أفكاري بعيدا وإلى مكان آخر. تذكرت أولئك الذين أُلقي القبض عليهم مؤخرًا بتهم تتعلق بسرقة المال العام، وخشيت أن يتعامل معهم القضاء بالطريقة نفسها التي تعاملت بها ابنتي مع الفأر: يُزال عنهم ما علق بهم، وتُغسل آثار جرائمهم، ثم يُعتذر إليهم ويُطلق سراحهم ليعودوا إلى ما كانوا عليه.
نعم، الرحمة فضيلة عظيمة، لكنها، كسائر الفضائل، لا تستقيم إلا إذا وُضعت في موضعها. فالرحمة بمخلوق صغير دخل بيتك جائعًا شيء، والرحمة بمن يسطو على أموال الناس ويخون الأمانة شيء آخر تمامًا.
قد تطلق سراح فأر صغير، ربما لا يعود إلى بيتك مرة أخرى. أما من اعتاد سرقة المال العام، فإذا أُفلت من العقاب، فإنه لا يعود وحده، بل يعود ومعه آخرون، لأن الإفلات من العقوبة يغري بتكرار الجريمة ويغري غيره بسلوك الطريق نفسه.
فالعدالة ليست نقيض الرحمة، وإنما هي شرط من شروطها. والرحمة التي تُمارس في غير موضعها تتحول إلى ظلم للمجتمع، وإلى رسالة خاطئة مفادها أن المال العام مباح، وأن خيانة الأمانة يمكن أن تمر بلا حساب.
ولعل هذا هو الدرس الذي خرجت به من تلك الحادثة الصغيرة: ليس كل من يقع في الفخ ينبغي أن يُطلق سراحه. فثمة فرق شاسع بين أن ترحم فأرًا سرق فتاتًا من الطعام، وأن ترحم من سرق وطنًا بأكمله.

851 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع